Home » , , , , , » قصيدة الورقة الأخيرة - الجنوبي - لـ أمل دنقل

قصيدة الورقة الأخيرة - الجنوبي - لـ أمل دنقل

إن هذه القصيدة التي بين أيدينا قد تمثل - كما يقول النقاد - استشراف الموت لدى أمل دنقل .

يقول سعيد بكور :" كتب الشاعر قصيدته " الورقة الأخيرة-الجنوبي" إبان تواجده بمستشفى الأورام السرطانية في فترة العلاج ، و رأت النور  في فبراير 1983م، وهي  بذلك تشكل  “رؤيا النهاية  والمعزوفة الأخيرة لأمل في دنيا الشعر وعالم الإبداع” ".

لذا فمطلع القصيدة قد يحكي عنها الكثير ، وقد تقرأها على لسانه وكأنما يتكلم عنك ، بل وأفضل مما قد تصف به حالك وماضيك.
 هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً .. سواي ؟


يقول سعيد بكور : عن هذا المقطع " إن توظيف الاستفهام جاء بغاية إبداء الإنكار و التعجب المغلّف بالمرارة التي تعتصر الشّاعر داخليّا ، فهو يرى صورته لَمَّا كان صغيرا فينكرُها ؛فكيف لطفل وسيم ممتلئ الوجه مبستمٍ أن يصبح بين عشيّة وضحاها شاحبا أصفر اللون ، رسمت عليه السنون نتوءاتِها، وحفرت  الليالي خنادقها العميقة، ونخر المرض جسمه فجعله مسمارا وأحاله إلى ما يشبه الشَّبح المخيفَ ، وهو في غمْرة تأمُّل الصُّورة \الصُّور العائلية تعود به الذَّاكرة إلى ماضٍ بعيد لا زال  يتذكَّره بتفاصيله وكأنّه حدث لتوِّه"



صورة

هل أنا كنت طفلاً
أم أن الذي كان طفلاً سواي؟
1

...
هذه الصورة العائلية!
كان أبي جالساً، وأنا واقفُ .. تتدلى يداي
رفسة من فرس
تركت في جبيني شجاً، وعلَّمت القلب أن يحترس
أتذكر
سال دمي
أتذكر
مات أبي نازفاً
أتذكر
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر
أختي الصغيرة ذات الربيعين
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها

المنطمس
2
أو كان الصبي الصغير أنا ؟
أن ترى كان غيري ؟
أحدق
لكن تلك الملامح ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي
و العيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرتُ عني غريباً
ولم يتبق من السنوات الغربية
الا صدى اسمي
وأسماء من أتذكرهم -فجأة-
بين أعمدة النعي
أولئك الغامضون : رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجها فوجها فيجتمع الشمل كل صباح

لكي نأتنس.

 (1)
وجه


3
كان يسكن قلبي
وأسكن غرفته
نتقاسم نصف السرير
ونصف الرغيف
ونصف اللفافة
والكتب المستعارة

هجرته حبيبته في الصباح فمزق شريانه في المساء
ولكنه يعد يومين مزق صورتها

واندهش.
خاض حربين بين جنود المظلات
لم ينخدش
واستراح من الحرب
عاد ليسكن بيتاً جديداً
ويكسب قوتاً جديدا
يدخن علبة تبغ بكاملها
ويجادل أصحابه حول أبخرة الشاي
لكنه لا يطيل الزيارة

4
عندما احتقنت لوزتاه، استشار الطبيب
وفي غرفة العمليات
لم يصطحب أحداً غير خف

وأنبوبة لقياس الحرارة.
فجأة مات !
لم يحتمل قلبه سريان المخدروانسحبت من على وجهه سنوات العذابات
عاد كما كان طفلاً
سيشاركني في سريري
وفي كسرة الخبز، والتبغ
لكنه لا يشاركني .. في المرارة.

(2)
وجه


ومن أقاصي الجنوب أتى،
عاملاً للبناء
كان يصعد "سقالة" ويغني لهذا الفضاء

5
كنت أجلس خارج مقهى قريب
وبالأعين الشاردة
كنت أقرأ نصف الصحيفة
والنص أخفي به وسخ المائدة
لم أجد غير عينين لا تبصران
وخيط الدماء.
وانحنيت عليه أجس يده
قال آخر : لا فائدة
صار نصف الصحيفة كل الغطاء
و أنا ... في العراء

 (3)
وجه

ليت أسماء تعرف أن أباها صعد؟
6
لم يمت
هل يموت الذي كان يحيا
كأن الحياة أبد
وكأن الشراب نفد
و كأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد ..
عاش منتصباً، بينما
ينحني القلب يبحث عما فقد.
ليت "أسماء"
تعرف أن أباها الذي
حفظ الحب والأصدقاء تصاويره
وهو يضحك
وهو يفكر
وهو يفتش عما يقيم الأود .
ليت "أسماء" تعرف أن البنات الجميلات
خبأنه بين أوراقهن
وعلمنه أن يسير
ولا يلتقي بأحد .

(4)
مرآة

7
-هل تريد قليلاً من البحر ؟
-إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي
البحر و المرأة الكاذبة.-سوف آتيك بالرمل منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه.
-هل تريد قليلاً من الخمر؟
-إن الجنوبي يا سيدي يتهيب شيئين :
قنينة الخمر و الآلة الحاسبة.
-سوف آتيك بالثلج منه
وتلاشى به الظل شيئاً فشيئاً
فلم أستبنه
بعدما لم أجد صاحبي

لم يعد واحد منهما لي بشيئ
8
-هل نريد قليلاً من الصبر ؟
-لا ..
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:

الحقيقة و الأوجه الغائبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ عن القصيدة : 

رؤيا النّهاية واستشرافُ الموت / قراءة في قصيدة ” الورقة الأخيرة – الجنوبي” لأمل دنقل

تحميل : ديوان أمل دنقل - الأعمال الكاملة pdf  

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates