Home » , , , , , » فرسان المعبد , والوسام الألماني , ودولة فرسان مالطا منظمات سرية خرجت من رحم الحملات الصليبية

فرسان المعبد , والوسام الألماني , ودولة فرسان مالطا منظمات سرية خرجت من رحم الحملات الصليبية

كتب محمد العتر لساسة بوست

منظمات سرية خرجت من رحم الحملات الصليبية

بداية من القرن الحادي عشر ميلاديًّا، بدأت الممالك الأوروبية، بشن هجمات عسكرية، على المشرق العربي، لأغراض يُختلف في تحديدها، فالبعض يذهب إلى أنّها لأغراض استعمارية، وتحقيقًا لمصالح اقتصادية وسياسية، ومن هذا الطبيعة الاستيطانية لهذه الهجمات، فيما يُرجع آخرون تلك الهجمات العسكرية إلى أهداف دينية بحتة، ويُعزز
من فرضيتهم، أنّ البداية لتلك الهجمات، كانت دعوةً باباوية لتسيير قوافل حجّ إلى الأراضي المقدسة الخاضعة لسيطرة العرب، ما استدعى وجود حراسة عسكرية لها!
على كل حال، هذه الهجمات، التي عُرفت لاحقًا بالحملات الصليبية، والتي امتدت على مر قرنين تقريبًا، كان لها كبير الأثر على أوروبا، من حيث الانحسار التدريجي لدور الكنيسة في الشأن العام، بعد تدهور الوضع الاقتصادي على أثر المصروفات الضخمة على الحملات الصليبية التي لم تُجدِ نفعًا، كما أنّ بعض الباحثين يعتبرون أن نهاية حقبة الحملات الصليبية، كانت بداية نشوء الحركات التي تطورت بدعواتها أنظمة الحكم الأوروبية، نهاية بصورة الدولة القومية الحديثة.
((مثّلت الهزيمة الصليبية بداية حقيقية للفصل بشكل قوي بين الدولة ومؤسساتها من ناحية، والسلطة الروحية ممثلة في بابا الفاتيكان وكنيسته. – محمد عبدالستار البدري))
بالإضافة لهذا، برزت من قلب الحملات الصليبية مجموعات عسكرية منظّمة، تحت ألقاب دينية، كان لها دور كبير في تلك الحملات وما بعدها في أوروبا، بعد أن توسعت وصار لها نفوذ اقتصادي، فضلًا عن العسكري. تلك المجموعات أو التنظيمات، اكتنفها الغموض، ودارت حولها الشائعات التاريخية، التي صنعت منها أساطير حول مدى نفوذها “الباطني” وتغلغلها في كل شيء في العالم تقريبًا!
في السطور التالية، نعرض أبرز تلك المنظمات، وحقيقة الدور الذي لعبته في زمن نشأتها، وعلى مر الأزمنة اللاحقة.

فرسان المعبد.. الجنود الفقراء لهيكل سليمان

كما أنّ نشأة فرسان المعبد، تشكك في أمر سريتها، فإنها أيضًا السبب الأوّل لكل الأساطير المحاكة حولها، الموثّق منها وغير الموثّق. إنها الجماعة التي تكونت أول ما تكونت (عام 1120)، من تسعة فرسان رهبان، واتخذت في الحرم المقدسي، أو ما يسمونه بجبل الهيكل، أول مقرٍّ لها، انطلقت منه لحماية الحجاج المسيحيين إلى القدس، من خطر الكمائن التي كانت المقاومة العربية قد نصبتها لهم على الطرقات خلف المدن الرئيسية.
أمّا اسمهم فيرجع إلى الاعتقاد المسيحي/ اليهودي بأنّ المسجد الأقصى قائم على أنقاض معبد سليمان، أو هيكل سليمان، لذا أيضًا سُمّوا بفرسان الهيكل، والفرسان الفقراء لمعبد سليمان، بسبب افتقار التنظيم الناشئ للتمويل الكافي في بداياته، حتى أنّه اتخذ شعارًا له، فارسين يمتطيان حصانًا واحدًا. لكن فقر التنظيم لم يدم طويلًا.. ولهذه حكاية.

العطاء الباباوي بالغ الكمال

لا يوجد تفسيرات واضحة للامتيازات التي حصل عليها فرسان المعبد من بابا الفاتيكان، لكنّ فيما يبدو أن الدور الذي لعبوه خلال الحملات الصليبية كان شديد الأهمية، فضلًا عن صعوبة تنفيذ الجيوش النظامية له، ولعلك لو علمت أنّه مع الإعفاءات التي قدّمها صلاح الدين بُعيد معركة حطّين، للجنود الأوروبيين، إلا أنّه لم يتوان في القضاء على فلول فرسان المعبد وغيرها من التنظيمات المسيحية؛ قد تفهم جزءًا من أهمية الدور الذي كانت تلعبه تلك التنظيمات، وعلى رأسها فرسان المعبد.
بعض التأريخات لهذه الحقبة الزمنية، توضح طبيعة دور فرسان المعبد في الحروب، إذ كانوا ينفذون العمليات العسكرية المعتمدة على أساليب تُعرف الآن بـ”حرب العصابات”، لذلك كانت لها مساهمات كبيرة في الحد من خسائر الكمائن المنصوبة للحجاج المسيحيين، وكذلك تأمين الطرق للقوافل التجارية والحربية الصليبية. من هنا كانت أهميّة الامتيازات التي منحها البابا لهذا التنظيم، والمشتملة على إعفائهم من الولاء سوى للبابا والكنيسة.
فارس المعبد مغوار/ لا يشق له غبار. تحتمي روحه بدروع الإيمان/ قبل أن يحتمي جسده بدروع الحديد. فهو محمي من كل جانب/ لا يهزه خوف من الإنس أو الشيطان. – من كتاب “في مدح تنظيم الفروسية الجديد”
كذلك شملت تلك الامتيازات الباباوية، التي جاءت تحت اسم “العطاء بالغ الكمال”، إعفاء أعضاء التنظيم من الضرائب، ومنحهم حقّ التجوّل عبر الحدود بحريّة ودون خضوعهم لأي قوانين محلّية. وكانت تبعية التنظيم المباشرة للبابا، بابًا مفتوحًا على مصراعيه للهبات والعطيات المالية الموجّهة للتنظيم، الذي يمثّل الكنيسة/ الرّب في الأراضي المقدّسة.
هذا، وقد ساهم انضمام أعداد كبيرة من المدنيين إلى التنظيم، في تكوّن قاعدة له داخل أوروبا، تدير شبكة اقتصادية، كانت الأضخم والأكبر في أوروبا كلّها.

الآباء المؤسسون للاقتصاد البنكي!

أدار رجالات التنظيم المدنيين في أوروبا، شبكته الاقتصادية، عبر عدّة وسائل، اعتبرها الباحثون المتخصصون، إرهاصًا أوليًا لما بات يعرف بنظام البنوك، حيث إن وجود التنظيم كشخصية اعتبارية مستقلة داخل أوروبا، لا تدين بالولاء لأي أمير أو دوق أو ملك، ساهم في في تنفيذهم مشاريع اقتصادية، من جهةِ شجّعت ازدهار قوافل الحجّ المسيحية الاستيطانية للأراضي المقدّسة، ومن جهة أخرى نمّت البنية الاقتصادية للتنظيم، وعززّت كذلك من نفوذه السياسي.
انضوى التنظيم إلى ما يمكن وصفهم بأمراء الحرب، وتوزعوا ما بين المشرق وأوروبا، والعسكريين الذين خاضوا المعارك في المشرق، ومدنيين تركزوا بصورةٍ أساسية في أوروبا، وأشرفوا على إدارة مؤسسات ومشاريع التنظيم بها. وكان من أبرز المشاريع المالية التي أدارتها المنظمة، إصدار وثائق اعتمادات تُنظّم اتفاقًا ماليًّا قائمًا على تسليم الشخص ممتلكاته وأمواله في أوروبا إلى التنظيم، في مقابل استرداده لمثل قيمتها في المناطق المقصودة للحج بالمشرق العربي.
وبالجملة فلقد كان للتنظيم أثر واسع ممتد إلى الآن، وعلى عدة مستويات، من بينها مثلًا الزي الشهير المستخدم في الأعمال الفنية للدلالة على جندي الحملات الصليبيبة، وهو الزي الأبيض بالصليب الأحمر الكبير. المفارقة في أنّ هذا الزي كان يخص فرسان التنظيم دونًا عن غيرهم، وهو امتياز حصل عليه التنظيم، من جملة الامتيازات الباباوية.

 


أثر التنظيم أيضًا امتد لأرض الواقع، في مبانٍ باقية إلى اليوم، كشاهد على قوة وسعة نفوذهم في أرجاء أوروبا. وفضلًا عن الإرث الحركي الذي يُرجع إليه كثير من الباحثين تطور رؤى وأفكار اقتصادية تنموية الآن، كان للتنظيم أيضًا الأثر في تكوين تنظيمات أخرى ارتبطت به، أو أنها ربطت نفسها به. ولعلّ نهاية التنظيم الدرامية، كانت من الأسباب التي خلقت حوله هالة أسطورية!

النهاية: الرب ساخط على أوروبا بسبب فرسان المعبد!

مع انحسار الحملات الصليبية في المشرق العربي وضعفها، انحسر بالضرورة النفوذ العسكري لفرسان المعبد، والذي كان أساس التأسيس والمنطلق نحو أي بسط للنفوذ في أوروبا، ما أدى بدوره إلى انحسار الدعم الذي كان يتلقاه التنظيم، سواءً كان على هيئة تبرعات خيرية، أو دعمًا رسميًّا من الكنيسة، وبعض نبلاء الممالك الأوروبية. وبطبيعة الحال أضعف هذا من قوّة التنظيم، وإن لم يكن بصورة كبيرة، لتغلغله المسبق في المجتمع الأوروبي، فضلًا عن جملة الامتيازات التي تجعله فوق القانون حرفيًّا، بالإضافة إلى المشاريع الاقتصادية التي ساهمت في فرضه لوجوده بأوروبا بشكل مستقل ومبرر، وإن ضاقت دائرة نفوذه العسكري في البلدان العربية. من أجل هذا تحديدًا، سعى البابا كليمنت الخامس، إلى التضييق على التنظيم، الذي وصل بقوته حد الاستقلال التام في تحركاته عن البابا، الذي كان المرجع الأول والوحيد للتنظيم.
شنّ كليمنت الخامس (توفيّ عام 1314) حملة تشويه واسعة للتنظيم وأعضائه، حيث تقول التقديرات إن أعداد المنضوين تحت التنظيم بلغت نحو 200 ألف. وشملت حملة التشويه، اتهام فرسان المعبد بالهرطقة والتحريف في الديانة المسيحية بما لا يتوافق وطقوس الكنسية، فضلًا عن اتهام أعضاء كبار فيه بارتكاب أعمال إجرامية.
هنا نقطة خلاف تاريخي، مبنية في الأساس على التحيزات إما ضد التنظيم وما يمثله، أو معه وما يمثله، فمن جانب يقول مؤرخون إن تلك الاتهامات ملفّقة، وساهم في ذلك ملك فرنسا فيليب الرابع، بسبب مديونيته الضخمة للتنظيم الذي ساعده في حربه ضد إنجلترا، فبالتالي تحالف فيليب مع البابا كليمنت الخامس في تلفيق هذه الاتهامات لأعضاء التنظيم، والترويج لها لتبرير الخطوات القادمة، المتمثلة في إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم، ثمّ تنفيذ الأحكام بطريقة وُصفت بالبشعة!
((إن الربّ ساخط علينا، إذ تؤوي بلادنا أعداءً للدين.))
كانت هذه العبارة التي استُهلّت بها مذكرة اعتقال قادة التنظيم، الذين اتهموا بالإلحاد والهرطقة والوثنية، كما النصب والاحتيال وارتكاب أعمال إجرامية، وتهم أخلاقية تتعلق بممارسة طقوس مرتبطة بـ”الشذوذ الجنسي”.
جانب آخر، يؤكد صحة الاتهامات التي أدين أفراد التنظيم بها، بخاصة وأنّ والوثائق التاريخية تسجّل ذلك وتثبته، من حيث اعترافات أفراد التنظيم الذين أُلقي القبض عليهم، لكن الطرف الأوّل يذهب إلى أنّ تلك الاعترافات أخذت بالتعذيب الذي تعرّض له أفراد التنظيم، وفي الحقيقة إحدى الوثائق تؤكّد ذلك بشكل أو بآخر:
((أقرّ أنا ليموند دي لافير، بأنني بصقت على الصليب 3 مرّات، لكن من فمي لا من قلبي.))
نهايةً، من حكم عليه بالإعدام، نُفّذ فيه الحكم بالحرق، والباقي من أعضاء التنظيم إمّا فروا، أو اختبؤوا بعد أن صدر مرسوم ملكي فرنسي بحلّ التنظيم، مكونين تنظيمات أخرى بأسماء أخرى. لاحقًا بعض الدراسات المختصة، ربطت بين فرسان المعبد وبعد التنظيمات “السرية” في العصر الحديث، أشهرها الماسونية، التي يذهب البعض إلى اعتبارها امتدادًا تاريخيًّا للفرسان الفقراء لهيكل سليمان، فضلًا عن أخرى مثل Ordo Templi Orientis.

فرسان القديسة ماريّة الألمان

لم يكن تنظيم فرسان المعبد الوحيد على ساحة تنظيمات الرهبان المسيحيين العسكريين، وإن كان الأول، وربما انبثقت منه بعض التنظيمات. من بين التنظيمات التي تشكلت على غرار فرسان المعبد، فرسان تيوتون أو الوسام الألماني، والتي كانت بدايتها مشفى أنشأه أحد رجال ألمانيا الأثرياء في الجنوب الشرقي لألمانيا، جعله مخصص لعلاج جنود الحملات المصابين، أو الحجاج المسيحيين الوافدين إلى الأراضي المقدسة، ثمّ تطورت بالهبات والعطايا الخيرية والكنسية لتُلحق بها مضيفة لاستقبال وفود الحجاج، ثمّ بنيت عليها كنيسة، عرفت باسم كنيسة القديسة مارية (مريم). كان ذلك بدايةً من عام 1128.
كانت الكنيسة وملحقاتها الخدمية كالمشفى والمضيفة، مخصصة للألمان الوافدين أو المستقرين في الأراضي المقدسة، وعزز من ذلك المرسوم الباباوي الذي أطلق يدها في تحركاتها بعيدًا عن إدارة مملكة القدس المسيحية، ولكن أيضًا في إطار المشاريع الخدمية فقط، وذلك بسبب تخوفات التنظيمات الأخرى الرهبانية العسكرية، من أن يؤدي المرسوم الباباوي إلى زيادة في تطلعات الجماعة القائمين على الكنيسة، وفي المقابل تلك التخوفات أدّت إلى أن تعمد الكنيسة على تكوين فرق عسكرية خاصة بها، وتوسيع نفوذها، ولكن بخطوات حذرة، تتسم بالسرية أكثر من غيرها.


برز دور التنظيم العسكري في الفترة التالية لمعركة حطين، وفرض صلاح الدين سيطرته على القدس بعد أن ضرب حولها حصارًا، أدّى لفرار مجموعات مسيحية أوروبية من المدينة إلى مدن أخرى ساحلية لا زالت تحت السيطرة المسيحية، أو لم يصل إليها العرب، من بين تلك المجموعات كان الفرسان التيوتون، الذين اتجهوا لعكّا، قبل أن تحاصر بدورها في تسعينات القرن الثاني عشر، ويضطر الجنود إلى الانسحاب إلى أوروبا محملين بالخسائر المادية والمعنوية. لكن في المقابل، كانت هزيمتهم، باب توسع نفوذهم في أوروبا!

الوسام الألماني: نحو مزيد من النفوذ

في عام 1998 منح البابا أنوست الثالث وسام استحقاق لجماعة الكنيسة الألمانية، والذي منه عرفت الجماعة أو التنظيم في الوثائق التاريخية بتنظيم “وسام ألمانيا” أو “الوسام الألماني”. كانت الجماعة قد طورت نفسها على هيئة تنظيم شديد الشبه بتنظيم فرسان المعبد من حيث الهيكل والتقسيمات التراتبية داخله.
ومع الوسام الذي منح التنظيم إيّاه، تمتع باستقلال في إدارة تحركاته، فضلًا عن الدور الذي لعبه سواءً في القدس أم في عكا، وعلى مستويين: مستوى الخدمات المقدمة للوافدين الألمان إلى الأراضي المقدسة، والمستوى العسكري الذي مثّله جنود التنظيم بزي الرهبان الأبيض والصليب الأسود اللاتيني يعلوه.. هذا الدّور زاد من شعبية التنظيم بين الشعب الألماني، الذي تطوّعت أعداد كبيرة من أثريائه في التنظيم بأنفسهم وأموالهم، فضلًا عن الحرفيين، وآخرين من عامة الشعب الذي توطّنوا مرتبة “إخوة الخدمة” داخل التنظيم، وهي أدنى مراتبه.

حرّاس المسيحية في وسط أوروبا وشرقها

انتقل أعضاء التنظيم بنفوذهم إلى أوروبا. وعلى غرار التنظيمات الناشئة في الأراضي المقدسة فترة الحروب الصليبية؛ سعى التنظيم إلى استمراريته، بل توسيع مناطق ومجالات نفوذه في القارة العجوز، حتى أنّه خاض حروبًا باسم المسيحية في وسط أوروبا وشرقها، ضد شعوب اتهمها بالزندقة أو الوثنية أو أي تهمة دينية تبرر بسط نفوذه على أرضهم، كبروسيا، التي تُسجّل الوثائق التاريخية ارتكاب التنظيم إبادة جماعية لشعبها!
انتهى التنظيم بمرور الزمن، في ظروف شبه غامضة، أو غير مؤكدة ومُختلف فيها، فمن جهة يقول مؤرخون إن نهاية التنظيم الحقيقية كانت على يد البولنديين الذين أوقعوا بهم هزيمة نكراء، في إحدى تلك الحروب باسم الدين التي قادها التنظيم، ثمّ قُسّمت تركته ما بين الممالك المجاورة والكنيسة بطبيعة الحال. من جهة أخرى يذهب مؤرخون إلى أنّ نهاية التنظيم كانت بتحوّل أحد زعماء التنظيم إلى البروتستانتية ليحدث الخلاف داخل التنظيم نفسه، والذي أدّى إلى تفتته، ثمّ انحسار نفوذه تدريجيًّا.


دولة “منظمة فرسان مالطا”

إن كنت من سكّان القاهرة، الخرطوم، الرباط، نواكشوط، بيروت، عَمّان، أو 100 دولةً أخرى حول العالم، بإمكانك إذًا زيارة سفارة دولة منظمة فرسان مالطا! نعم، نحن لم نخطئ في تسميتها، فتلك المنظمة الضارب تاريخها في الزمن إلى عهد الحروب الصليبية، تمتلك اعترافًا دوليًّا بوجودها كدولة، لكن بلا أرض وشعب!
بدايات نشأة المنظمة مُختلف عليها، يعود الأمر إلى طبيعة الفترة التاريخية التي نشأت فيها، هي وغيرها من المنظمات، حيث فُقدت كثير من الوثائق التاريخية التي دوّنت فترة بدايات الحملات الصليبية وسيطرتها على القدس، وذلك بُعيد انحسار الوجود الأوروبي في بلاد المشرق بعد معركة حطين وسيطرة صلاح الدين على القُدس.



هذا، ويقع الخلاف التاريخي في نشأة المنظمة على وجهين

الأوّل: هي نفسها منظّمة فرسان إسبتاريا المنشقّة عن منظمة فرسان المعبد، والمتنفذة في أوروبا اقتصاديًّا وسياسيًّا، وفي المشرق بخاصة الأراضي المقدسة عسكريًّا (في فترة الحملات الصليبية وما تلاها).
الثاني: هي منظمة خيرية في الأساس أنشأها تُجّار إيطاليين في مملكة القدس، وأسسوا ضمنها ديرًا ومدرسةً ومشفى، عُرفوا على أثرها باسم الهوسبتاليين نسبة إلى كلمة ospedale الإيطالية والتي تعني “مستشفى”.
المنظمة الحالية، ذات التمثيل الدبلوماسي تنفي الوجه الأوّل، وأن تكون على علاقة بالإسبتاريين بأي شكل من الأشكال، مُكرّسة لوجودها الخيري على مر تاريخها. لكن في زعمها مشكلة تكمن في الاسم، ففرسان إسبتاريا، اسمهم مُنشق من كلمة isptar – إسبتار، وهي كلمة مالطية تعني مستشفى بالعربية. ثمّ لو كانت المنظمة في الأصل مؤسسة خيرية إيطالية، فلماذا سُمّيت بفرسان مالطا، وليس فرسان إيطاليا؟ هذا أيضًا من جملة أدلّة أصحاب الوجه الأوّل في نشأة المنظمة.
وعلى كل حال، فإن ما تبقى من وثائق تاريخية يرسم صورة شديدة الشبه لتاريخ الإسبتاريين والهوسبتاليتيين، أو فرسان مالطا، بل إن حوادث تاريخية تتقاطع بين المنظمتين، للدرجة التي لا يمكن إلا الإقرار بأنهما منظمة واحدة منذ النشأة وحتى الآن، ولعل ما ارتبط تاريخيًّا باسم منظمة فرسان إسبتاريا، من حيث دورهم الأبرز في الحملات الصليبية الأولى على الشام، ثمّ الحملات على شمال إفريقيا، جعل المنظمة الحديثة، تنفي صلتها التاريخية بالإسبتاريين.

إذًا من هم الإسبتاريون؟

جماعة من الرهبان المسيحيين العسكريين، يُقال إنّها انشقّت عن فرسان المعبد، وبات لها الدور الأبرز في الحملات الصليبية، والنفوذ الأقوى في أوروبا، مع قربها من الكنيسة، ودرئها لأي خلافات قد تحدث بينها وبين الكنيسة، لذا فإن الكنيسة اعتمدت عليها في القضاء على فرسان المعبد، كما أنّها أعطتها امتيازات جمّة، من بينها مثلًا إعطاؤها حق التصرّف في المناطق التي كانت خاضعة لمنظمة فرسان تيوتون، بوسط أوروبا، كما أنّها أطلقت يدها للسيطرة على عديد من ممتلكات فرسان المعبد بعد حلّ المنظّمة.
بالإضافة إلى وجودهم المدني في أوروبا، ظلّ الوجود العسكري للمنظمة في منطقة الشرق العربي أطول من غيرها من المنظمات، وبالجملة فإن بقاء المنظمة للآن (ما يربو عن 900 عام) هو أمرٌ تفوقت به عن باقي قريناتها، بما فيها المنظمة الأم فرسان المعبد. هذا، وتوجّه عسكريو المنظمة، بعد انحسار الوجود الأوروبي في الشام، إلى جزر البحر المتوسّط كقبرص ومالطا التي ظلت تحت سلطتهم المطلقة حتى أخرجهم منها نابليون بونابارت. ومن مالطا انطلقت حملة للمنظمة باتجاه شمال إفريقيا، تحديدًا طرابلس (الليبية) لتبسط نفوذها عليها، بمباركة باباوية.


نابليون يسلبهم نفوذهم

ظلّ نفوذ المنظمة كما هو حتّى وصل نابليون بونابارت إلى سدة الحكم في فرنسا، وبدأ في تنفيذ مشروعه الاستعماري الذي تضمّن في مخططاته، ضمّ مصر إلى الإمبراطورية الفرنسية. رأى بونابارت أنّ بسط النفوذ على مالطا خطوة ضرورية للوصول إلى مصر، لذلك تحرّك بجيوشه وأساطيله إلى مالطا، التي طرد منها الفرسان دون مقاومة من جانبهم، ليعيشوا بداية من تلك الحادثة، ما سُمّي بفترة الشتات، والتي اضمحلّ فيها دور المنظمة، بل كاد ينتهي للأبد ويختفي وجودها، لولا تدخّل البابا ليون الثالث عشر عام 1871 لإعادة هيكلة المنظمة، وجمع شتات أفرادها، أو بالأحرى أحفاد أحفادهم.

منظمة فرسان مالطا ذات السيادة

استقر مركز إدارة المنظمة في إيطاليا، التي اعترفت بها لاحقًا كدولة/ منظمة ذات سيادة، مثلها مثل الفاتيكان، وانطلقت منها لإعادة بناء وجودها في دول العالم. حتى استطاعت نزع اعتراف العالم بها كمنظة/ دولة ذات سيادة، تتمتع بحق التمثيل الدبلوماسي في الدول المعترفة بها، وبإصدار جوازات سفر خاصة بأعضائها البالغ عددهم نحو 13 ألف “فارس”.



تُروّج المنظمة لانحسار أنشطتها في الأعمال الخيرية حول العالم، وبخاصة في الدول التي لها تمثيل دبلوماسي بها، لكن ورغم ذلك، فقد ارتبط اسم المنظمة في العديد من القضايا والأحداث المثيرة للجدل حول العالم، كثورة 25 يناير المصرية، والأحداث اللاحقة للغزو الأمريكي للعراق، كما ارتبط اسمها بالتاريخ الأسطوري للمنظمات الرهبانية العسكرية في حقبة الحملات الصليبية، بخاصة وأنّها – وللآن- واحدة من تلك المنظمات، وتعتمد على النظام الرهباني حتى الآن.
((عائلة جورج بوش وثيقة الصلة بمنظمة فرسان مالطا، بل إن بوش الأب من أبرز أعضائها، لذا فإن حديث جورج دبليو بوش عن “الحروب الصليبية” لم تكن مجرد زلّة لسان، كما لم يكن ذكره لـ”الفاشية الإسلامية” خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 مجرّد سوء اختيار. – سيمون بيلز))

 المصدر : ساسة بوست



0 التعليقات:

إرسال تعليق

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates