جحا يموت !


كان عندما يسير في الطريق يعرفه الجميع؛ فقد كان مميزا ً في لباسه وهندامه بل وفي مشيته، يبدأ هويني الخطوة ثم لا يلبث أن تتسارع خطاه أراد أم لم يرد، حتى تراه فتظنه يجري وكأنه يخاف من شيء ما، لا يعير من حوله أي اهتماما على الرغم من أن الجميع يتكلم في سيرته ويخوض في أمره، فيتغامزون ويتضاحكون لمجرد أنه يسير أمامهم بمشيته السريعة، يلملم بين يديه ذيل عباءته التي اتسخت وبليت من
تراب الطريق، ولكنه عرف أن ضحكاتهم ليست من قلة احترام لشخصه، ولكن لأن أسلوبه لم يألفوه على أحد من قبل.

شهامته، وجبنه، دهائه، وسذاجته، الشعرة التي تظهر فيه وحده بين الذكاء الحاد والغباء المثير للضحك والسخرية، تلك المتناقضات جعلت من جحا بطلاً أسطوريا، كثيراً ما سمع الناس عن لطائفه وطرفه، حكاياته لطالما كانت مصدر تسلية للكبار قبل الصغار، سيرته دائماً ما تسمع في صالونات الأعيان قبل مقاهي ومخادع الحرافيش.

لكن أحداً لم يسأل نفسه يوما ما حال جحا ؟! وكيف يعيش؟ وهل يضحك على حكاياته كما يضحك الناس، أم أنها بالنسبة له شيء عادياً لا يثير الضحك؟

لم تكن حياة جحا كما يظنها الجميع لعب وضحك ونكات وطرائف، بل كانت حياته صعبة قاسية، فهو رجل فقير لا يملك من الدنيا إلا بيتاً قديماً توارثه عن أجداده، وحماراً يعينه على قضاء حوائجه وعمله في جمع الحطب وبيعه في الأسواق، ولم يكن حال حماره أفضل من حاله، فقد أصابه من فقر جحا ما أصابه، حتى أنه لا يكاد ينهق، فتراه عندما يسير تتمايل رجلاه يمينا ً وشمالا، فيضحك الناس على الحمار كما يضحكون من صاحب الحمار، فتراهما في الطريق كأنهما شبحين، هيكلان من العظام واللباس، ولا تعرف لماذا يضحك الناس من حال جحا والأولى بهم أن يرثوا لحاله ويحزنوا لأمره، وعلي الرغم من حال جحا البائس وما مر به من مآسي وحوادث؛ كان جحا حسن الخلق، طيب العشرة، رؤوف بمن حوله، ربما يحتال
أحياناً ويمكر أخرى ولكن دون أن يتعمد الأذى لأحد، حتى أنه من رأفته بحماره الذي يشاركه بؤسه، كان يركبه مرة ،ثم ينزل ليسير بجواره أخري ، وربما صحبه في بعض الأحيان أحد ابناءه فيشاركهما الأمر ، ومن كثرة ما يفعل ذلك كانت الطرائف تحكي في حقه، فيقول الناس لم نري مثل جحا وحماره يحمله الحمار برهة ثم يحمل هو حماره برهة، وهذه مبالغة لم يفعلها جحا بالطبع وإن اشتهرت عنه بين الناس .

وكانت زوجة جحا أكولٌ ولود، عندما أقدم على الزواج منها كان يظن أنها ستكون عوناً له، تقوم على راحته، وسعادته، ولكنه وبمرور الأعوام وجدها قد زادت أعباءه عشرة أعباء فهي ثم أولادها التسعة لا يكفون أبداً عن الطلب، وحاجاتهم لا تنتهي، وشجاراتهم جعلت من البيت جحيماً لا يطاق، فهرم الرجل على صغر سنه، وابيض شعره وغاصت عيناه، حتى كاد أن يتلاشى.

ويبدوا أن سوء الحظ كان يلازم جحا، فلا يجد أحد أبناءه عملاً حتى يطرد منه، وحتى من تزوج منهم مازال يشارك جحا المنزل فاكتظ المنزل على اكتظاظه، وكلهم عالة على أبيهم المسكين، وهم بدورهم لا يكفون عن ترديد ما يحكي الناس عن أبيهم ويضحكون ويتغامزون، حتى في وجود ابيهم عند تناولهم الطعام، فهو لا يكاد يسمعهم فهو مشغول البال حائر يسأل نفسه يا ترى هل سأتمكن في الغد من جمع ما يسد رمق هذه العائلة الكبيرة من الطعام؟

وعندما تتعالي أصوات ضحكاتهم يضحك معهم، وهو لا يعرف على ما يضحكون! ولكنه يضحك.

وكانت متطلبات عائلته لا تتوقف ، ومشكلات أبناءه مع كثرتها عجز جحا على ذكاءه ودهاءه عن حلها ، كبر الأولاد وازدادت أعباء جحا خاصة مع تقدمه في العمر، ولكنه دائما ما يحاول الاجتهاد في حل مشكلات عائلته خاصة عندما يتصارعون فيما بينهم ، فتجد عشرات الأيدي والأرجل تتجاذب وتتنافر وتركل في كل اتجاه ،فتدمر كل ما تجده في طريقها بدون رشد أو وعي ، وعندما يتعب جحا من الزجر والنصح ينسحب في صمت من بين هذه الأكوام من اللحم ليخرج ويجلس كعادته أمام بيته في وضع القرفصاء متكئً  علي حائط داره المتهالك واضعاً يديه علي خديه حيناً وضارباً إحداهما علي الأخرى أحياناً أخري ،أو ربما يحدث حماره ويشكو له ما يعانيه من أبناءه ربما ليشاركه همه فيخفف عنه ما يلاقيه، وكان الناس كعادتهم يمرون عليه ويضحكون ، وعندما صمت هذه المرة ولم يتكلم مع حماره كعادته تعجب الناس ، وظل جحا علي حاله هذه أيام فسأله فضولي : ما بالك يا جحا تجلس ولا تكلم حمارك كما اعتدت دائماً؟ هل تخاصمتما؟ أم أنك رأيت شكواك أصابته بالسل فرأفت به؟

فأجابه جحا قائلاً: أو ربما أولادك يأكلون أكله.

كان جحا علي فقره عزيز النفس فخور، ربما لا يحكي مرة الا ويتكلم عن أجداده، وعن بيته هذا البيت الأثري الذي ورثه عنهم، وما يحكي عن جحا من سرعة بديهة ودهاء بعضه حقيقي، وقد استفاد كثيرا من دهائه وذكاءه طوال سنوات حياته، ولكن يبدوا أن السحر ينقلب في النهاية على صاحبه، فذكاء جحا وسرعة بديهته لم تشفع له عند أبناءه، ففي يوم من الأيام دخل جحا بيته ليجد أصغر أبناءه يبكي، فسأله عن سبب بكاءه؟ فقال له الولد: أصحابي يسخرون مني

فقال جحا: ولماذا يسخر منك أصحابك

فقال الولد بسببك يا أبي، وبسبب الحكايات التي يحكيها الناس عنك وعن حمارك.

فقال جحا: يا بني ما رأيك لو أجعلك أنت تسخر من أصحابك؟

فقال الولد: وكيف ذلك يا أبي؟

فقال جحا: يا بني اختر أقرب أصدقائك اليك وأخبره أنك سمعت أحدهم يكلمني ويخبرني أن تحت بيتنا كنزاً، ثم اتركه ولننظر ماذا سيحدث.

واستجاب الولد لكلام ابيه فأخبر أحد أصدقائه انه سمع أحدهم يقول أن تحت بيتنا كنزاً، وبعد أيام انتشر الخبر في البلدة، أن تحت بيت جحا كنزاً ضخما، وبدأت معاملة الناس مع جحا تتغير وحتى مع أبناءه، وحتى الولد الصغير تغيرت معاملة أصدقاءه له، وأبناء جحا أولئك الذين لم يجدوا عملاً من قبل؛ أصبحت الآن تعرض عليهم الأعمال ليختاروا منها ما يريدون وبالأجر الذي يريدون، وتعجب أبناء جحا من هذا التغيير المفاجئ، إلا واحداً منهم كان يسير مع أبيه، وكلما رآى من الناس شيء من اهتمام به أو بأبيه أو طلب أحدهم شراء البيت من جحا؛ يضحك الطفل الصغير حتى يسقط علي الأرض رافعا رجليه الي الهواء مغمضاً عينيه  وكأنه سيموت من الضحك ، ويتعجب الناس من حال ابن جحا ومن حال جحا نفسه الذي رفض بيع بيته حتى مقابل مبالغ طائلة، وهم بذلك يتأكدون أن هناك كنزاً ضخماً تحت بيت جحا ،ولا يعرفون أن جحا لا يريد بيع البيت لاعتزازه به لكونه بيت أجداده.

وبعد شهور اقنع الناس أبناء جحا أنهم يجب أن يبحثوا عن الكنز الموجود تحت بيتهم، وكان جحا في هذه الفترة قد تعب من مشاكل أبناءه، فأخذ فراشه العتيق وحماره وبني له "عشة " من الخوص في مكان مقابل لبيته يعيشان فيها بعيداً عن أبناءه وقريباً في نفس الوقت من بيته الذي يحبه ، وبدأ الأبناء في الحفر تحت البيت بحثاً عن الكنز المزعوم ، ولم يفلح معهم ما أخبرهم به أخيهم الصغير من أن الأمر كله مجرد حيلة اخترعها جحا ، ويأس جحا من محاولة ردعهم عن الحفر تحت المنزل وحذرهم من أن البيت قديم قد لا يتحمل كل ذلك ، وقال لهم "إن روح جحا معلقة في جدران هذا البيت فلا تقتلوا أباكم" ، ولكن الأبناء لم يسمعوا إلا لصوت الذهب الذي قد يجدونه ، وفوض جحا أمره لله ، وجلس في عشته يحدث حماره ويشتكي إلي ربه ويقول يا ليتني لم أحتل تلك الحيلة ..

ومع مرور الأيام بدأت جدران البيت تتصدع وتتساقط بعض الحجارة من السقف، وهنا فطن الأبناء الي الأمر، وصدقوا أخيراً ما كان جحا قد أخبرهم به من قبل، وخرجوا جميعاً ليشاركوا أبيهم عشة الخوص، وهم يتحسرون على البيت الذي بدأ يسقط حجراً حجراً أمام أعينهم، ولم ينفعهم ما كان من اهتمام الناس بأمرهم، بعد أن عرف الناس أن الكنز كان مجرد حيلة من حيل جحا، وسقط جحا بين يدي أبناءه مريضاً من شدة الحزن علي بيت أجداده الذي بدأ يتهدم بمعول أحفادهم، وفي يوم من الأيام استيقظ الناس علي صوت هدم شديد ، وعرف الجميع أن بيت جحا قد سقط بالكامل، وبجوار البيت جلس أبناء جحا يبكون ويصرخون ليس علي البيت ولكن علي أبيهم الذي غيبه الموت بعد أن شاهد بيته امام عينيه وقد أصبح كومة من التراب والحجارة، وحزن الناس لموت جحا، ولكن ليس كحزن أبناءه، فقد مات معيلهم ، وأما بيتهم فقد سبق أن هدموه بأيديهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إليك يا مصر: أخشى أن نصنع بك مثل صنيع أبناء جحا

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates