الفكرة الوثن !

إنَّ مصطلح الجهل لا يعني بالضرورة مفهوم "الأمية " ، فهو غير مرادف بالجملة لأمية القراءة والكتابة ، فبينما تتخذ الأمية من مجال معين "هدف" تريد القضاء عليه - القراءة والكتابة في الدول النامية أو الحاسب في دولة متطورة كاليابان - نجد الجهل قد يشمل في معناه الأعم أفراد يمكنهم القراءة والكتابة ، بل وأحياناً أشخاص أصحاب ثقافة عالية في مجتمعاتهم ، ولكنهم في الحقيقة اذا وضعوا  تحت مقاييس الثقافة الانسانية الأشمل نجد أنهم أقل كثيراً من أن يلقب أحدهم بلقب "مثقف" أو توكل اليهم مهمة نشر الثقافة الصحيحة في مجتمعاتهم أو اننا سنجد في النهاية مجتمعات هامشية الأفكار ، تحيا في ظلمات الجاهلية وإن كانت تقرأ وتكتب .
يقول الفيلسوف الكبير مالك بن نبي في كتابه .. مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي : "لقد أطلق القرآن الكريم تسمية الجاهلية - أي الجهل - علي الوثنية التي سيطرت علي الجزيرة العربية قبل الاسلام ومع ذلك لم تكن تلك الجاهلية فقيرة في صناعة الأدب ، فقد حفلت هذه الفترة بألمع الاسماء ،لكنها ظلت تسمي الجاهلية أي عصر الجهالة لأن علاقتها المقدسة لم تكن مع أفكار وإنما كانت مع أوثان الكعبة ، فالكلام العربي آنذاك لم يكن يتضمن سوي كلمات براقة وخالية من كل بذور خلاقة"..ص96
وما أشبه اليوم بالبارحة ، فعلي الرغم من انتشارالشعراء والكتاب في الأقطار العربية قبل الاسلام أمثال امرؤ القيس ، والنابغة الذبياني ، كعب بن زهير ،و الأعشي ، وغيرهم الكثير ، الا أن القرآن لم يلتفت لكل ذلك ووصمهم بالجهل والوثنية ؛ لأن علاقة الاسلام بهؤلاء لم تكن في عجزهم عن نتاج الأفكار ، ولكن بسبب هامشيتها أوعبادتهم  لتلك الأفكار ، يقول بن نبي مرة أخري :" وإذا كانت الوثنية جهالة فالجهالة بالمقابل وثنية ، وليس من قبيل الصدفة أن الشعوب البدائية تؤمن بالأوثان والتمائم".
واليوم وفي ظل تلك الصراعات السياسية والاجتماعية في بلادنا ، نجد أننا عدنا بالزمن لأكثر من 1400 سنة  ، اي للعصور الجاهلية ، فعلي الرغم من انتشار القراءة والكتابة ووسائل التعلم والتثقف ، في مجتمعاتنا نجد  أننا بل ومثقفينا عدنا من جديد لعبادة الفكرة " الوثن " ،وأصبحت أفكارنا غير قابلة للنقاش ، وعقولنا غير قابلة للتراجع قيد أنملة عما آمنت به من أفكار ، سواءً كانت تلك الأفكار صحيحة أو أنها هامشية سطحية ، فانتشرت في المقابل ثقافة الابتزاز الفكري لإقناع المعارض بما نؤمن به ،وتلاشى بالكامل مفهوم الحوار أو النقد الراقي خلف ما يسمى الحرية المطلقة للتعبير ، وتناسينا تماماً أن الحرية تكون صائبة فقط عندما تقنن، ويصبح لها قواعد متفق عليها .
وفي الواقع فإن القرآن الكريم لم يفرق بين عبودية الوثن " الأصنام " ، وعبودية الأفكار " الهوي " ، فيقول الله عز وجل في كتابه العزيز:" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" الجاثية 23
فقد جعل الله عز وجل للإنسان حرية الأختيار ولكنه طلب منه أن يعبده وحده ولا يشرك به ،  وحذرفي أكثر من موضع في القرآن الكريم  من أن يُشرَك به عز وجل فقال تعالي "‏إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا‏" النساء 48
إذاً فالقرآن الكريم حذر الانسان من أن يتخذ هواه - أفكاره - إلهاً ؛ فتضله عن السبيل الذي أمره الله عز وجل أن يتبعه ، فالعقل البشري بطبيعته قاصر عن كثير من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل ،لذا فإن أي فكرة هي قابلة للنقاش والنقد والتراجع عنها متي ثبت خطأها ، فليس منا من لا يخطيء ، فلا توجد فكرة لها من القدسية بحيث لا توضع  محل نقد ونقاش ، إلا فكرة العبودية لله عز وجل ، فهي الفكرة الوحيدة التي يجب أن نظل ثابتين علي الإيمان بها ،يقول الله عز وجل في كتابه العزيز "قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ"الزخرف 81
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية "أي لو فرض هذا لعبدته على ذلك، لأني من عبيده مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته" انظر تفسير الآية
فعبودية الله تقتضي الإيمان بكل ما يأمرنا به عز وجل، أي ان العبودية لله هي الفكرة الكاملة ؛ فقط لأنها فكرة إلهية ، أما الأفكار البشرية فهي كالعقل البشري قاصرة ، يمكن مناقشتها ، ونقدها كما يقول الامام الشافعي رحمه الله: "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ".
 وهذا النوع من العبودية لغير الله تعالي - عبودية الفكرة-يترتب عليه نتائج خطيرة ؛ منها علي سبيل المثال سوء تقدير الأمور ،واتخاذ قرارات وأحكام قد تصل الي حد التطرف ؛ فالتطرف هو في الأساس نتاج لفكرة وثن "هوى متبع " ولا أقصد هنا نوع خاص من التطرف كالتطرف الديني مثلاً ، ولكن التطرف بمفهومه الأشمل ، فكل من يضع أفكاره وعقله موضع بحيث لا تقبل النقاش فهو متطرف،فمن الاسلاميين من يتطرف لفكرة ، متناسياً تعاليم النبي صلي الله عليه وسلم ، وجاهلاً بالصورة الصحيحة للأسلام ، فتجده يضر الاسلام وهو يعتقد أنه ينصر الله عز وجل وينصر دينه، ولا ينفك يتفوه بما لا يعلم ، ويستدل علي صحة أفكاره بآيات وآحاديث في غير موضعها.
وتجد في أتباع كل دين من هم علي هذه الشاكلة ، فتجد متطرفي اليهود وما يفعلونه مع المسلمين في القدس ، ومتطرفي النصاري وما يفعلونه مع المسلمين في افريقيا الوسطي مثلاً ،وأتباع بوذا وما يفعلونه مع المسلمين في بورما، حتي أولئك الذين يتخذون من " اللادينية " عقيدة تجدهم يتطرفون في حق أصحاب الأديان السماوية.
وهناك التطرف السياسي - سنفرد له مقالة خاصة عن قريب بإذن الله - : وقد يتخذ التطرف السياسي صورة التطرف الديني في بعض الأحيان كما هو الحال في مصر هذه الأيام ، فقد نجح بعض الساسة في مصر من تحويل السجال السياسي الي سجال ديني ، فانخدع بذلك الساسة من الاسلاميين حديثي العهد بها ،  بل والدعاة في كثير من الأحيان فأطلقوا لألسنتهم العنان ،فدعى كل طرف لاستئصال الآخر من الساحة السياسية،فلم يجد من العدل في نفسه ما ينصف به خصمه ، فلم يجد خصمه في نفسه ما ينصفه به، فغابت العدالة التي هي أساس الملك، يقول الإمام الكرجي القصاب : (( مَنْ لَمْ يُنْصِفْ خُصُوْمَهُ فِي الاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ ، لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُهُ ، وَأَظْلَمَ بُرْهَانُهُ )).
إذاً فخلاصة الأمر أن الفكرة "الوثن" هي بداية التطرف ، والتطرف هو المغالاة ، والمغالاة مع الخصوم حيف عن الإنصاف وميل في ميزان العدل ، والمَيل ظلم ، والظلم أسقط الإمبراطوريات والدول.

                       حفظك الله يا مصر

3 التعليقات:

  1. أحسنت أخى و لخصت كثيرا مما يجيش فى صدرى، ويحز فى نفسى نحو بلدنا المحبوب للأسف صا معظمنا يجادل لإثبات رأيه حتى و لو كان من داخله يحس بصدق محاوره فلن يعترف بالحق يقول الشافعى: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر على يديه، وقال: ما كلمت أحداً قط إلا وددت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ. ليس بالجدل و تحجر الأفكار تنهض بلدنا و إنما بالعلم و العمل و مكارم الأخلاق ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله: "انـــا لا أخـــشى عـــلى الإنـــسان الــــذي يـــفكر و إن ضـــل لأنـــه ســـيعود للـــحق و لـــكنني أخـــشى عـــلى الإنـــسان الـــذي لا يـــفكر و إن اهـــتدى لأنـــه ســـيكون مـــثل الـــقشة فـــي مـــهب الـــريح".اللهم لطفا بمصر و أهلها .

    ردحذف
  2. اشكرك استاذ مصطفي .. كنت انتظر رأيك في هذا المقال خاصة .. حتي أتأكد اني لم أحد عن الصواب
    أثريته وإيانا بعلمك
    جزاك الله كل خير

    ردحذف

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates