Home » , , , , , , , , , » اقرأ كتاب : قذائف الحق للشيخ الغزالي رحمه الله - الجزء الرابع

اقرأ كتاب : قذائف الحق للشيخ الغزالي رحمه الله - الجزء الرابع

 ضمن سلسلة اقرأ كتاب التي تقدمها لكم مدونة واحة أفكاري
نقدم لكم اليوم الجزء الرابع والأخير من كتاب قذائف الحق للشيخ محمد الغزالي رحمه الله
وتقرأ في هذا الجزء 
الباب السادس/ الدعوة الإسلامية والحكام الخونة. 96

الذئب الأغبر.. 96

الإسلام فى كوريا 97

أندونيسيا المسلمة. 100

سماسرة الفاتيكان. 103

قبرص... 105

العقيد الناصرى.. 106

الباب السابع/ مع التيار الشيوعى والإلحادى.. 116

لا بد للإسلام من خطة إيجابية يواجه الغزو الثقافى بها 116

الباب الثامن.. 146 : لا دين حيث لا حرية. 146

يا للرجال بلا دين.. 151

مشهورون ومجهولون. 154

التنادى بالجهاد المقدس... 159

دين زاحف مهما كانت العوائق. 164

قال الإنسان وقال الحيوان. 168

حول خرافة تحديد النسل.. 172

محنة الضمير الدينى هناك ! 176

هذه المقررات لا نريد أن تنسى. 182

أسئلة وأجوبة. 186

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ كتاب:
 قذائف الحق للشيخ الغزالي رحمه الله
الباب السادس:
 الدعوة الإسلامية والحكام الخونة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المسلمون مكلفون بنشر دينهم فى القارات الخمس . ويجب أن تكون لديهم أجهزة متخصصة تعرف العالم كله: من محمد ؟ ورسالته ؟ ما الذى ينشده للناس كى يسعدوا فى معاشهم ومعادهم ؟
يجب أن تكون تعاليم الإسلام تحت أبصار الناس قاطبة، فمن شاء قبلها، ومن شاء ردها، المهم أن يعرفها على حقيقتها، وأن يزول الجهل بها، وألا يكون الدخان الذى أطلقه أعداؤها حائلاً دون هذا الإدراك الواعى السليم ..
وقد كانت “ الخلافة “ الكبرى مسئولة عن ذلك، إذ كانت رمزاً للإسلام، وشاخصاً عالمياً يلفت الأنظار إليه، ويذود الأعداء عنه .
ومع أن “ الخلافة “ عندما تولاها الجنس التركى قد أصبحت شبحاً عليلاً، ومع أن الخلفاء الأتراك كانوا أقرب إلى السلاطين الجبابرة منهم إلى أمراء المؤمنين وحراس اليقين ودعاة الحق وهداة الخلق !! مع ذلك كله فإن وجود الخلافة فيهم كان له أثره فى وحدة المسلمين وتقليل الخسائر النازلة بهم من هنا وهناك .
وحسبنا أن نشير إلى موقف السلطان “ عبد الحميد “ من فلسطين، فقد ساق إليه اليهود قناطير الذهب ليسمح بوجود يهودى فيها فأبى الرجل إباء قطع كل محاولات الإغراء، وأحبط جميع المؤامرات لشطر العالم الإسلامى بهذا العنصر الغريب ..
ولما كان لوجود “ الخلافة “ من آثار مادية وأدبية بعيدة المدى فقد كان هم العالم الصليبى أن يجهز عليها، وقد استطاع أن يبلغ غرضه بعد الحرب العالمية الأولى مستغلاً أطماع القائد التركى “ مصطفى كمال “ الذى باع الإسلام والمسلمين من أجل البقاء رئيساً للدولة التركية الجديدة !!
الذئب الأغبر
إن الشروط الأربعة التى عرضها “ الحلفاء “ المنتصرون عليه هى أن يقطع صلة تركيا بالعالم الإسلامى وبالعرب خاصة، وأن يلغى نظام الخلافة، وأن يحكم الشعب بدستور تقدمى مبتوت الصلة بالدين .
وفى سبيل الزعامة رضى القائد الخائن بهذه الشروط، وألبسته أوربا حلل المجد، ولو أنه بقى على دينه وبقيت الأمة على دينها لتقلص الاحتلال الصليبى فى الأناضول قبل أن يتقلص فى مصر والشام والجزائر والمغرب !! فقد كانت مقاومة الأتراك له أشد وأقسى ..
ولكى تعرف من هو “ مصطفى كمال “ الحقيقى إليك بهذه الفذلكة الموجزة عنه: قال عنه “ آرمسترونج “ فى كتابه “ الذئب الأغبر “:
ـ إنه كان بفطرته ثائراً لا يحترم ديناً أو إنساناً أو وضعاً من الأوضاع، ولا يقدس شيئاً على الإطلاق .
ـ وقال عنه أيضاً: إن الغازى لن يقود تركيا إلى حماقة من تلك الحماقات، أو ينصب نفسه بطلاً للشرق معادياً للغرب، وللإسلام ضد المسيحية، أو للأجناس المضطهدة ضد مضطهديها، ولكنه لن يكون إلا كما حدد برنامجه بقوله “ ليس لنا إلا مبدأ واحد: هو أن ننظر إلى جميع المشكلات بالعين التركية ونصون مصالح تركيا “ .
ـ ونقل عنه قوله لممثل حكومة فرنسا: “ تستطيعون أن تنالوا سوريا وبلاد العرب، ولكن كفوا أيديكم عن تركيا، نحن نطالب بحق كل شعب فى الحرية داخل حدود بلادنا الطبيعية، ولا نبغى شبراً واحداً أكثر من ذلك ولا أقل “ .
ـ ونقل عنه قوله فى الجمعية الوطنية التركية: “ أنا لست مؤمناً بعصبة من جميع الدول الإسلامية ولا حتى بعصبة من الشعوب التركية “ .
ـ وقال عنه أيضاً إنه طالما أوضح لأصدقائه أنه يرى وجوب اقتلاع الدين من تركيا !!
لندع هذه الذكريات الحزينة ولنخلص إلى ما نريد .. إن الدعوة إلى الإسلام قد سقط لواؤها العالمى، وكانت شعوب كثيرة يمكن أن تدخل فيه، ولكن من لها بالدعاة ؟ ومن الذى يهتم بذلك ؟

الإسلام فى كوريا
نشرت جريدة الأخبار تحت عنوان “ مسئول كورى يشرح لماذا لم ينتشر الإسلام فى كوريا ؟ “ قالت:
“ المسلم الذى يزور كوريا الجنوبية لاحظ مدى اهتمام حكومتها بتشجيع الأديان، فليس هناك أى قيد على أى مواطن يريد أن يعتنق ديناً آمن به أو يتبع مذهباً ارتضاه “ .
هناك نشاط كاثوليكى كبير إذ توجد 350 كنيسة، كما أنه توجد مستشفيات، وملاعب رياضية، وجامعات مسيحية فى أنحاء كوريا الجنوبية التى يدين معظم سكانها بالبوذية .
أما النشاط الإسلامى فقد اقتصر حتى الآن على 4000 مواطن فقط ـ ليس لهم ما يجمع شتاتهم ـ فما سر هذه الظاهرة ؟
يجيب مسئول حكومى: إن الفرصة سانحة لانتشار الإسلام فى كوريا الجنوبية لأسباب كثيرة .
منها أن الرئيس الحالى “ بارك سنج هى “ ينادى بالحرية الدينية، وعلى من يهمهم نشر الإسلام أن يتحركوا بسرعة منتهزين سماحة هذا الرئيس، فقد يتغير ويجىء بعده رئيس جديد للجمهورية تكون له وجهة نظر أخرى فتضيع الفرصة على المسلمين .
ثم إن الكوريين الجنوبيين يؤمنون منذ القدم “ بهنانيم “ وهى كلمة معناها: الإله الواحد الذى لا شريك له، ومن ثم فإن الدعاة إلى الإسلام لن يجدوا أية صعوبة فى نشر عقيدتهم بين الكوريين .
والكورى الجنوبى لا يميل إلى الإلحاد وهو يمقت الشيوعية، ويرفض النزعات المادية المجردة، إنه يؤمن بالروح والعقل، بالدين الصحيح، والإسلام يملأ العقل بمبادئه ويتفق مع الفكر والزمان والتطور ـ هكذا يقول المسئول الكورى ـ وتسأل المسلمين فى كوريا عن أسباب عدم انتشار الإسلام فى أرض فتحت قلبها لكل الأديان ؟
فتسمع من يقول: ليست لدينا إمكانات مادية كافية، نريد مسجداً كبيراً فى العاصمة “ سيول، والأرض غالية الثمن !!
لكن رئيس الجمهورية حل هذه المشكلة، فأهدى إلى المسلمين قطعة أرض يبنون عليها مسجدهم، وإلى الآن لم يجتمع لدى المسلمين المال الذى يبنون عليه مسجدهم الكبير !!
والمنح الدراسية التى تصل إلى كوريا من الدول الإسلامية قليلة جداً . ويكفى أن تعلم أن عدد الكوريين الذين أرسلوا إلى الدول الإسلامية خلال عشر سنوات 29 طالباً .. !! “ .
هذه بيئة كاملة الصلاحية لازدهار الإسلام .
لو وجدت دعاة مدربين لدخل أهلوها فى دين الله أفواجاً .
لكن الإسلام دين يتيم ! من يهتم به على الصعيد العالمى .
إن المنتسبين إليه يخضعون لحكومات تضيق به، أو تأبى الانتساب إليه أو تعجز عن إسداء خدمة له، وهم أولى الناس بما قال الله فى بنى إسرائيل: “ وقطعناهم فى الأرض أمماً: منهم الصالحون ومنهم دون ذلك “ (الأعراف 168) .
فى المجال الإنسانى الرحب ليست للإسلام راية تحتشد حولها الجهود وتهوى إليها الأفئدة .
ومن هنا فنحن نقول آسفين: إن الدعاية الإسلامية العالمية صفر ..
فلنتواضع ولنرجع إلى داخل العالم الإسلامى لنرى ما هنالك ..
إن الغازى الهمام “ مصطفى كمال “ ليس أول حاكم ارتد عن الإسلام جرياً وراء الحكم، ففى أثناء الحروب الصليبية الأولى كفر حكام ليبقوا ملوكاً أو رؤساء كفروا وتعاونوا مع الغزاة فى ضرب الإسلام وأمته .
قال الأستاذ “ علال الفاسى “: بعد ضياع الأندلس تطلع الأسبان المسيحيون لاحتلال المغرب . وانتهز ملك قشتالة “ فرديناد “ الثالث أن “ إدريس أبو العلا المأمون “ طلب مساعدته على استعادة ملكه فى المغرب، فأمده بجيش من اثنى عشر ألف جندى مسيحى، وذلك مقابل الشروط الآتية التى التزم بها المأمون:
(1) أن يعطى المأمون لفرديناد قواعد يختارها ملك قشتالة .
(2) إذا فتح المأمون مدينة مراكش وجب عليه بناء كنيسة للمسيحيين .
(3) للجنود الأسبان حق المجاهرة بشعائر دينهم، وأن يضربوا النواقيس لمناداة المصلين معهم .
(4) (إذا) أراد بعض المسيحيين أن يسلم لا يسمح له بذلك ويتم تسليمه إلى النصارى كى يطبقوا عليه أحكامهم .
(5) وإذا أراد بعض المسلمين أن يتنصر لم يتعرض له أحد !!
هذه الحادثة التاريخية تبين كيف أن تهافت بعض الرؤساء على السلطة جعلهم يقبلون مثل هذا الشروط ..
على أن هذا “ المأمون “ قضى عليه آخر الأمر، وأمكن طرد الجنود النصارى الذين استجلبهم، فلم ير فى المغرب بعد ذلك مسيحى .
وما لنا ننبش الماضى البعيد لتفوح منه هذه الروائح العفنة ؟
فلننظر إلى حاضرنا وما يحفه من أخطار جسام .
إن الثقافة الإسلامية تنكمش والثقافات الدخيلة تمتد .
والأنماط الإسلامية فى الحياة تتزعزع وتتلاشى، والأنماط الأجنبية تفرض نفسها وتستقر .
والدعوة الإسلامية قد تعنى نصح منحرف من سواد الناس أو توصيته بالصلاة والزكاة، فإذا تطلعت إلى ما هو أبعد من ذلك لقيت العنت والتجهم !
وقد أمر بعض الكبراء بنزع مكبرات الصوت فى المساجد المجاورة له حتى لا يسمع الأذان وقت الفجر!
وواضح أن سائر الملل والنحل اتفقت على تكوين جبهة معادية للإسلام، فالكنائس الغربية والحكومات المسيحية ساندت إسرائيل ضد العرب المسلمين، والشيوعية والوثنية الهندوكية تعاونتا على سحق باكستان المسلمة، بينما وقفت الولايات المتحدة حليفتها السياسية ترمق المنظر متسلية .
وفى مصر قلب العالم الإسلامى تتسابق النشرات الشيوعية والصليبية على خداع القراء وسرقة عقائدهم.
وليت الأمر صراع كتابات، وحوار مجالس، إذن لخرج الإسلام من هذه الساحات كلها منتصراً .
إن الحرية هى الصديق الأول لديننا، وعندما ينهض الحكم فى بلادنا على أساس الرضا الشعبى والتجاوب مع إرادة الجماهير، فلن يكون إلحاد ولا انحراف، سيكون الحكم إسلامياً حتمياً فتلك رغبة الكثرة الساحقة من أفراد الأمة .
أتظن أن الغازى “ مصطفى كمال “ مثلاً لو عرض نفسه على الشعب التركى كان يظفر بـ (1 %) من أصوات الناخبين ؟ إنه سوف يخرج من أى انتخابات حرة يجر أذيال الفشل ..
إن الحكم الفردى المستبد هو وحده الذى يقهر الإسلام ويذل أمته، وقد عرفت أمريكا وروسيا ذلك فقررتا إحداث انقلابات عسكرية فى أرجاء العالم الإسلامى المترامى الأطراف .
وعن هذا الطريق لا غير يمكن لي عنان الجماهير، وتجريعها الصاب والعلقم .
والمضحك المبكى أن ذلك سيتم باسم الشعب نفسه، وقد سمى مصطفى كمال “ أتاتورك “ أى أبا الشعب، وهو فى خبيئته وعلانيته عدو الترك وكذلك أشباههم من الحاكمين المستبدين ..

أندونيسيا المسلمة
ولنضرب مثلاً من “ أندونيسيا “ المسلمة الحائرة التى بلغ سكانها الآن نحو “ 120 “ مليوناً، تسعة أعشارهم مسلمون، إنها فى ظل الاستعمار الهولندى تعرضت لحركة تنصير واسعة النطاق، إذ عزلت عن العالم الإسلامى، ومنعت الكتب الإسلامية إلا ما كان تافهاً قليل الغناء، بل إن الشعب الأندونيسى عزل بعضه عن بعض حتى يستطيع المبشرون افتراس كل جزء على حدة ..
وقاوم المسلمون ببسالة هذا البلاء المبين، وأمكنهم أن يظفروا آخر الشوط بحريتهم فاستقلت أندونيسيا سياسياً، وقام فيها نظام نيابى ظفر فيه حزب “ ماشومى “ المسلم بكثرة الأصوات، وتألفت حكومة إسلامية يرأسها السيد “ محمد ناصر “ ..
هل يترك الاستعمار العالمى مستقبل أندونيسيا المسلمة يتقرر على هذا النحو ؟
كلا، لقد بحث عن شخص يستطيع تقليب الأمور، وتعكير الصفو، ووجد ضالته المنشودة فى “ سوكارنو “، وهو رجل معروف بانحراف العقيدة، وسيطرة الغرائز البهيمية على حياته، وقد بدأ “ سوكارنو “ يعمل .
قال الأستاذ “ علال الفاسى “: “ إن دسائس الهند وهولندا زودت سوكارنو وأنصاره بأموال ضخمة فى الانتخابات الثانية، فأصبح الحزب الوطنى الذى يرأسه صاحب الأغلبية، وانكشف سلوك سوكارنو مما حمل المسلمين المخلصين والاشتراكيين على الثورة والمناداة بحكم إسلامى سليم والتغلب على حزب “ ماشومى “ الإسلامى، قام سوكارنو بعقد اتفاق مع حكومة الصين الشعبية يقضى بأن يتجنس الصينيون المقيمون بأندونيسيا ـ وهم عدة ملايين ـ بالجنسية الأندونيسية، وأن يشدوا أزر الحزب الشيوعى فى البلاد، فأصبح بذلك القوة السياسية الثالثة بعد الحزبين الوطنى والإسلامى !
وهكذا تحالف سوكارنو مع الشيوعيين، ثم شرع يضيق الخناق على النشاط الإسلامى باسم المحافظة على الأمن وإقرار النظام .. “ .
ويلعب الإغراء بعقول الشيوعيين، وأملى لهم سوكارنو الذى صرح أحياناً بأنه ماركسى، فحاولوا الانفراد بالحكم إثر مذبحة أوقعوها بالفئات الإسلامية ذهب ضحاياها عشرات الألوف .
بيد أن الجيش تدخل مؤيداً الطلاب المكافحين والمجاهدين المسلمين فدحر الشيوعيين وقضى عليهم قضاء مبرماً.
قال الأستاذ “ علال “: “ وكان الواجب يقضى برد الأمر إلى الشعب ليختار حكومته ونوابه “ .
لكن ذلك لم يحدث فقد تولى الجنرال سوهارتو السلطة وحكم البلاد بطريقة ترضى أمريكا، فولت الشيوعية الأدبار لتحل محلها الصليبية الزاحفة .
ويقول تقرير وصل إلى “ رابطة العالم الإسلامى “: إن حملة التنصير اليوم أشد وأقوى فى أندونيسيا مما كانت عليه أيام الحكم الهولندى، والتنافس شديد بين البروتستانت والكاثوليك على تحقيق هذا الهدف ..
وقد شرحنا فى كتابنا “ دفاع عن العقيدة والشريعة “ الخطة الزمانية الموضوعة لذلك، والتى أرصد لها “ بابا روما “ وحده “ كاردينالاً “ وواحداً وعشرين أسقفاً وجيشاً كثيفاً من القساوسة .
كل ذلك يعمل فى ظل حكم عسكرى قاهر يجور على المسلمين ويجبن أمام الغزاة والمستعمرين .
والطريف أن “ سوكارنو “ قدم إلى مصر، فاستقبل أعظم استقبال وطلب الرئيس جمال عبد الناصر من الأزهر الشريف منحه أعلى شهاداته العلمية، فمنح “ العالمية “ الفخرية فى العقيدة والفلسفة من كلية أصول الدين !!!
ولا أدرى لماذا لم يمنح العالمية فى تفسير القرآن وشرح السنة تمشياً مع القول النبوى الكريم: “ إذا لم تستح فاصنع ما شئت “ ؟!
إن سوكارنو كان من ألد أعداء الإسلام، وكانت انحرافاته الجنسية الطافحة موضع القيل والقال، ولا ريب أن إعطائه أى وسام من الأزهر كان تحقيراً للأزهر نفسه !!
والحق إنى حائر فى فهم جمال عبد الناصر، لقد كنت كما يعلم الناس من جماعة الإخوان المسلمين، وأقرر أن جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين بايعا فى ليلة واحدة على نصرة الإسلام ورفع لوائه، وقد كنت قريباً من مشهد مثير وقف فيه جمال عبد الناصر أمام قبر حسن البنا يقول:
“ نحن على العهد وسنستأنف المسيرة “ ..
كان ذلك عقب قيام الثورة بأشهر قلائل .
وقد وضع كتاب مسلمون كبار مقدمات للرسائل التى كانت تصدر تحت عنوان “ اخترنا لك “ أمضاها جمال عبد الناصر وفيها أشرف ما يؤكده زعيم مسلم نحو أمته ودينه .
لا أدرى ما حدث بعد ذلك ..
إنه تغير رهيب فى فكر الرجل وسيرته جعله فى كل نزاع بين الإسلام وطرف آخر ينضم إلى الطرف الآخر:
ـ انضم إلى الهند فى خصومتها المرة ضد باكستان المسلمة .
ـ انضم إلى الحبشة فى عدوانها الصارخ على أرتريا .
ـ انضم إلى تنجانيقا وأغضى عن المذبحة الشنعاء التى أوقعتها بشعب زنجبار المسلم، ورحب آخر ترحيب بنبربرى الذى يتظاهر بالاشتراكية وهو قسيس كاثوليكى !!
ـ انضم إلى القبارصة اليونان فى نزاعهم مع القبارصة المسلمين، وجعل الأزهر يستقبل مكاريوس عدو الكيان الإسلامى للأتراك .
ـ كان أسداً هصوراً فى قتال اليمن، وحملاً وديعاً فى قتال اليهود، حتى جعل اليهود ـ وهم أحقر
مقاتلين فى العالم ـ يزعمون أنهم لا يقهرون فى حرب !!
      سريع إلى ابن العم يلطم خده
                 وليس إلى داعى الندى بسريع !

ـ ولقد ساند “ البعث العربى “ الحاقد على الإسلام، ورفض مساندة أى تجمع إسلامى، واخترع حكاية القومية العربية لتكون بديلاً عن العقيدة الإسلامية .. !!
ومن الإنصاف أن نقول إن عدداً من رجال الثورة لم يكونوا راضين عن هذا الاتجاه الخاطئ .
وعندما تولى الرئيس “ أنور السادات “ الحكم كشف عن الوجه الحقيقى لمصر المسلمة، ودفع سياسة البلاد إلى طريق أرشد، وقضى على مراكز القوة التى كانت تريد السير بمصر بعيداً عن الإسلام .
لكن استنقاذ مصر مما ألم بها فى الماضى يحتاج إلى جهود مضاعفة خصوصاً بعد أن تحركت تيارات عديدة مناوئة للإسلام وظفرت بمكاسب ذات بال .
لقد أكدنا فى مواطن شتى أن مصر الإسلامية لا تتعصب لدين، ولا تتعصب ضد دين، وأنا أعلن أن الأمة الإسلامية تستطيع استيعاب يهود العالم أجمعين بين ظهرانيها كافلة لهم حرية مطلقة فى البقاء على عقائدهم وأداء شعائرهم، على أن يكونوا بداهة مواطنين مسالمين ينفعون ولا يضرون، فهل يقبل اليهود ذلك ؟
لا، إنهم وثبوا على فلسطين ولهم غرض هائل، استقوه من تعاليم دينية محرفة، يعبر عنه “ مناحم بيجن “ السفاح الشهير بقوله:
“ مهمتنا سحق الحضارة الإسلامية وإحلال الحضارة العبرية محلها، والمهمة شاقة “ ..

سماسرة الفاتيكان
فى أثناء هذا الهجوم المطالب بدمنا وديننا نباغت بموقف شاذ خائن للكنائس الغربية، تعلن فيه صلحاً جذرياً مع اليهود، يقوم على تبرئتهم من صلب المسيح، برغم ما تقرره الأناجيل التى بأيدى القوم ..
ونحن نعلم أن المسيح لم يصلبه يهودى ولا وثنى، ولكن إذا كانت الكنيسة تشهد بغير ذلك، وتنسب إلى اليهود ـ حسب روايات أناجيلها ـ أنهم متهمون خبثاء، وقتلة لؤماء، فما سر هذا الصلح المباغت ؟
إنه اتفاق علينا وشد لأزر القتلة وهم يخربون ديارنا، ويمحون تاريخنا، وما نستطيع تجاهل هذا الاتفاق، ولا الإغضاء عن آثاره ونتائجه فى أكثر من ميدان، إنه جهد من سلسلة جهود متصلة لإساءة الإسلام وإهانة أمته .
يقول الأستاذ “ علال الفاسى “: وقف البابا دائماً من الاستعمار موقف المؤيد، وقد كانت بعض حكومات المغرب قد أملت خيراً فى بعض الباباوات عساهم يؤثرون على الدول الخاضعة لنفوذهم الروحى فيخففون من حملاتهم العدائية، وهيهات .
قال: وأنا أحكى قصتين وقعتا لى ونحن فى أشد المواقف، أيام جهادنا لتحرير البلاد من الاستعمار الفرنسى ..
ـ الأولى: توجهنا باسم حزب الاستقلال أنا وصديقى المجاهد “ عبد الرحمن انجامى “ إلى أمريكا الجنوبية لنتصل بشعوبها وحكوماتها شارحين قضيتنا راجين أن تصوت هذه الدول لمصلحتنا فى المحافل الدولية، فكان يتبعنا حيث اتجهنا ـ تارة يسبقنا وتارة يلحقنا ـ الوزير الفرنسى “ بول رينو “ مبعوثاً من قبل حكومته، كما كان يتبعنا قسيس لبنانى مبعوثاً من طرف الكنيسة !
وعلمنا أن إرساله تم بطلب من فرنسا وموافقة من البابا، وقد قاما بجهود كبيرة ضدنا، ومع ذلك فقد انتصرت دعوتنا والحمد لله، وحصلنا على تأييد إخواننا العرب، وصوتت معنا كل الدول التى زرناها كالبرازيل والأرجنتين والشيلى .. وغيرها .
ـ الثانية: دخلت سنة 1952 مستشفى “ الأميرة فريال “ لإجراء جراحة بالكلية اليسرى، وكنت أشكو من وجود أحجار بها، وبلغنى وأنا فى انتظار العملية نبأ اعتقال الفرنسيين للشيخ “ عبد الواحد بن عبد الله “ من علماء “ الرباط “ وكان يدعو فى دروسه إلى تقدير التضحية والاستبسال فى نصرة الحق، وتساءل لماذا يضيق الفرنسيون بكفاحنا لتحرير بلادنا، ويعدون ذلك جرماً وهم يقدسون السيدة “ جان دارك “ لأنها بذلت وسعها فى سبيل
وطنها ؟ أليست لديهم مثالاً يحتذى ؟
ولم يعجب هذا الكلام إدارة الحماية الفرنسية فقررت اعتقاله .. ووافق الاعتقال أن بعض الناس كان يدعو للتقارب بين المسيحية والإسلام، فكتبت رسالة للبابا بيوس الثانى عشر منبهاً إلى ما حدث، ومذكراً بأن عالماً مسلماً لديه هذا التفتح الفكرى لا يسوغ أن يلقى هذا المسلك، وأنه لن يعقب هذا إلا توسيع شقة الخلاف بين مسلمى المغرب والنصارى المقيمين فيه !
وزارنى بعد تحرير الرسالة الأستاذ “ ماسينيون “ المعروف بتدينه وإخلاصه الشديد لمسيحيته، فأنعم النظر فيها ثم قال لى: هل أنت مخلص فيما تبديه من رغبة التقريب بين المسلمين والمسيحيين، على أساس القيم الأخلاقية المشتركة بين الدينين ؟
قلت: نعم أيها السيد الجليل، ولو لم أكن مخلصاً ما كتبت هذه الرسالة فى وقت أتهيأ فيه لجراحة خطيرة قد ألقى فيها ربى، وأنا أتطلع إلى عفوه . قال: ثق أن البابا لن يستجيب لك ولا لغيرك لأنه يأخذ المال من الصهاينة . ولما رآنى استغربت قوله، قال لى: يا سيد علال لا تستغرب، وما يفعله البابا لا يجعلنى أتخلى عن مسيحيتى، كما أن قولى هذا لا يخرجنى عن دينى الذى تعلم مقدار تمسكى به .
وقد صدق “ ماسينيون “، فإن البابا لم يكلف نفسه عناء الرد على رسالتى .. “ وماسينيون “ مستشرق كبير، وكان عضواً فى مجمع اللغة العربية، وكان فيما أعلم مستشاراً لوزارة المستعمرات الفرنسية، وهو شديد التعصب للنصرانية .
والبابا الذى تحدث عنه “ ماسينيون “ غير البابا الذى أصدر الوثيقة الشهيرة بتبرئة اليهود .
ترى كم أخذ الأخير ؟
المهم أن النصرانية فى الغرب اتفقت مع اليهودية على ضرب الإسلام، وأنها تحاول جر النصرانية فى الشرق إلى موقف مشابه، فهل ستجد لها عوناً على هذا العرض الخسيس ؟؟
ما الذى دفع القسيس اللبنانى إلى عرقلة تحرير المغرب والجرى فى ركاب المستعمرين والسفر إلى الدول الأمريكية الجنوبية لإقناعها بالتصويت ضد استقلال بلد عربى مظلوم ؟
ـ نحن نطلب من النصارى الذين يحيون فى ربوع العالم الإسلامى أن تقر أعينهم بالحرية الدينية المتاحة لهم دون مَنٍ ولا أذى .
ـ ونطلب منهم أن يرعوا حقوق المواطنة وحرمات الجوار وقرابة الجنس واللغة وأعباء المشاركة الكريمة فى بناء حضارة لا حقد فيها ولا دس ولا تربص فيها ولا شماتة ..
ـ ونطلب منهم أن يصموا آذانهم عن نداءات الغدر والتشفى إذا ما ألمت بالمسلمين ملمة .
إنهم إن بطروا معيشتهم لم يفلتوا من عدالة السماء “ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين “ (القصص: 58)
ـ أما أن يروا مسجداً يبنى فيحاولوا أن تكون أبراج الكنايس أعلى من مئذنته !! فهذه محاولة منكورة .
ـ أما أن تكفيهم لأداء العبادة كنيسة واحدة فيبنوا مثنى وثلاث ورباع فذلك ما لا مساغ له ..
ـ أما أن يروا التبشير الأجنبى قد تعاون مع الاستعمار العالمى على تضليل المسلمين وإزاغة قلوبهم فيشاركوا هم أيضاً فى حرب المنشورات وفتنة السذج فتلكم خيانة ربما كانت تمهيداً لمثل ما فعله المعلم “ يعقوب حنا “ الذى خان مصر وانضم إلى الغزاة الفرنسيين !!
لقد انتهز الفاتيكان فرصة هزيمة سنة 1967 فأرسل سماسرته ليشتروا الأرض من العرب المحرجين فى مدينة القدس، وهذا تصرف محقور .
ونحن نعلم أن شوارع بأسرها تكاد تشترى فى مدن مصر وقراها لينكمش الإسلام فوق تربتها، ويتحول المسلمون عليها غرباء، فلم ذلك ولحساب من ؟
إن حرب شراء الأراضى واحتكار المبانى بدأت فعلاً، ولكى نبصر المسلمين بنتائجها نذكر لهم قصة “ قبرص “ كما ذكرنا فى كتابنا “ مع الله “ وقصة سنغافورة التى كانت فيما مضى (!) مسلمة السكان والحكم، وأمست الآن لا صلة لها بالإسلام !!

قبرص
فتحت قبرص فى المد الإسلامى الأول على عهد الخلافة الراشدة، فتحها معاوية بن أبى سفيان حين كان والياً على الشام، وكانت شئونها الإدارية تتبع إحدى المحافظات السورية لموقعها شرقى البحر المتوسط .
ومذ دخلها العرب ونشأ فيها الإسلام لم تتغير أوضاعها المعنوية ولا الإدارية، فقد أصبحت بلداً مسلماً منذ أربعة عشر قرناً .
وبعد انتهاء الخلافة العربية ورثت الخلافة التركية قبرص فيما ورثت من ديار الإسلام الشاسعة، إلا أن الترك فى القرن التاسع عشر كانوا يترنحون تحت الفساد السياسى الذى نخر كيانهم والضغط الصليبى الذى قطع أوصالهم، فوثبت إنجلترا ـ أم الخبائث فى ميدان الاستعمار ـ على قبرص، وجعلتها قاعدة عسكرية لها بعدما أبرمت اتفاقاً مع العثمانيين بردها إليهم عندما تستغنى عنها (!)
وبدأ الإنجليز يستقدمون العمال اليونانيين بكثرة ليخدموا فى القاعدة العسكرية، ثم بدأوا يغرونهم بالتوطن فى الجزيرة .
فما هى إلا سنوات حتى كثر عددهم، وزاحموا المسلمين مزاحمة شديدة سواء كانوا تركاً أو عرباً فأخذ الميزان السكانى يتذبذب، ثم أصبح ربع السكان من المسلمين الأتراك،والثلاثة أرباع من اليونانيين المسيحيين ..
وما أن شعر المسيحيون بتفوقهم العددى حتى طلبوا الاستقلال تمهيداً للانضمام إلى اليونان، ولم تكن الجزيرة يوماً تابعة لليونان .
وكان جزع المسلمين شديداً لأن هناك مسلمين يونانيين فى إقليم “ قولة “ وما جاوره ذوبهم الاضطهاد والإذلال، وأخذوا فى الانقراض دون ضجة !
ومن هنا طلب المسلمون أن تقسم الجزيرة بينهم وبين اليونانيين الوافدين، ولكن يرضى القتيل وليس يرضى القاتل، فإن السيد مكاريوس يريد فرض نفسه بوصفه صاحب الجزيرة .
والمهم أن جمال عبد الناصر أيده كما نشرنا آنفاً، وأوعز إلى شيوخ الأزهر أن يقدموا له التحيات المباركات ..
ولا أدرى كيف يقع هذا، ولكن الذى أدريه أن زعيم القومية العربية استبعد من علماء الأزهر أن
يقولوا: لا ..
وجعل على قمة المعهد اليائس من تعفنت ضمائرهم من طول البلى .
وهكذا يموت الإسلام، وتنهزم قضاياه .

العقيد الناصرى
قلت لأحد قدامى الإخوان: ما رأيك فى العقيد القذافى ؟ [ نؤثر أن يعرفه القراء بـ“العقيد الناصرى“] قال: نتمنى له التوفيق فى خدمته للإسلام، لقد جمع من خبراء الفقه والقانون من يعاونون على إعادة الشريعة الإسلامية إلى الحياة، وهذا سعى مشكور، وقد حسبته أول ما قام بثورته من جماعة الإخوان، لأنه تبنى أفكارهم ومبادئهم، ما انتقص منها ولا زاد عليها، ولما تناول الإخوان بالسوء قلت: لعلها تقية حتى يتركه الخصوم ـ خصوم الإسلام ـ يمضى فى طريقه دون اتهام ولا تعويق ..
فرددت على هذا الأخ القديم: وهل لا زلت على رأيك الأول ؟ وهو يتهم جماعتكم بالتعاون مع الاستعمار، ويعتقل فى أنحاء ليبيا من يظن بهم الانتماء إلى الجماعة ؟
قال: إننى فى حيرة، وما أحسبنى كنت واهماً عندما عددته من الجماعة، إنه ليس فقيهاً إسلامياً ولا مفكراً إنسانياً يمكن وصفه بأنه أتى من عند نفسه بما أتى به . إنه يردد كل ما كتبه الإخوان من نظرات اقتصادية وسياسية للشريعة الإسلامية .. وأنت خبير بأن ما نشر فى أرجاء العالم الإسلامى والعربى من هذه الكتابات هو لمؤلفى الإخوان أو لأصدقائهم العاملين معهم فى هذا الحقل، والمتعرضين معهم للاضطهاد والبلاء .. لقد تبناه العقيد القذافى بما فيه من خطأ أو صواب !!
قلت: أى خطأ ؟
قال: إنك أصدرت فى أوائل الأربعينات عدة كتب فى هذا الموضوع، ثم نشر الأستاذ “ سيد قطب “ رحمه الله فى أواخر الأربعينات كتاب “ العدالة الاجتماعية “، ثم نشر الأستاذ “ مصطفى السباعى “ كتابه “ اشتراكية الإسلام “ فى أوائل الخمسينات، وفى هذه الغضون تمت ترجمة رسائل الأستاذ “ أبى الأعلى المودودى “، وقد خلطتم الإسلام بالاشتراكية على نحو لا يرضى أعداداً من المسلمين !!
قلت: إننا أرينا الأجيال الناشئة من ديننا ما يغنى عن استيراد الفلسفات الأجنبية الشاردة، وأنا شخصيا قد أكون تجوزت فى بعض العبارات لكن جوهر الموضوع إنصاف رائع لديننا الحنيف .
قال: على أية حال، فمن هذه الكتابات كلها نقل “ القذافى “ ما أسماه بالنظرية الثالثة، وهى تسمية نرفضها ولو سلمنا بها فإن السؤال المحير هو: لماذا يستمد من الإخوان ثم يهاجمهم ؟
واستأنف محدثى الكلام: إن الإخوان حاربوا ألوان الاستعمار جميعاً من قبل أن يولد الزعيم الشاب .. حاربوا اليهود سنة 1948 وردوهم على أعقابهم بعدما وصلوا العريش وكادوا يحتلون أجزاء من مصر، حاربوا الإنجليز على شواطئ القناة، وزلزلوا أقدامهم ونسفوا معسكراتهم، وأرغموهم على التفكير الجاد فى الجلاء نجاة بأنفسهم .. حاربوا الماركسية والإلحاد بعدما غمر الجامعات، واستحدثوا تياراً من الإيمان والاستعفاف جدد القيم فى المجتمع المصرى، وألقى الرعب فى صفوف أعداء الحق .
ثم قال صاحبى فى حماس: إن اصطياد التهم للجماعة على هذا النحو الشائن لا يمكن أن يكون إلا لحساب الاستعمار، حتى لا يتكون جيل من المؤمنين الأحرار يقاوم الصهيونية، ويحمى الأمة المحروبة تيارات التخريب النفسى والخلقى ..
قلت: ولعله عدم إلمام بالتاريخ القريب، أو لعل إشاعات سبقت إلى فكر الرجل من أناس خدع بهم فصدق دعواهم .. !!
رأيى أن العقيد القذافى يمكن أن يتفاهم معه، وأن يراجع نفسه فى بعض الأحكام ..
لقد استمعت إلى المحاضرة التى ألقاها فى مقر “ اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى “ بالقاهرة، والتى خلص منها إلى أن المسيحى رجل يعبد الله على طريقة عيسى بن مريم، فهو بذلك مسلم لأن أتباع عيسى مسلمون بنص القرآن الكريم .
أما أن أصحاب عيسى الأوائل مسلمون، عبدوا الله الواحد، وصدقوا رسوله عيسى فهذا ما أجمع المسلمون عليه ..
وأما الزعم بأن الذين عبدوا عيسى نفسه مسلمون، فهذا ما لم يقله أحد ! فإن الخصومة بيننا وبين النصارى أنهم لا يتبعون عيسى، عبد الله ونبيه إلى بنى إسرائيل، لا يتبعون الإنسان الذى قال: “ إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم “ .
إنهم يتبعون شيئاً اسمه ابن الله الوحيد، الذى ضحى به على الصليب قرباناً لتكفير الخطايا، وهو الرب يسوع المسيح، فهل هذا إسلام ؟
لقد وصف الإسلام هذا القول بالكفر “ وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين “ (الزخرف:15)
وليس يعطى كلام العقيد القذافى أية وجاهة أن مجلس قيادة الثورة أقره وتبناه !!
أخشى أن يطرد القياس ويقال: إن اليهودى إنسان مسلم يعبد الله على طريقة موسى الكليم، وبذلك تنحل المشكلات القائمة بين العرب واليهود .
فالكل حسب هذا المنطق مسلمون، ينبغى أن يتفسحوا فى المجالس والأوطان، وأن يسع بعضهم بعضاً دون شحناء ولا بغضاء .
إن العقيد يظلم نفسه إذ يخوض فى هذه البحوث ويقرر هذه النتائج .. ثم يبقى بعد ذلك كله أمر مهم، هل للعدالة مكانها فى سلوك الحكام المسلمين أم لا ؟
إن الله عز وجل يقول فى كتابه: “ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى “ (المائدة: 8)
ومعنى ذلك أن يحكم العقل والإنصاف مشاعر الحقد والغضب .
مهما كرهت فرداً أو جماعة فلا يجوز إذا كنت تقياً أن أسترسل مع هواى فى سجن خصومى أو تعذيبهم أو تهديد حاضرهم ومستقبلهم ..
والمألوف فى أرض الله كلها ـ عدا الغابات وما إليها ـ أن يحقق مع المتهم، وأن يمنح حق الدفاع عن نفسه، وأن يمحص القاضى ما نسب إليه فى نزاهة، ثم يصدر الحكم فى أناة وتبصر بالإدانة أو التبرئة ..
أما القذف بالناس فى السجون لأن الحاكم رأى ذلك فشىء منكر جعله القرآن الكريم قرين سفك الدم الحرام، وعابه على اليهود فى قوله: “ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان “ (البقرة 85) .
لماذا يشرد الطالب عن داره فلا يتم تعليمه أو رب الأسرة عن بيته فتتعرض زوجته وأولاده للمآسى والمعاصى؟؟
إن الحاكم الذى ينتسب إلى الإسلام يستحيل أن يتدلى إلى هذه المسالك ..
إننى أحد الذين اعتقلوا يوم كنت منتسباً إلى جماعة الإخوان، وحتى بعد فصلى من الجماعة اعتقلت لأنى لم أتخل عن العمل الدينى .
إننى ما سئلت عن شىء قبل أو بعد الاعتقال، لأنه لم يكن هناك ما أسأل عنه ! غير أن التجارب التى ذقتها والمشاهد التى رأيتها جعلتنى أزداد رسوخاً فيما كنت أقوله باستمرار: إن الحرية نعمة جليلة رائعة، وإن العدوان عليها سيئة مضاعفة الوزر شديدة العقاب .
إن طراز الحكم فى العالم العربى إن لم يضبط داخل الإطار الإسلامى فسيكون معرة للإسلام تُنفِّر منه بل تثير السخريةَ به !!
والذى “ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون “ هو الله الواحد الذى لا معقب على حكمه، ومع ذلك الاقتدار للكبير المتعال فهو يقول:” يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا “ (رواه أحمد: 5/160، ومسلم فى كتاب البر وغيرهما)
فهل ذلك ما يبيح لحكامنا أن يستغلوا سلطانهم الموقوت فى ضرب الناس وسجنهم دون ما سبب ؟
ومن الذين يهانون ؟ متهمون بالدعوة إلى الإسلام ؟!
“ يا حسرة على العباد “ .. !!!
إن قلبى يتفطر عندما أرى الدم الإسلامى أرخص دم على الأرض .. لقد استباحه المجوس واليهود والنصارى والوثنيون والملحدون .. وحكام مسلمون !!
ولا ريب أن المدافعين عن الإسلام تكتنفهم ظروف صعبة معقدة، غير أنه بين الحين والحين ينبجس من روح الله ندى يواسى الجراح ويهون الكفاح ويبشر بالصباح ..
ومهما كانت الأوضاع محرجة فلا بد من بقاء الدعوة الإسلامية مرفوعة الراية واضحة الهداية تعلن الحق وتبسط براهينه وتلقف الشبه وتوهى إسنادها ..
إن محمداً ليس وقفاً على عصر أو جنس، إن رسالته للقارات الخمس ما بقى الزمان وعلينا أن ننهض بهذا العبء ..
وحتى تعود “ الخلافة الإسلامية “ ـ وإعادتها فرض عين ـ لتتولى هذه المهام يجدر بنا أن نتبع ما يأتى:
ـ إعادة النظر فى مناهج تعليم الإسلام فى شتى مراحل الدراسة العامة .. وإعادة النظر فى مناهج التعليم الدينى نفسه لتخريج فئات أوسع دراية وأحد بصراً .
ـ اختيار الدعاة وفق مواصفات أدق وأرقى مما يتبع الآن، وتوسيع آفاق الدعوة الإسلامية أو الإعلام الإسلامى بحيث تستوعب ميادين النشاط الإنسانى جميعاً .
ـ إقامة حلقات اتصال بين الجامعات الإسلامية الموجودة الآن فى عواصم الإسلام كلها لتبادل الخبرة والمشورة العلمية والعملية ..
ـ عقد مؤتمرات دورية متصلة لبحث مشكلات الدعوة ورصد الهجمات المنظمة ضد الإسلام ووضع الخطط المناسبة لخدمة الرسالة الإسلامية .
ـ بسط الرعاية الدينية على المسلمين المهاجرين إلى الخارج والإفادة من مواضعهم الاجتماعية والثقافية حتى يكونوا معابر لرسالتنا العظيمة، بدل أن يذوب هؤلاء فى دوامة الحياة الغربية ..
ـ التقاط الفارين من وجه الحكومات المعادية للإسلام فى أفريقيا وغيرها وتيسير التحاقهم بالمدارس والمعاهد العربية ليعودوا أقدر على قيادة أممهم ورد الفتن عنهم ..
ـ دراسة المؤتمرات التبشيرية المحلية والعالمية واستكشاف المؤامرات المبيتة ضدنا .
ـ وبديهى أن ذلك كله لن يتحقق كلاً أو جزءاً إلا فى ظل حكومات تحترم الإسلام، وترى نفسها مسئولة أمام الله عن القيام بحقوقه .
ـ وليست كل الحكومات العربية كذلك، فهناك من يكره الإسلام والحدث عنه، وهناك من يقبله عبادات لا معاملات، وعقيدة لا شريعة ويرفض الدعوة إلى تطبيقه كله .
ـ وهناك من يمهد لاستقبال الشيوعية ومن يمهد لاستقبال العلمانية .
ـ ولا تعليق على هذا الارتداد السافر أو المحجب إلا أن نقول:
على الشعوب أن تتحرك وإلا تعرضت للفناء، عقوبة من رب السماء !!

* * * * *

التواضع لله من دلائل الرشد وأمارات الإيمان، بل هو من علامات الصحة العقلية والنفسية، فإن المعجب بنفسه المتكبر على غيره إنسان لم يعرف حقيقته، ولم يتصرف فى نطاق هذه الحقيقة فهو مصدر تعب وقلق حيث كان ..!
ومبلغ علمى أن أصحاب المواهب النفسية متواضعون، وأن الذى رزقهم النبوغ لم يشنهم بهذا اللون من الجهالة، فهم يضعون تفوقهم الشخصى فى خدمة الآخرين، وبقدر ما فى معادنهم من صلابة يبتذلون أنفسهم لأمتهم ومبادئهم، دون قلق على مكانة موهومة أو منزلة مزعومة !
أما الذين يستخفون وراء أسوار من المراسم والشارات فأغلبهم هش المعدن قريب العطب .
وأغلب من عرفت من المتكبرين أقوام صغار المواهب يسترون علاتهم بافتعال مظاهر لا أصل لها !!
ولو أن امرءاً ما استكبر بعلم حقيقى، أو بطولة رائعة، أو مال ممدود، أو قيادة حكيمة، أو غير ذلك من أسباب الرفعة .. لكان مخطئاً أفدح الخطأ .. لماذا ؟ .. لأن واهب النعمة والخير والبروز هو الله جل شأنه .
والإنسان جسر يعبر عليه الفضل الأعلى، ومجلى لهذه العارية الطارئة عليه من غيره لا من ذاته، فلم الكبرياء على الله ؟
ما أحسن قول الرجل المؤمن لأخيه المغتر بثرائه:
“ ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله “ (الكهف: 39)
إن المدل بجماله لم يصنع شيئاً من ملامحه الوسيمة، وذوو المواهب العليا رزقهم التفوق من خلقهم ومهد لهم واختبرهم بما أتى، فلماذا الغرور بالنفس ؟
ولنترك هذا الكبر الذى لا يعتمد على سناد أى سناد فى تفكير أصحابه ..
ولننظر إلى قوم آخرين يستكبرون بالهباء أو بما لا يزن شيئاً طائلاً ..
وقد كثر هذا النوع فى بلادنا، وتوزع على مناصب شتى هنا وهناك، ومسخت دعاواهم كل شىء .
ترى الواحد منهم فقيراً فى معرفته، ضئيلاً فى إنتاجه، ومع ذلك يرمق الحياة والأحياء بالنظر الشزر، ويعامل الناس معاملة العملاق للأقزام، والفيلسوف للعوام ..
فى غير ميدان قابلت هؤلاء يتكلمون، أو يعملون، أو يحكمون فرأيتهم حراصاً على الظهور فى شارات الناس الكبار على حين تضعهم أقدارهم وثمارهم فى المستوى الهابط والمكانة النازلة !!
قلت فى نفسى: الناس يستكبرون بالعلم وهؤلاء يستكبرون بالجهل . الناس قد تأخذهم العزة بالطاقة وهؤلاء تأخذهم العزة بالإثم . ما أشقى بلادنا بهؤلاء ..
لو أدرك هؤلاء ما فى كفايتهم من نقص لاستكملوه ! .. لكن الحجاب المسدل على بصائرهم خيل إليهم أنهم عباقرة، فعاشوا ينكبون الناس بقصورهم وغرورهم ..
وربما اغتر الأعور بنصف بصره بين لفيف العميان .
أما أن يغتر بعاهة بين أصحاب البصر الحديد فهذه النكبة الجائحة .. !!
والعالم الآن مشحون بأصحاب المواهب المعجبة والخبرات الجيدة والتجارب المصقولة، والثروات الأدبية والمادية الهائلة .
فإذا سرنا نحن فى الموكب العالمى بهذه الحفنة من الأدعياء الفارغين فماذا يكون تقديرنا وماذا يكون مصيرنا ؟؟
والشخص التافه يفلسف الأوضاع حوله بما يشبع كبره، ويصدق وهمه، أى أنه بدلاً من أن يستيقظ على الحقائق اللاذعة ينظر إليها من جانب يرضيه ويطغيه .
وقد روت كتب الأدب القديم قصة هى على ما فيها من هزل صورة صادقة لكثير من ذوى المناصب المرموقة فى الأمة العربية الآن:
كان “ أبو حية “ النميرى جباناً يخيلاً كذاباً ! .. قال ابن قتيبة:
وكان له سيف يسميه “ لعاب المنية “ ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان أجبن الناس، دخل ليلة إلى بيته فسمع صوتاً لا عهد له به فانتضى سيفه، ووقف فى وسط الدار، وأخذ يقول:
“ أيها المغتر بنا، المجترئ علينا، بئس ـ والله ـ ما اخترت لنفسك: خير قليل، وسيف صقيل “ لعاب المنية “ الذى سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته ..
“ اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك ! ..
“ إنى والله أن أدع قيساً إليك لا تقم لهم .. ! ..
“ وما قيس ؟ .. تملأ ـ والله ـ الفضاء خيلاً ورجلاً . سبحان الله ! ما أكثرها .. !! “
وبينا هو كذلك إذ خرج كلب من الدار، فقال:
“ الحمد الله الذى مسخك كلباً وكفانا حرباً !!! “
لست أبعد إذا قلت: إننى رأيت صوراً لهذا الجبان المستأسد فى بعض الساسة الذين كتبوا تاريخ الشرق العربى فى العصر الحديث ..
ـ العجز الحريص على الصدارة .
ـ الدعوى الفارضة نفسها على الواقع .
ـ الهوى الذى يطوى الأشخاص والأشياء والأحداث فى تياره ويضفى عليها صبغته الجادة أو الهازلة .
ذكرت الجنرال “ أيزنهاور “ قائد الحرب العالمية الثانية التى انتصرت فيها أمريكا وحلفاؤها، إن أمريكا لم تعط رجلها لقب “ ماريشال “ مع أنه خاض حرباً تم له فيها النصر بعد أن دمرت مئات المدن والقرى وقتل فيها وجرح سبعون ألف ألف شخص .
لكن ناساً فى الشرقين الأوسط والأقصى حصلوا على هذا اللقب دون أن يخوضوا حرباً أو يعانوا ضرباً .
فى البلاد المحترمة يصعد الأفراد من السفوح إلى القمم والعرق يتصبب من جبينهم، والإرهاق والتفكير يلاحقانهم بين آن وآخر .
.. وعلى هذا السنن البائس تجرى أمور العرب .
أما فى البلاد المتخلفة فإن ناساً يصلون إلى الذرى دون جهد يذكر اللهم إلا جهد الملق لملاك السلطة والاستعداد لخدمة الأهواء !!
وقديماً نظر البحترى إلى واحد من هؤلاء جعله “ الخليفة “ قائداً، وهو لا يصلح لقيادة ولا ريادة فقال:
ويكاد من شبه العذارى
فيه أن تبدو نهوده

ناطوا بمعقد خصره
سيفاً ومنطقة تؤوده

جعلوه قائد عسكر
ضل الرعيل ومن يقوده


فهل هذا اللون من الخلائق ترشحه مواهبه لهدف كبير ؟
وهل هؤلاء القادة “ بالتعيين “ لا بالخصائص “ النفسية والعقلية “ هم الذين يقودون العرب فى معركة البقاء !!
ألا ما أكثر الألقاب التى تمنح فى البلاد العربية .
وعرفت مديراً أجنبياً لمصنع كبير، قيل لى فى وصف إدارته:
“ تراه جوالاً بين الآلات والمكاتب مغبر الجبين بتراب العمل وعرقه، ملوث الثياب بالزيوت والشحوم التى تسقط عليه وهو تحت آلة يعالجها، أو فى طريق وعرة إلى مهمة ثقيلة !! “
فتذكرت شكوى أحد المربين وهو يصف لى بعض الشباب فى بلادنا العربية، قال: إنهم يبغون مكتباً أنيقاً يجلسون إليه و” تليفوناً “ يثرثرون فيه، ونمطاً من العيش لا يضنى ولا يقلق .
قلت: والله هذه أخلاق الهزيمة الضياع، وأصحابها هم عللنا المقعدة، وأما الرجال المعنيون بالعمل الحق، الحمالون لأعبائه الثقال فهم أصل النصر والتقدم !!
إننى أغوص فى بحر من الحيرة والأسف حين أرى عظماء العالم على جانب رائع من دماثة الخلق، ولطف المعاشرة، وسهولة الطبع وقلة التكلف، على حين ترى المتسولين من موائدهم متعجرفين متعاظمين كأنهم أتوا بالديب من “ ذيله “ كما يقول العوام فى أمثالهم .
إن بناة التاريخ من سلفنا الصالح كانوا يتميزون بخلقين:
ـ عظم الكفاءة .
ـ ونكران الذات .
ذلك ما استفادوه من إيمانهم الوثيق بالإسلام .
قدرة ملحوظة فى مجالات النشاط الإنسانى، وإخلاص لله يدفع أحدهم إلى الجود بما عنده: “ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى “ (الليل: 19)
والغريب أن الخلف الطالح جاء على الضد فهو مكشوف العجز فى جنبات الدنيا مادياً وأدبياً وهو طالب شهرة يجرى وراءها كالطفل الغرير، ويريد أن يرمقه الناس بالتجلة على غير شىء !
إن خصومنا لم يخرقوا العادات فيما يفعلون ويتركون، لقد رأيتهم منطقيين فى شتى أحوالهم .
أما نحن فقد هبطنا عن المستوى العادى ولم نكن منطقيين فى تصرفاتنا ومن وراء هذا الخلل الجسيم البعثيون والقوميون الذين نفثوا سمومهم فى كل شىء فقد جرءوا العرب على قطع نسبهم إلى الإسلام ثم جرءوهم على اطراح عقائده وفضائله، ثم وثبوا على الحكم عقب انقلابات مصطنعة لا تتصل بالشعوب العربية من قريب أو بعيد، ثم أخذوا يتعسفون السير نحو أغراضهم على حطام من الداخل وإن كان الظاهر مزوقاً كانت النكبة ..
فهل تعلم العرب من هزائمهم المترادفة أن يثوبوا إلى رشدهم ؟
كلا .. ولقد راقبت الانقلابات التى وقعت فى أرجاء العالم الإسلامى وأزعجنى أنها وقعت لمحاربة عوج، وإقرار خير، فإذا العوج بعدها يزيد والخير ينكمش ..
واهتبل أعداء الإسلام الفرصة فضاعفوا أرباحهم فى بلاده، وإيهانهم لقضاياه حتى لكأنهم كانوا مع هذه الانقلابات على موعد !!
ففى أفريقيا حيث حيكت مؤامرات ماكرة لسحق الإسلام وطى أعلامه رأينا ديننا الجريح يدوخ تحت ضربات موجعة يفقد بعدها الكثير من تراثه وسلطانه وكرامته ..
ونشأ عن ذلك ـ فى أقرب البقاع علينا ـ أن ضاع السودان الجنوبى بجرة قلم وتحقق حلم الصليبية العالمية التى تسعى وراءه من خمسين سنة، فكسبت 250 ألف ميل مربع من الأرض .
وتاحت فرصة غريبة لعشر السكان المسيحى أن يتحكم فى البقية الضائعة ويمحو منه الإسلام .
وسنرى كم ستكسب “ إسرائيل “ من هذا التصرف .
إن أغلب الانقلابات التى حدثت رتب وظائف الدولة العليا والوسطى على أساس أهدرت فيه الكفاءات إهداراً مزعجاً ..
وتصور معيداً فى كلية يصبح عميدها، أو كاتباً فى محكمة يصبح رئيسها، لكن هكذا تجرى الأمور فى غيبة الدين والدنيا معاً .
لقد أبى المتنبى الذهاب إلى الأندلس، لأنه أدرك تفاهة حكامها من ضخامة الألقاب التى يحملونها، وكأن الرجل يصف أحوال العرب فى عصرنا هذا لا فى عصره هو عندما قال:
فى كل أرض وطئتها أمم
يقودها عبد كأنها غنم !

إن العرب الآن يخوضون معركة بقاء أو فناء ..
وفى غيبة الإيمان وتقاليده وشمائله عن مجتمعاتهم نمت أخلاق أخرى لا تصلح بها حياة ولا تضمن بها أخرى .
ومن الخير أن يتحسسوا هذا البلاء فى صفوفهم فيحسموه .
إن الحقائق تفرض نفسها طوعاً أو كرهاً مهما تجاهلناها، وعندما يكون الشعب شكلاً لا موضوع له فهو صفر .
وعندما يكون الرؤساء أوراقاً مالية ليس لها غطاء نقدى محترم فهم عملة زائفة، قد تروج بين المغفلين، ولكن إلى حين ..
على العرب أن يعيدوا تشكيل نفوسهم وصفوفهم ومتقدميهم ومتأخريهم وفق القانون الإلهى العتيد “ ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب . من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً “ (النساء: 123) .
ـ ما يفعل الله للعرب إذا كان خصومهم يحترمون كلام أنبيائهم ورؤساء العرب يستهينون بكلام نبيهم؟ ـ ما يفعل الله للعرب إذا كان خصومهم فى كل ميدان يقودهم أقدرهم وأشجعهم، أما قادة العرب فأخلاط من الناس فرضتهم فى أماكنهم حظوظ سيئة ؟
ـ ما يفعل الله للعرب إذا كانوا يهزلون وخصمهم جاد ؟
لا بد من إعادة النظر فى شأننا كله، وإلا حقت علينا كلمة ربك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ كتاب :
 قذائف الحق للشيخ الغزالي رحمه الله
الباب السابع:
 مع التيار الشيوعى والإلحادى
ــــــــــــــــــــــــــــ
لا بد للإسلام من خطة إيجابية يواجه الغزو الثقافى بها
فى مواجهة التيارات الفكرية الهاجمة علينا أصدرت عدة مؤلفات تتحدث عن النظام الاقتصادى الإسلامى، كما تصورته من كتاب الله وسنة رسوله وتطبيقات الخلافة الراشدة، وكان يغلب علي ـ وأنا أقدم هذا التصور ـ أمران:
ـ اطلاع المثقفين المعاصرين من خريجى المعاهد المدنية على الجوانب المضيئة من تراثنا والمغنية عما سواها، حتى يكون تعلقهم بدينهم لا بغيره .
ـ ثم الإزراء على الأوضاع المعوجة السائدة، ورفض السناد الدينى الذى تنتحله لنفسها .
وأعترف بأنى تجوزت فى التعبير أحياناً، وقبلت بعض العناوين الشائعة “ كالديمقراطية “ فى ميدان الحكم “ والاشتراكية “ فى ميدان الاقتصاد، لا لإعجابى بهذه العناوين، ولكن لأجعل منها جسراً يعبر عليه الكثيرون إلى الإسلام نفسه، أى أنى أريد نقل “ الديمقراطيين “ و “ الاشتراكيين “ إلى الإسلام بعدما أوضحته وأبرزت معالمه، لا أنى أريد صبغ الإسلام بصبغة أجنبية أو نقله إلى مذاهب مستوردة ..
وقد جاء من بعدى الأستاذان “ سيد قطب “ و “ مصطفى السباعى “ ـ عليهما رحمة الله، فألف الأول “ العدالة الاجتماعية فى الإسلام “، وألف الأخير “ اشتراكية الإسلام “ وهما يقصدان ما قصدت إليه من رد المفتونين بالمبادئ الجديدة إلى مواريث أسمى وأغنى ..
وربما كان ما كتباه أفضل مما كتبته أنا وأكثر تنظيماً .
وعذرى أننى كنت رائداً تدمى أظافرى فى الاكتشاف والتدوين، فإذا جاء من بعدى ووجد حقائق ممهدة كان على تنسيقها أقدر وعلى صوغها أدق !!
ومما لا ريب فيه أن الإسلام دين تنهض دعائمه الأولى على الإيمان بالله واتباع ما أوحاه إلى رسوله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن عقائده وعباداته ليست مجال أخذ ورد .
لكن “ نظام الحكم والمال “ فيه يعتمد على نصوص محدودة، ثم على قواعد وأقيسة ومبادئ ومصالح كثيرة ..
وقد جمد “ الفقه الدستورى “ لدينا من أعصار بعيدة، ثم جمد بعده “ فقه الفروع “ منذ أغلق باب الاجتهاد حتى فتحه أناس ليسوا موضع طمأنينة ..
كان رجال القانون فى أوربا وأمريكا ـ منذ قرنين ـ يضعون الدساتير التى تقيد الملوك والرؤساء، وتبرز سلطات الأمم فى وجه الحاكم الفردى المطلق .
أما نحن فكان المطلوب منا أن ندعو إلى الإسلام .. وحسب، والذين يشمئزون من كلمة “ ديمقراطية “ لا يفكرون فى القيام بجهد عملى بنقل “ الشورى “ الإسلامية من ميدان الفكر النظرى المطلق إلى قوانين دقيقة تنصف الجماهير العانية وتضبط سلطات الولاة على اختلاف ألقابهم .
ونحن نسمى هذا التزمت بلادة، وربما اتهمنا بواعثه النفسية، وإذا كان أصحابه مخلصين فهو إخلاص “ الدبة “ التى قتلت صاحبها، وقد أصاب الإسلام أعظم الضرر من هؤلاء !!
تأمل فى هذه القصة التى ذكرها الشيخ الكبير محمد رشيد رضا قال:
إن الخديوى إسماعيل استدعى رفاعة الطهطاوى وخاطبه:
“ يا رفاعة، أنت أزهرى تعلمت فى الأزهر وتربيت به، وأنت أعرف الناس بعلمائه، وأقدرهم على إقناعهم بما ندبناك له..إن الفرنجة قد صارت لهم حقوق ومعاملات كثيرة فى هذه البلاد، وتحدث بينهم وبين الأهالى قضايا، وقد شكا الكثيرون إلىّ أنهم لا يعلمون أيحكم لهم أم عليهم فى هذه القضايا؟ ولا يعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم .. لأن كتب الفقه التى يحكم بها علماؤنا معقدة وكثيرة الخلاف، فاطلب من علماء الأزهر أن يضعوا كتاباً فى الأحكام المدنية الشرعية تشبه كتب القانون فى تفصيل المواد واطراح الخلاف، حتى لا تضطرب أحكام القضاة، فإن لم يفعلوا وجدتنى مضطراً للعمل بقانون “ نابليون “ الفرنسى !! “ (فى كتاب تاريخ المحاكم المختلطة والأهلية للأستاذ عزيز خانكى، وتسمى الآن المحاكم الوطنية، والنقل عن مجلة “ المسلم “)
قال رفاعة الطهطاوى ـ مجيباً الخديوى ـ: يا أفندينا: إنى سافرت إلى أوربا، وتعلمت فيها، وخدمت الحكومة، وترجمت كثيراً من الكتب الفرنسية، وقد شخت، وبلغت إلى هذه السن، ولم يطعن فى دينى أحد، فإذا اقترحت الآن هذا الاقتراح بأمر منكم طعن علماء الأزهر فى دينى، وأخشى أن يقولوا: إن الشيخ رفاعة ارتد عن الإسلام آخر عمره؛ إذ يريد تغيير كتب الشريعة وجعلها مثل كتب القوانين الوضعية .. فأرجو أن يعفينى أفندينا من تعريض نفسى لهذا الاتهام ؛ لئلا يقال: مات كافراً . فلما يئس الخديوى .. أمر بالعمل بالقوانين الفرنسية ..
والقصة المحزنة تحكى فساد الأمراء والعلماء جميعاً، وتكشف أن ما أصاب المسلمين من شتات وخزى ليس بلاء يؤجرون عليه، ولكنه عقاب يستحقونه “وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون“ .

ولقد كنت أسأل نفسى: نحن نكافح هذه القوانين المستوردة من الخارج وما تتضمنه من فساد وإلحاد، فكيف دخلت بلادنا، وماذا كان موقف العلماء منها يوم جاءت، ولِم لمَ يموتوا دون تحكيمها فى مجتمعنا ؟
ثم علمت أن موتنا الأدبى هو الذى مهد لقبولها واستقرارها .. ومع نهضتنا الإسلامية الحالية بدأت تشريعات جنائية ومدنية تستقى من ينابيع الإسلام الأصيلة، ولا ريب أننا نملك أعظم ثروة تشريعية فى القارات الخمس غير أنها دفينة فى صحائف مهجورة ومصبوبة فى قوالب قديمة، ونستطيع أن نسترشد بها فى إقامة صرح قانونى إسلامى شامخ ..
ويبقى قبل ذلك وبعده أن يزدهر الفقه الدستورى عندنا، ويتخلص من أوهام العصور المتخلفة ورعايا حكام الجور ..
يبقى أن تتحول كلمة “ الخلافة الراشدة “ مفصلة: “ إن رأيتم خيراً فأعينونى وإن رأيتم شراً فقومونى “ .. إلخ .. إلى مواد مفصلة لدستور إسلامى يمنع الطغيان، وينعش الأمم، ويضع سياجاً متيناً حول كل حق خاص أو عام ..
وقبل أن نحتقر كلمة “ ديمقراطية “ ونجبه قائليها نقدم العوض الإسلامى عنها وعن آثارها القريبة والبعيدة .
وأى حرج فى أن ننتفع بتجارب الماضى الطويل عندنا وعند غيرنا ونحن نضع الدساتير ؟
وما يقال فى الجانب السياسى يقال فى الجانب الاقتصادى ..
إن ديننا يروع بما حوى من تعاليم تحقق الأخوة وتضمن الكرامة وتحارب الجوع والذل والبطالة والضياع .. ثم إنه حرم الاحتكار والاستغلال والربا والترف .
وجملة النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فى هذا الميدان تكون صورة اجتماعية زاكية راقية .
ولا نقول: تكوّن مذهباً اجتماعياً مستقلاً، فإن الآثار الإسلامية الموصولة بهذا الشأن لا تعدو أن تكون فروعاً من الشجرة الكبيرة التى تضم تعاليم الإسلام جمعاء، أو بتعبير آخر هى بعض شعب الإيمان التى تبلغ الستين أو السبعين شعبة ..
والجهد الإسلامى الواجب: إذا كان الإنسان يوفر الكرامة للإنسان، فما هى العناصر التى يستجمعها، لإنشاء بيئة تنبت العز، ولمنع البيئة التى تنبت الهوان ؟ وكيف يصوغ هذه العناصر قوانين ضابطة لأحوال الأمم ؟
إذا كان الإسلام يمقت الفقر ويحب الاستغناء، فما هى العناصر التى يحشدها ليستغل خبرات الأرض فى البر والبحر ؟ وكيف يجند الهمم للكدح والكفاح ؟ ثم كيف يصوغ ذلك كله قوانين تحيل الجماعة الإسلامية إلى خلية ناشطة منتجة ؟
إن المسلمين ظلوا أمداً:
ـ يحتفون بالأنساب أكثر مما يحتفون بالأعمال .
ـ ويؤخرون العلم ويقدمون الحظ .
ـ ويريقون الأوقات على مصاطب اللغو والثرثرة أكثر مما يستغلون الأوقات فى الجد .
ـ وتحكمهم تقاليد ابتدعوها أكثر مما تحكمهم مواريث الدين ذاته ..
بل جعلوا العلم بالدين وظيفة الهمل والمغموصين .. فكان العقاب الأعلى لهذه الخيانات الباطنة والظاهرة أن سقطت الأمة الإسلامية على الصعيد العالمى هذا السقوط الذريع، وانسحب ذلك على دينها، فلم يصدق الناس أنه رحمة للعالمين .. !!
لقد بذلنا ـ أول العهد بالتأليف ـ جهداً حسناً فى سبيل تقديم الإسلام متجاوباً بل متبنياً لآمال الشعوب فى الكرامة والتقدم، وأمطنا اللثام عن نصوص كانت موجودة بداهة، ولكن العيون كانت تتجاوزها .
وربما أخطأنا فى الشرح والاستنتاج ـ والخطأ خليقتنا ـ لكن هذه الكتابات إذا جردناها من حرارة الشباب وسكبنا عليها قليلاً من برودة الشيخوخة، أمكن استخلاص المادة التى تسن منها قوانين تشرف الأمة الإسلامية وترفع كفتها ..
إن الإنكليز فى سبيل صد الشيوعية وصلوا إلى تأميم الطب، وكفالة العيش لكل عاطل حتى يجد العمل.
وغيرهم ابتكر ضروباً من الاشتراكية سدت الباب سداً أمام اليسار المغرى، فهل يغنى عنا أن نقول: فى الإسلام ما يكفى ويشفى دون أن نترجم تعاليمه إلى دساتير وقوانين ؟
ولكى نعرف كيف يتصرف غيرنا ليخدم نفسه ويحقق غرضه ننقل هذه الكلمات من رسالة عن “ المخطط الشيوعى “ للدكتور إبراهيم دسوقى أباظة جاء فيها: “ ينفرد المخطط الشيوعى بخاصة نفاذة، فهو يجمع عند الماركسى الحق بين التواء الأسلوب وصدق العقيدة، فكل ما يوصل إلى الغاية تسوغه الغاية وإن كان يصدم مرحلياً بجوهرها، وكل ما يحمل إلى الهدف يبرره الهدف، وإن بدا مناهضاً لمنطقه ..
“ ـ وهكذا التحق “ المراكسة “ بالوطنية وهم العالميون ! ..
“ ـ وانتعلوا نزعة القومية وهم اللاقوميون ! ..
“ ـ واعتصموا بحبل الدين وهم الملحدون “ !
ويقول: “ وبين دول العالم الثالث لم يعد الدين أفيون الشعوب ـ لمكانة الدين فى شعوب هذا العالم ـ وإنما أصبح الشعار المرفوع: الدين لله والشيوعية للجميع ..
“ أو كما قال “ قسيس أحمر “: ننظم حياتنا هنا كما نحب فإذا جاءت الآخرة نظرنا كيف نتصرف!! ..
“ وعلى هذا الأساس تحرك الحزب الشيوعى فى إيطاليا وفرنسا، وفى السودان واليمن الجنوبى ولا يزال بعضنا يدافع عن التراث الإسلامى بتفكير عصر المماليك “ !!
وحتى نعرف عدونا وما يصنع نقرأ هذه الكلمات “ إن الإعلام الشيوعى اكتسب منذ السنوات الأولى للثورة الحمراء قدرات لم تعرف من قبل، إذ أصبح قوة مؤثرة فى صنع الفكر وتوجيه الحركات الثقافية فى أنحاء العالم .. ويكفى للتدليل على حجم هذا الإعلام ما ورد فى إحصاءات الأمم المتحدة أخيراً أن الاتحاد السوفيتى يحتل المركز الأول فى إنتاج الكتب إذ يصدر يومياً 3700000 كتاب، أى ما يوازى ربع إنتاج العالم ويبلغ ما تنتجه المطابع السوفيتية فى الدقيقة الواحدة 20500 نسخة، ولعل فى هذا الأرقام ما يكفى، بل ما يصرخ بالمراد “ .
ترى ماذا تنتج المطابع الإسلامية ؟ لا رقم يذكر هنا، لأنه لا مجال للمقارنة، إننا نحن المؤلفين المسلمين نلتقط أنفاس الحياة بأعجوبة !
ويستطرد الدكتور أباظة فيقول: “ ونجاح الاتحاد السوفيتى فى إدراك هذا المستوى العالى من الإنتاج الإعلامى يعود إلى ما تقرر خلال الأيام الأولى لقيام الثورة فقد أصدرت الحكومة فى 29 / 12 / 1917 مرسوماً حددت فيه مبادئ ونظم نشر الكتاب “ .
ويعتقد الشيوعيون أن الصحافة والكتب من أهم وسائل الثورة الثقافية أو بتعبير آخر من أهم وسائل الانقلاب الفكرى الذى ينشدونه ولا شك أن الكتب والرسائل المؤلفة بذكاء من أمضى الأسلحة فى القضاء على الأفكار والنظرات المعارضة، وبث الآراء والتصورات الماركسية .
وتقول الأرقام إن عدد الجرائد فى الاتحاد السوفيتى 7937، ويبلغ مجموع النسخ من كل طبعة 120 مليون ويصدر منها فى العام الواحد 26 مليار و 655 مليون نسخة .
أما عدد المجلات فقد بلغ 4704 يصدر منها فى كل طبعة 132 مليون نسخة وبديهى أن هذا الإنتاج الضخم يتوزع على روسيا وغيرها من المؤسسات الشيوعية فى أرجاء العالم، وهو يطبع باللغات المحلية واللهجات الوطنية “ .
ذاك ما تبذله لتوضيح وجهة نظرها دولة تحتل الصف الأول فى التسلح العسكرى، وإذا كانت الأمور قد تذكر بأضدادها فلا بأس من إيراد هذه النكتة ..
كتبت يوماً كلمة أشرح فيها اعتماد الإسلام على الإقناع فى نشر تعاليمه وأنه ما يلجأ إلى السيف إلا حيث يلقى السيف .
وهذه الكلمة جزء من فصل طويل فى كتابى “ الاستعمار أحقاد وأطماع “ .
وفوجئت بعد نشر هذه الكلمة بكاتب لا أعرف ما هو يتهمنى بالضعف والاستسلام لآراء المستشرقين،
ويقول: إن الإسلام يعتمد على القوة فى انطلاقه !
فقلت: زعم أولاد البلد أن أصم وكسيحاً ومفلساً ركبوا زورقاً لينقلهم إلى الشاطىء الآخر للنهر، وبينما الزورق فى وسط الأمواج قال الأصم: كأنى أسمع دبيب نملة على الشاطىء، فرد الكسيح: صه وإلا ركلتك فى الماء، وأجاب المفلس: الذى تعرف ديته أقتله ..
أى قوة تتحدث عنها أيها المسكين ؟ ولنفرض جدلاً أن الإسلام يملك قوة تجعله المتفرد بالسلطان على الأرض !! هل يعنى ذلك أن الدعوة ليست وسيلته الفذة ؟ وأن اعتماده الأعظم ليس على وسائل الإعلام ؟ إنه ما يلجأ إلى القوة إلا يوم تكون كسراً للعدوان، وحطماً للطغيان وكفكفة لشرور المغرورين وناشدى العلو والفساد فى الأرض ..
لكن المغفلين كثيرون، والطامة الكبيرة أن يملك هؤلاء السفهاء قدرة على الكلام فى الإسلام ومناوشة
علمائه !!
ونعود إلى موضوعنا: إن شرح الإسلام بصورة عامة، وشرح الجانب الاجتماعى والاقتصادى منه بصورة خاصة يحتاج إلى بصر بالحياة المعاصرة وقضاياها المعقدة ومبلغ تغلغل الدولة فى شئون الأفراد والجماعات، بل ويصر بما تضمنه الإسلام من نصوص وآثار وما توحى به هذه النقول من دلالات قريبة وبعيدة ..
ثم صوغ ذلك قيماً ومبادئ وقوانين سهلة سائغة، على أن يساند هذا البلاغ تطبيق ناجح ونموذج عملى
محترم !!
وبقى أن نعرف عن الشيوعيين شيئاً آخر .. دعاواهم العريضة عن منطقهم العلمى وفلسفتهم الواقعية، ولا أعرف مفلساً أكثر حديثاً عن ثروته الطائلة من الشيوعى الملحد الذى يكثر الحديث عن أسانيد كذبه ودلائل
زيفه ..
لا شىء هنالك غير جرأة فى اتهام الناس بالرجعية والجمود .
واتهام المؤمنين بأنهم مخرفون نقلة أوهام ليس جديداً فى تاريخ الدنيا، إنه ذات الاتهام الذى كان يقوله عرب الجزيرة لصاحب الرسالة من أربعة عشر قرناً “ حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا: إن هذا إلا أساطير الأولين “ (الأنعام: 25)
والشيوعية نفسها فى ميدان التطبيق الاقتصادى نظام فاشل، فإنتاجها الزراعى أقل من غيره، وإنتاجها الصناعى أردأ من غيره، والقول “ بحتمية الحل الاشتراكى “ لون من السفسطة والكذب العام .
وقد قلنا إنها نظام سياسى نجح فى قتل المعارضة لأن أرزاق الناس جميعاً تجرى من بين أصابع الحاكمين ..
وقد أصابنا مس من الفكر الشيوعى فى حياتنا الاجتماعية فإذا اليوم ينعق فى ساحات كانت قبل عامرة، لم تجن الجماهير غير الشؤم والفزع والخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ..
إن العقل العلمى قد ينقص كثيراً من المتدينين أما أنه ينقص الدين نفسه فلا ثم لا .. كيف والتفكير فريضة إسلامية، والنظر الواعى إلى الكون والناس ركن ركين فى الإيمان .
إن الجو الصحو الدافئ هو وحده الذى ينمو فيه الإسلام ويزدهر، فإذا تقاصر الشعاع وانتشر الغيم شرع الإسلام يرحل !
وربما بقيت جماهير تتعلق بأذياله وهو مول ذاهب، لكن الظن لا يغنى من الحق شيئاً، والأثر لا يغنى عن العين نفسها ..
وبعض الناس أقلقه من الشيوعية أنها تذهب بما يملك وهو كثير كثير وما ننظر إلى أولئك ونحن نحارب الشيوعية، وإنما ننظر فى المقام الأول إلى هذا الإلحاد الحقود الأعمى المخاصم لله وأنبيائه جميعاً، المتبرم بالوحى الأعلى وتوجيهاته للناس .
ونحب بالمنطق العلمى أن يعرف القاصى والدانى أن الله حق، وأنه مشرف على العالم يدير أمره ويهب له وجوده، ويحسب على كل عاقل مسالكه، وما قدم وما أخر “ الله لا إله إلا هو الحى القيوم “ .

* * * * *

دار بينى وبين أحد الملاحدة جدال طويل، ملكت فيه نفسى وأطلت صبرى حتى ألقف آخر ما فى جعبته من إفك، وأدمغ بالحجة الساطعة ما يوردون من شبهات ..
قال: إذا كان الله قد خلق العالم فمن خلق الله ؟
قلت له: كأنك بهذا السؤال أو بهذا الاعتراض تؤكد أنه لا بد لكل شىء من خالق !!
قال: لا تلقنى فى متاهات، أجب عن سؤالى .
قلت له: لا لف ولا دوران، إنك ترى أن العالم ليس له خالق، أى أن وجوده من ذاته دون حاجة إلى موجد، فلماذا تقبل القول بأن هذا العالم موجود من ذاته أزلاً وتستغرب من أهل الدين أن يقولوا: إن الله الذى خلق العالم ليس لوجوده أول ؟
إنها قضية واحدة، فلماذا تصدق نفسك حين تقررها وتكذب غيرك حين يقررها، وإذا كنت ترى أن إلهاً ليس له خالق خرافة، فعالم ليس له خالق خرافة كذلك، وفق المنطق الذى تسير عليه .. !!
قال: إننا نعيش فى هذا العالم ونحس بوجوده فلا نستطيع أن ننكره !
قلت له: ومن طالبك بإنكار وجود العالم ؟
إننا عندما نركب عربة أو باخرة أو طائرة تنطلق بنا فى طريق رهيب، فتساؤلنا ليس فى وجود العربة، وإنما هو: هل تسير وحدها أم يسيرها قائد بصير !!
ومن ثم فإننى أعود إلى سؤالك الأول لأقول لك: إنه مردود عليك، فأنا وأنت معترفان بوجود قائم، لا مجال لإنكاره، تزعم أنه لا أول له بالنسبة إلى المادة، وأرى أنه لا أول لها بالنسبة إلى خالقها .
فإذا أردت أن تسخر من وجود لا أول له، فاسخر من نفسك قبل أن تسخر من المتدينين ..
قال: تعنى أن الافتراض العقلى واحد بالنسبة إلى الفريقين ؟
قلت: إننى أسترسل معك لأكشف الفراغ والادعاء الذين يعتمد عليهما الإلحاد وحسب، أما الافتراض العقلى فليس سواء بين المؤمنين والكافرين ..
إننى ـ أنا وأنت ـ ننظر إلى قصر قائم، فأرى بعد نظرة خبيرة أن مهندساً أقامه، وترى أنت أن خشبة وحديدة وحجرة وطلاءة قد انتظمت فى مواضعها وتهيأت لساكنيها من تلقاء أنفسها ..
الفارق بين نظرتينا إلى الأمور أننى وجدت قمراً صناعياً يدور فى الفضاء، فقلت أنت: “ انطلق وحده دونما إشراف أو توجيه “ وقلت أنا: بل أطلقه عقل مشرف مدبر ..
إن الافتراض العقلى ليس سواء، إنه بالنسبة إلىّ الحق الذى لا محيص عنه، وبالنسبة إليك الباطل الذى لا شك فيه، وإن كل كفار عصرنا مهرة فى شتمنا نحن المؤمنين ورمينا بكل نقيصة فى الوقت الذى يصفون أنفسهم فيه بالذكاء والتقدم والعبقرية ..
إننا نعيش فوق أرض مفروشة، وتحت سماء مبنية، ونملك عقلاً نستطيع به البحث والحكم، وبهذا العقل ننظر ونستنتج ونناقش ونعتقد .
وبهذا العقل نرفض التقليد الغبى كما نرفض الدعاوى الفارغة، وإذا كان الناس يهزءون بالرجعيين عبيد الماضى ويتندرون بتحجرهم الفكرى، فلا عليهم أن يهزءوا كذلك بمن يميتون العقل باسم العقل، ويدوسون منطق العلم باسم العلم، وهم للأسف جمهرة الملاحدة .. !!
لكننا نحن المسلمين نبنى إيماننا بالله على اليقظة العقلية والحركة الذهنية، ونستقرئ آيات الوجود الأعلى من جولان الفكر الإنسانى فى نواحى الكون كله .
فى صفحة واحدة من سورة واحدة من سور القرآن الكريم وجدت تنويهاً بوظيفة العقل اتخذ ثلاث صور متتابعة فى سلم الصعود، هذه السورة هى سورة الزمر، وأول صورة تطالعك هى إعلاء شأن العلم والغض من أقدار الجاهلين: “ قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب “ .
ثم تجىء الصورة الثانية لتبين أن المسلم ليس عبد فكرة ثابتة أو عادة حاكمة بل هو إنسان يزن ما يعرض عليه ويتخير الأوثق والأزكى “ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب “ (الزمر: 9)
ثم يطرد ذكر أولى الألباب للمرة الثالثة فى ذات السياق على أنهم أهل النظر فى ملكوت الله الذين يدرسون قصة الحياة فى مجالاتها المختلفة لينتقلوا من المخلوق إلى الخالق “ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب “(الزمر: 21)

وظاهر من الصور الثلاث فى تلك الصفحة من الوحى الخاتم أن الإيمان لمبتوت الصلة بالتقليد الأعمى أو النظر القاصر أو الفكر البليد .
إنه يلحظ إبداع الخالق فى الزروع والزهور والثمار، وكيف ينفلق الحمأ المسنون عن ألوان زاهية أو شاحبة توزعت على أوراق وأكمام حافلة بالروح والريحان، ثم كيف يحصد ذلك كله ليكون أكسية وأغذية للناس والحيوان، ثم كيف يعود الحطام والقمام مرة أخرى زرعاً جديد الجمال والمذاق تهتز به الحقول والحدائق، من صنع ذلك كله ؟
قال صاحبى وكأنه سكران يهذى: الأرض صنعت ذلك !!
قلت: الأرض أمرت السماء أن تهمى والشمس أن تشع وورق الشجر أن يختزن الكربون ويطرد الأوكسجين والحبوب أن تمتلئ بالدهن والسكر والعطر والنشا ؟؟
قال: أقصد الطبيعة كلها فى الأرض والسماء !
قلت: إن طبق الأرز فى غذائك أو عشائك تعاونت الأرض والسماء وما بينهما على صنع كل حبة فيه، فما دور كل عنصر فى هذا الخلق ؟ ومن المسئول عن جعل التفاح حلواً والفلفل حريفاً أهو تراب الأرض أم ماء السماء ؟
قال: لا أعرف ولا قيمة لهذه المعرفة !!
قلت: ألا تعرف أن ذلك يحتاج إلى عقل مدبر ومشيئة تصنف ؟
فأين ترى العقل الذى أنشأ والإرادة التى نوعت فى أكوام السباخ أو فى حزم الأشعة ؟؟
قال: إن العالم وجد وتطور على سنة النشوء والارتقاء ولا نعرف الأصل ولا التفاصيل !!
قلت له: أشرح لكم ما تقولون ! تقولون: إنه كان فى قديم الزمان وسالف العصر والأوان مجموعة من العناصر العمياء، تضطرب فى أجواز الفضاء، ثم مع طول المدة وكثرة التلاقى سنحت فرصة فريدة لن تتكرر أبد الدهر، فنشأت الخلية الحية فى شكلها البدائى ثم شرعت تتكاثر وتنمو حتى بلغت ما نرى!! هذا هو الجهل الذى أسميتموه علماً ولم تستحوا من مكابرة الدنيا به !!
أعمال حسابية معقدة تقولون إنها حلت تلقائياً، وكائنات دقيقة وجليلة تزعمون أنها ظفرت بالحياة فى فرصة سنحت ولن تعود !! وذلك كله فراراً من الإيمان بالله الكبير !!
قال وهو ساخط: أفلو كان هناك إله كما تقول كانت الدنيا تحفل بهذه المآسى والآلام، ونرى ثراء يمرح فيه الأغبياء وضيقاً يحتبس فيه الأذكياء، وأطفالاً يمرضون ويموتون، ومشوهين يحيون منغصين ..
قلت: لقد صدق فيكم ظنى، إن إلحادكم يرجع إلى مشكلات نفسية واجتماعية أكثر مما يعود إلى قضايا عقلية مهمة !!
ويوجد منذ عهد بعيد من يؤمنون ويكفرون وفق ما يصيبهم من عسر ويسر “ ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة “    (الحج:11)
قال: لسنا أنانيين كما تصف نغضب لأنفسنا أو نرضى لأنفسنا، إننا نستعرض أحوال البشر كافة ثم نصدر حكمنا الذى ترفضه ..
قلت: آفتكم أنكم لا تعرفون طبيعة هذه الحياة الدنيا ووظيفة البشر فيها، إنها معبر مؤقت إلى مستقر دائم، ولكى يجوز الإنسان هذا المعبر إلى إحدى خاتمتيه لا بد أن يبتلى بما يصقل معدنه ويهذب طباعه، وهذا الابتلاء فنون شتى، وعندما ينجح المؤمنون فى التغلب على العقبات التى ملأت طريقهم وتبقى صلتهم بالله واضحة مهما ترادفت البأساء والضراء فإنهم يعودون إلى الله بعد تلك الرحلة الشاقة ليقول لهم: “ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون “ (الزخرف: 68)
قال: وما ضرورة هذا الابتلاء ؟
قلت: إن المرء يسهر الليالى فى تحصيل العلم، ويتصبب جبينه عرقاً ليحصل على الراحة، وما يسند منصب كبير إلا لمن تمرس بالتجارب وتعرض للمتاعب، فإن كان ذلك هو القانون السائد فى الحياة القصيرة التى نحياها على ظهر الأرض فأى غرابة أن يكون ذلك هو الجهاد الصحيح للخلود المرتقب ؟
قال ـ مستهزئاً ـ: أهذه فلسفتكم فى تسويغ المآسى التى تخالط حياة الخلق وتصبـير الجماهير عليها ؟ قلت: سأعلمك ـ بتفصيل أوضح ـ حقيقة ما تشكو من شرور، إن هذه الآلام قسمان: قسم من قدر الله فى هذه الدنيا، لا تقوم الحياة إلا به، ولا تنضج رسالة الإنسان إلا فى حره، فالأمر كما يقول الأستاذ العقاد: “ تكافل بين أجزاء الوجود، فلا معنى للشجاعة بغير الخطر، ولا معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصبر بغير الشدة، ولا معنى لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة تقابلها وترجح عليها ..
“ وقد يطرد هذا القول فى لذاتنا المحسوسة كما يطرد فى فضائلنا النفسية ومطالبنا العقلية، إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع، ولا نستمتع بالرى ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح .. “
وهذا التفسير لطبيعة الحياة العامة ينضم إليه أن الله جل شأنه يختبر كل امرئ بما يناسب جبلته، ويوائم نفسه وبيئته، وما أبعد الفروق بين إنسان وإنسان، وقد يصرخ إنسان بما لا يكترث به آخر ولله فى خلقه شئون، والمهم أن أحداث الحياة الخاصة والعامة محكومة بإطار شامل من العدالة الإلهية التى لا ريب فيها .
إلا أن هذه العدالة كما يقول الأستاذ العقاد: “ لا تحيط بها النظرة الواحدة إلى حالة واحدة، ولا مناص من التعميم والإحاطة بحالات كثيرة قبل استيعاب وجوه العدل فى تصريف الإرادة الإلهية . إن البقعة السوداء قد تكون فى الصورة كلها لوناً من ألوانها التى لا غنى عنها، أو التى تضيف إلى جمال الصورة ولا يتحقق لها جمال بغيرها، ونحن فى حياتنا القريبة قد نبكى لحادث يعجبنا ثم نعود فنضحك أو نغتبط بما كسبناه منه بعد فواته “ .
تلك هى النظرة الصحيحة إلى المتاعب غير الإرادية التى يتعرض لها الخلق .
أما القسم الثانى من الشرور التى تشكو منها يا صاحبى فمحوره خطؤك أنت وأشباهك من المنحرفين .
قال مستنكراً: أنا وأشباهى لا علاقة لنا بما يسود العالم من فوضى ؟ فكيف تتهمنا ؟
قلت: بل أنتم مسئولون، فإن الله وضع للعالم نظاماً جيداً يكفل له سعادته، ويجعل قويه عوناً لضعيفه وغنيه براً بفقيره، وحذر من اتباع الأهواء واقتراف المظالم واعتداء الحدود .
ووعد على ذلك خير الدنيا والآخرة “ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون “ .
فإذا جاء الناس فقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وتعاونوا على العدوان بدل أن يتعاونوا على التقوى فكيف يشكون ربهم إذا حصدوا المر من آثامهم ؟
إن أغلب ما أحدق بالعالم من شرور يرجع إلى شروده عن الصراط المستقيم، وفى هذا يقول الله جل شأنه: “ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير “ (الشورى: 20)
إن الصديق رضى الله عنه جرد جيشاً لقتال مانعى الزكاة، وبهذا المسلك الراشد أقر الحقوق وكبح الأثرة ونفذ الإسلام، فإذا تولى غيره فلم يتأس به فى صنيعه كان الواجب على النقاد أن يلوموا الأقدار التى ملأت الحياة بالبؤس ؟!
قال: ماذا تعنى ؟
قلت: أعنى أن شرائع الله كافية لإراحة الجماهير، ولكنكم بدل أن تلوموا من عطلها تجرأتم على الله واتهمتم دينه وفعله !!
ومن خسة بعض الناس أن يلعن السماء إذا فسدت الأرض، وبدلاً من أن يقوم بواجبه فى تغيير الفوضى وإقامة الحق يثرثر بكلام طويل عن الدين ورب الدين .. !!
إنكم معشر الماديين مرضى تحتاج ضمائركم وأفكاركم إلى علاج بعد علاج ..
وعدت إلى نفسى بعد هذا الحوار الجاد أسألها: إن الأمراض توشك أن تتحول إلى وباء، فهل لدينا من يأسو الجراح ويشفى السقام أم أن الأزمة فى الدعاة المسلمين ستظل خانقة ؟
* * * * *
ذكر الصحافى الشهير “ أنيس منصور “ أن العالمة الإنجليزية الدكتورة “ مرجريت برنبريدج “ مديرة مرصد “ جرنيتش “ قد اكتشفت أبعد نجم فى هذا الكون، وقد سمى الفلكيون هذا النجم “ كازار “ وأطلقت عليه الدكتورة المكتشفة “ كازار 172 “ .
هذا الجسم يبعد عنا بمقدار 15600 مليون سنة ضوئية، والسنة الضوئية كما ذكرنا من قبل تساوى (365 يوماً × 24 ساعة × 60 دقيقة × 60 ثانية × 186000 ميل وهى سرعة الضوء فى الثانية الواحدة) .
ورد هذا النبأ فى مجلة الطبيعة، ووصفت الدكتورة المكتشفة هذا النجم بأنه ساطع جداً .
ولهذه العالمة سبق فى ميدان الاكتشاف الفلكى إذ سجلت وجود نجم سماوى آخر فى أبريل الماضى سنة 1973.
ولما سئلت الدكتورة عن اتساع الكون الذى نعيش فى جانب محدود منه قالت: لا أحد يعرف . إن هذه هى حدود معرفتى بالقدر الذى تسمح به عدسة قطرها (120) بوصة، ولو كانت هناك عدسات أكبر أو أجهزة أقدر وأدق لاتسع أمامنا الكون، أكثر وأكثر .
سئلت: هل الله موجود ؟ وكان جوابها: من المؤكد أنه موجود !!
قيل لها: ولكن لماذا ؟ فأشارت إلى السماء وقالت: لهذا !!
ومن قبل ذلك بنصف قرن عندما أعلن “ أينشتين “ نظرية “ النسبية “ سأله بعض الناس: هل الله موجود ؟
وكان الرد: رياضياً موجود !!
وسئل: وكونياً ؟ قال: موجود !
قيل له: لماذا ؟ وكان الجواب: لهذا .. “ وأشار إلى السماء “ .
أقول إن القرآن الكريم أكثر الحديث عن السماء، وهو يبنى الإيمان على التأمل فى الكون والنظر فى سعته ودقته وخصائص مادته واستقامة قوانينه “ والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون “ (الذاريات: 51) “ ولقد جعلنا فى السماء بروجاً وزيناها للناظرين “ (الحجر: 16) “ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون “
(الأنبياء: 32)
وهناك إيماءة علمية معجبة مثيرة فى الحديث عن النجوم وأبعادها السحيقة تحسها وأنت تقرأ قوله تعالى: “ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم “ (الواقعة:76)
إن جملة “ لو تعلمون “ تشير إلى أن هناك حقائق كبيرة فوق مستوى العقل البشرى تتصل بهذه المواقع، ترى على أوضحها الكشوف الفلكية الأخيرة ؟ ربما .. إذا كان الخطاب متجهاً إلى الناس فى عهد ابتداء الوحى .. إنهم لم يروا فى المراصد الحديثة أسرار القبة الزرقاء وما فيها من عجائب .. أما أهل هذا العصر فقد عرفوا، وبهرهم ما عرفوا واضطرت جمهرتهم أن تقول: “ سبحانك ما خلقت هذا باطلاً “ ومع ذلك فنقول إن ما عرفه العلماء الآن شىء تافه بالنسبة إلى ما زوى عنهم، فإن آلاتهم التى اعتمدوا عليها أرتهم القليل وعجزت عن الكثير، ويبقى الخطاب القرآنى موجهاً إلى الأقدمين والمحدثين على سواء “ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم “
إن الكون كبير، وأكبر منه خالقه جل جلاله ..
وأعترف أنى لم أعرف ضآلة الأرض التى نحيا فوقها إلا بعد قراءات يسيرة فى علم الفلك، بعدها فقط فهمت معنى الحديث القدسى “ يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً . يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً “ (رواه الترمذى فى القيامة، وغيره) .
أومض فى بصيرتى شعاع عن عظمة الخالق الأعلى جعلنى أردد مع صاحب الوحى الخاتم وأصدق بشر فى الآخرين، هذا التسبيح القانت ما جعلنى أكذب أساطير اليهود والنصارى التى تصف الله بأنه جلس يأكل مع عبده إبراهيم، أو اشتبك فى صراع مع عبده يعقوب !!
قبحاً لهذا اللغو ! .. أكذلك يوصف رب المشارق والمغارب بديع السموات والأرض، جاعل السموات والأرض ؟؟
وعدت إلى القرآن الكريم أنظر إليه بإعزاز، وأتدبر آياته بأدب وأستمع إليه يصف الجاهلين بربهم فيقول:
“ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون “ (الزمر: 67) .
لكن لماذا التأمل فى السماء وحدها ؟ هل يحتاج اليقين إلى هذا النظر العالى ؟ إن هناك أنفسنا والأرض التى نعيش عليها، يمكننا أن ننظر فيها ـ عن قرب ـ لنعتبر ونتعلم .. “ وفى الأرض آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون “ (الذاريات: 21)
كنت أفكر فى مسألة علمية تحتاج إلى استغراق ومراجعة، وكانت طفلتى تلعب قريباً منى تنظر إلىّ ولا يعنيها من تفكيرى شىء .. قلت: أنا وهى نماذج لأربعة آلاف مليون أو أكثر يسكنون هذه الكرة الطائرة فى فضاء الله تدور بقدر حول أمها الشمس ..
لكل فرد من هذه الألوف المؤلفة فكره الخاص، وعالمه الذى يعيش داخله وطريقته فى الفهم والحكم على الأمور .
ترى لو انقطع التيار الذى تنير به هذه الأدمغة، إلام تصير ؟
على كل حال إنه لم ينقطع، وفى كل مخ تلافيفه التى يتحرك بها ويقوم عليها عالمه الخاص . سبحان من أبدع هذا كله، سبحان من احتوت أصابعه قلوب الخلائق جميعاً يصرفها كيف يشاء .
وعدت إلى تعليق الأستاذ أنيس منصور على الكواكب المكتشفة ودلالة السماء على عظمة الله، إنه يقول: “ على الرغم من ضخامة الكون وعظمته وأبعاده التى لا ندرك لها حدوداً فإن هذا الكون أبسط من النفس الإنسانية وأسهل من الجسم الإنسانى، وأصغر من الخلية الحية ..
“ إن عظمة العالم تبرز فى تكوين الحياة نفسها، إن الحياة فى الكائن الحى أروع وأعمق وأعقد وأصعب من نجم ملتهب يدور فى الفضاء السحيق بعيداً عن عيوننا وعدساتنا ..
“ إن المسافة التى بينى وبين القمر أقرب جداً من المسافة التى بينى وبينك، فالذى بينى وبينك صعب وغير
مفهوم ..
“ ومن هنا كان أى كائن حى مهما دق وزنه وحجمه أعظم من أى نجم غابر فى الأفق ..
“ لست فى حاجة إلى أدلة على وجود الله نستوردها من السماء ـ وحدها ـ وإنما فى نفسك وجسمك وتحت قدميك توجد أعظم معجزات الخلق والإبداع “ .
وفى هذا الكلام صدق كثير .. ليس من الضرورى أن يكون المرء فلكياً ليعرف عظمة ربه .. إن الرجل العادى يستطيع أن يعرف عن قدرة الله وحكمته وعلمه ورحمته ما ينمى الإيمان فى قلبه ولبه لو أنه نظر فقط إلى ما يأكله .
ولكن ناساً كثيرين “ يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام . والنار مثوى لهم “ (محمد 12)
* * * * *
فى أرجاء الأمة الإسلامية ناس أشباه متعلمين يعلنون إلحادهم دون حياء، ويزعمون أنهم ثوار على الرجعية، عشاق للمعرفة، ضائقون بالأفكار القديمة، معتنقون للأفكار الحديثة !!
وكثيراً ما لقيت فى طريقى صوراً من هؤلاء الناس، فأتفرس فى مسالكهم وأتأمل فى أقوالهم وأحوالهم، ثم أذكر كلمة العقاد رحمه الله: هناك مقلدون فى كراهية التقليد !
أما حديث العلم وتقدمه، والكون وكشوفه فهو تعلة خادعة ينكرها العلم والعلماء ..
وأول ما نلحظه على أولئك الناس نقلهم لكلمات أوحت بها بيئات أخرى وترديدها فى بلادنا دون أى حساب لاختلاف الزمان والمكان والباعث والنتيجة !!
لقد كان الفيلسوف الألمانى “ نيتشه “ ملحداً، وكان كفره بالله شديداً . ومما يؤثر عنه قوله فى الهجوم على الدين “ عندما نستمع فى صباح الأحد إلى دقات الأجراس القديمة نتساءل: أهذا ممكن ؟ إن هذا كله من أجل يهودى صلب منذ ألفى عام كان يقول إنه ابن الله !! وهو زعم يفتقر إلى برهان ..
“ لا جدال أن العقيدة المسيحية ـ هكذا يقول نيتشه ـ هى بالنسبة إلى عصرنا أثر قديم نابع من الماضى السحيق، وربما كان إيماننا بها فى الوقت الذى نحرص فيه على الإتيان ببراهين دقيقة لكل رأى نعتنقه شيئاً غير مفهوم، فلنتصور إلهاً أنجب أطفالاً من زوجة غانية، وخطايا ترجع إلى الله ثم يحاسب هو نفسه عليها خوفاً من عالم آخر يكون الموت هو المدخل إليه ! لكم يبدو كل ذلك مخيفاً، وكأنه شبح قد بعث من الماضى السحيق ! أيصدق أحد أن هذا ما زال يصدق “ ؟
وهذا الطراز من الإلحاد هو الذى يحمل جرثومته بعض الناس، يحسبون أنهم يفتنوننا به نحن المسلمين عن ديننا ويصرفوننا عن رسالتنا ..
وهو طراز يختلط فيه التقليد الأعمى بالنقص المركب، أو حب الظهور بالحقد على المجتمع .. أما الزعم بأن العلم المادى ضد الدين، وأن بحوثه المؤكدة وكشوفه الرائعة تنتهى بإنكار الألوهية فهذا هو الكذب الصراح .. !
بل إن أساطين العلم والفلسفة تشابهت مقالاتهم فى إثبات الوجود الأعلى، وتكاد فى وصفها لله تنتهى إلى ما انتهى إليه القرآن الكريم من توحيد وتمجيد ..
نحن لا ننكر أن خصاماً شديداً قد وقع بين العلم والدين فى أوربا حيث كان القول بكروية الأرض كفراً، والقول بدورانها حول الشمس إلحاداً !!
ولا ريب أن هذه الجفوة المفتعلة بين حقيقة الدين وطبيعة العلم تركت آثاراً سيئة هنا وهناك، بيد أن الاعتماد على هذا فى التجهم للإيمان الحق لا يسوغ، فإن تجريد الدين من الشوائب التى لحقت به، والتزام العلم للنهج السوى فى البحث عن الحقيقة قد انتهى بصلح شريف يذكرنا بقوله جل شأنه:
“ سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد “
(فصلت) .
كانت المادية هى بدعة القرن الماضى، وكان الزعم السائد أنه لا وجود إلا للمادة، وأن ما وراء المادة عدم محض وأن المادة لا تفنى ولا تستحدث، وأن الدين بعد هذا كله أمسى لا مكان له !!
ثم مضت الحقائق العلمية تكشف عن وجهها فإذا مقررات الماضى تنسف من أصولها، يقول الدكتور أبو الوفا التفتازانى: “ كان العلم يتصور الأمور تصوراً مادياً بحتاً إلى أن جاء العالم الشهير “ ألبرت أينشتين “ فغير ببحوثه الطبيعية النظر إلى المادة تغييراً حاسماً، وقد صور الفيلسوف الإنجليزى “ راسل “ ذلك قائلاً: درسنا العالم الطبيعى فوجدنا المادة عند العلم الحديث قد فقدت صلابتها وعفويتها، إذ حللها العلماء إلى مجموعات ذرية كل مجموعة منها تنحل إلى ذرات، وكل ذرة تعود بدورها فتنحل إلى كهارب موجبة وأخرى سالبة، ثم مضى العلماء فى التحليل، فإذا هذه الكهارب نفسها تتحول إلى إشعاعات !!
وختم “ راسل “ كلامه بهذه العبارة “ ليس فى علم الطبيعة ما يبرهن على أن الخصائص الذاتية للعالم الطبيعى تختلف عن خصائص العالم العقلى “ .
ونحن نقول: انتساب ذلك الكون الضخم إلى أصول من الأشعة شىء مثير حقاً !! ترى ما الذى كثف النور وجمد حركته ووزعه على ألوف الأشكال التى نراها ؟
إنك لن تعدم سفيهاً يقول لك: تم ذلك من تلقاء نفسه !!
وهذا القائل مستعد أن يقول لك أيضاً: إن الصحف فى عواصم العالم تصدر عن دورها مليئة بالأخبار والتعليقات والصور منسقة الحروف والأرقام تلقائياً من غير ما إشراف ولا إعداد ولا تبويب ولا ترتيب !
لعمرى إن ذلك أدنى إلى التصور من خلق الموت والحياة فى هذا العالم الفخم تلقائياً كما يأفك الأفاكون !!
لكن أى عاقل يحترم نفسه ويقدر علمه يأبى هذا المنزلق .
يقول الدكتور التفتازانى: ولعل هذا ما جعل العلامة “ أينشتين “ يؤثر الإيمان بالله ويرفض الشبهات التى تختلق ضده، وقد دار حوار بينه وبين صحفى أمريكى يدعى “ فيرك “ فى هذا الموضوع قال فيه الرجل العالم بحسم: إننى لست ملحداً !! ولا أدرى: هل يصح القول بأنى من أنصار وحدة الوجود ؟ إن المسألة أوسع نطاقاً من أن تحيط بها عقولنا المحدودة !!
[ ليس هذا العالم ممن يعتنقون مذهب الوحدة الذى يعرفه الهنود، أو بالنحو الذى تسرب من الهندوكية إلى بعض الديانات الأخرى، ولكنه يريد أن يقول: إنه يرى الله فى كل شىء ويلمح صفاته العظمى فى مجالى الكون كله “ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم “ وعذر الرجل أنه لا يعرف الإسلام فيعبر التعبير المأثور .. ]
وعاد الصحفى إلى سؤاله بطريقة أخرى يريد بها هز الإيمان الذى لاذ به هذا العالم، فقال: إن الرجل الذى يكتشف أن الزمان والمكان منحنيان، ويحبس الطاقة فى معادلة واحدة جدير به ألا يهوله الوقوف فى وجه غير المحدود !!
فيرد أينشتين: اسمح لى أن أضرب لك مثلاً: إن العقل البشرى مهما بلغ من عظم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون فكيف بخالقه ؟! نحن أشبه ما نكون بطفل داخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها إلى السقف فغطت جدرانها، ثم هى مؤلفة بشتى اللغات . إن هذا الطفل يعلم أن شخصاً ما كتب هذا الكتب، ولكنه لا يعرف بالضبط من هو، ولا كيف كانت كتابته لها ثم هو لا يفهم اللغات التى كتبت بها !!
وقد يلاحظ الطفل أن هناك طريقة معينة رتبت بها الكتب ونظاماً غامضاً يشمل صفوفها وأوضاعها، نظاماً نحس أثره ولا ندرى كنهه .
إن ذلك القصور هو موقف العقل الإنسانى مهما بلغ من العظمة والتثقيف !!
وعاد الصحفى الأمريكى يسأل: أليس فى وسع أحد حتى أصحاب العقول العظيمة أن يحل هذا اللغز ؟
فأجاب أينشتين مرة أخرى يعلل لماذا هو مؤمن، ولماذا يعجز عن معرفة كنه الله فقال: “ نرى كوناً بديع الترتيب خاضعاً لنواميس معينة، ونحن نفهم هذه النواميس فهماً يشوبه الإبهام فنؤمن بالله ولكن عقولنا المحدودة لا تدرك القوة الخفية التى تهيمن على مجاميع النجوم “ .
لو كانت المواد التى يتكون منها هذا العالم الضخم تتراكم بعضها فوق بعض دون تبصر أو حكمة لدلت كثرتها وحدها على غنى واسع وثراء عريض !! فإن الأبعاد الآلية لهذا الكون مذهلة !!
لكن الأمر أبعد ما يكون عن الجزاف والفوضى .
والبناء العقلى المتغلغل فى الكون من الذرة إلى المجرة يجعلنا نكون عن هذا العالم الدقيق صورة أخرى .
ولن نأتى بهذه الصورة من عند أنفسنا بل من أقوال الفلكى الإنجليزى “ سير جيمس جينز “ الذى ينطق بهذه العبارة المثيرة: “ لقد بدأ الكون يلوح أكثر شبهاً بفكر عظيم منه بآلة عظيمة “ .
إن الروعة لا تكمن فى ضخامة الآلة التى نراها بل فى الطريقة التى تدور بها وتؤدى وظيفتها، فى حبكة الموازنة والضبط والتقدير .
ومن ثم يتجه الإعجاب إلى العقل الواضع الحاسب قبل أن يتجه إلى أثره المحدود .
ولننظر إلى عقلنا الإنسانى بين ما ننظر إليه من صنوف المخلوقات ماذا نرى ؟ إنه كائن ذكى قدير يبدو ويخفى فى أدمغة الألوف المؤلفة من سكان الأرض والأحياء والراحلين، الذين وجدوا والذين سيوجدون، من أين تولد هذا العقل ؟ من الماء والطين كأعشاب الحدائق .. هذا فرض مضحك ولا ريب، إنه نفحة من الخالق الأعلى وحده .
يقول سير جيمس جينز: يجب أن نذكر المقدمات التى يفترضها بعض النقاد من غير علم، فالكون لا يبيح لنا أن نصوره تصويراً مادياً، وسبب ذلك فى رأيى أنه قد أصبح من المدركات الفكرية العميقة أنا واجدون فى الكون دلائل قوة مدبرة أو مسيطرة يوجد بينها وبين عقولنا الفردية شىء مشترك، خير ما نصفها به أنها رياضية (!) لأننا لا نجد الآن أصلح من هذا التعبير “ .
والعلامة الإنجليزى معذور فى وصف الإبداع الإلهى بهذا الأسلوب، لقد راعه وهو فلكى راسخ أن يجد فى نظام الشروق والغروب والدوران والانطلاق دقة تسجد علوم الرياضة فى محرابها، فقال: “ إن التفكير المشرف عليها ليس هو العاطفة أو الأخلاق أو تقدير الجمال، ولكنه الرغبة فى التفكير بطريقة تفكير علمى رياضى !! بل إنه اعتبر العقل الإنسانى أثراً للعقل الكلى الذى توجد فيه على شكل فكر تلك الذرات التى نشأت منها عقولنا، ثم انتهى أخيراً إلى أن الآراء متفقة إلى حد كبير فى ميدان العلم الطبيعى إلى أن نهر المعرفة يتجه نحو حقيقة غير آلية “ أى غير مادية، أى إلى الله الكبير المتعال . “
على هذا النحو يفكر علماء الكون الكبار، ويحكم أئمة العلم الحديث ورواده الكبار، ولذلك شعرت بسخرية أى سخرية عندما قرأت لصحافى “ كبير “ فى بلادنا هذه الكلمة الغبية السمجة: “ إن التقدم العلمى يوشك أن يجعل أخطر الوثائق العقائدية نوعاً من البرديات القديمة التى حال لونها، وبليت صفحاتها، وعدت عليها عوامل الزمن بالتعرية والتآكل وأصبح من الضرورى للإبقاء على أثرها أن يخصص لها مكان فى متاحف التاريخ “ .
قلت: ما أوسع الفرق بين منطق العلماء ومنطق الجهلاء فى تناول القضايا وإرسال الأحكام . هل يمحى الإيمان كله بهذه السهولة .
ولقد شعرت كذلك بسخرية أى سخرية عندما رأيت كتاباً بعنوان “ العالم ليس عقلاً “ ألفه شخص ولد فى نجد وقضى أغلب عمره على قهوات القاهرة وبيروت، وتلقى أكثر علمه من الأوراق الشاحبة التى يسطرها بعض المعلولين والمعقدين !
هذا المسخ الذى لم يعمل يوماً فى مرض ولا مختبر للكيمياء أو الفيزياء ينكر الألوهية ويسفه النتائج التى وصل إليها أمثال “ أينشتين “ من قادة المعارف الكونية، طبعاً لأنهم رجعيون وهو تقدمى، ولأنهم قاصرون وهو نابغة .. !!
ولست أتهم كل ملحد أنه صورة للملحدين الصغار فإن هناك بعض العلماء والفلاسفة ـ وإن كانوا قلة ـ تنكروا للإيمان وقواعده وغاياته، بيد أن المتتبع لأقوال هؤلاء يجزم بأن انتسابها إلى العلم تزوير جرىء فهم يخمنون ويفترضون ثم يبنون قصوراً على رمال !
وقد قرأت لبعضهم كلاماً عن بداية الخليقة يثير الضحك، فهم يزعمون أن العناصر فى الأزل السحيق تفاعلت اعتباطاً، وسنحت فرصة لن تتكرر بعد أبداً (!) فتكونت جرثومة الحياة ثم أخذت تنمو وتتنوع على النحو الذى نرى ..
وهذا كلام لا يصدر عن عقل محترم ولا يصفه بأنه علم إلا مخبول !!
وصدق الله العظيم “ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً “.
وأذكر أنى ـ وأنا أناقش بعض الأدلة ـ سألت نفس هذا السؤال: هل أنا كائن قديم أم مخلوق جديد ؟
فكان الجواب القاطع: لقد ولدت سنة كذا، فأنا حادث بلا ريب !! ولكن شبهة ثارت تقول: إنك تخلفت عن مادة الذين هلكوا قبلك، وعندما تموت فستكون أجساد منك ومن غيرك ! فقلت: إذا سلمت بهذا فى الأجساد فلن أسلم به فى روحى أنا .. إن هذه “ الأنا “ المعنوية هى حقيقتى الكبرى، وأنا مستيقن بأنى كائن جديد مستقل وجدت بعد عدم محض، فمن أبرزنى من لا شىء ؟
إننى لست معتوهاً حتى أشك فى بداية وجودى وشعورى، فمن رب هذه المنحة الخطيرة ؟ فتلوت قوله تعالى “ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً . [ الاستفهام تقريرى أى لقد أتى على الإنسان وقت كان فيه عدماً محضاً . والآيات فى صدر سورة الإنسان ] إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً “ .
وعدت إلى قصة الجسد الذى أحمله فى حياتى وأنضوه بعد مماتى هل هو قديم المادة حقاً ؟ فسألت العلم: كيف يوجد ؟ وهل يمكن أن يتمثل بشراً سوياً هكذا خبط عشواء ؟ فقال العلم: إن الوليد يتخلق أول أمره من التقاء الحيوان المنوى بالبويضة !
فما الحيوان المنوى ؟ كائن دقيق توجد فى الدفقة الواحدة منه قرابة مائة مليون حيوان، كل واحد من هذه الألوف المؤلفة يمثل الخصائص المعنوية والمادية للإنسان من الطول والقصر والسواد أو البياض والذكاء أو الغباء والشدة أو الهدوء .. الخ .
ويبدأ التكون الإنسانى بوصول واحد ـ لا غير ـ من هذه الألوف الكثيفة إلى البويضة وتفنى البقية .
قلت: فلأقف عند نقطة الابتداء هذه لأسأل: من الذى صنع هذه الحيوانات السابحة فى سائلها، الحاملة لخصائص السلالة الآدمية من أجيال خلت ؟
قالوا: غدة فى الجسم !
قلت: غدة أوتيت الذكاء والوعى والاقتدار على خلق مائة مليون كائن من طراز واحد ! مجموعة دراهم من اللحم تتصرف من تلقاء نفسها فى صنع الذكاء أو الغباء، والحلم أو الغضب ؟
ما يصدق هذا إلا مغيب العقل !! وتلوت قوله تعالى:
“ أفرأيتم ما تمنون . أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ؟ “ [ الواقعة: 58 ]
إننا أمام أدوات القدرة الإلهية العليا وهى تبرز مشيئة الخلاق الجليل، وكأنها تقول لنا: إن خلق الله للعالم ليس فيه شائبة غرابة ! أليس يخلق فى كل لحظة تمر ألوفاً من الناس وألوفاً من الدواب، وصنوفاً من النبات ؟؟
إن إبداع الخليقة ليس فلتة وقعت وانتهت، وأمست فى ذمة التاريخ بحيث يستطيع المكابرون أن يجادلوا فيها .. لا .. إن الإيجاد من الصفر يقع أمام أعيننا كل يوم فى عالم الأحياء فلم هذا المراء .
إن بديع السموات والأرض لا يزال يخلق فى كل وقت وفى كل بر صنوفاً من الأحياء الدقيقة والجليلة لا حصر لها، فكيف ينكر ما كان من خلق أول أو ما سوف يكون من بعث وجزاء ؟
“ أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده . إن ذلك على الله يسير . قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة . إن الله على كل شىء قدير “ [ العنكبوت: 20 ] .
ولنفرض جدلاً أن بعض الناس يرى أن الفلك الدوار يجرى فى الفضاء دون ضابط ولا رابط، وأن الوليد الخارج من ظلمات الرحم لامع العين مورد الخد مفتر الثغر، قد صنعه على هذا التقويم الحسن شىء ما فى بطن
الأم !!
لنفرض أن بعض الناس ركب رأسه وقال هذا الكلام فما الذى يجعل هذا الزعم السخيف يوصف بأنه علم وتقدمية على حين يوصف منطق الإيمان بأنه جمود ورجعية ؟
سبحانك هذا بهتان عظيم !
لقد آن الأوان لتهتك الأستار عن أدعياء التقدم الذين يمثلون فى الواقع ارتكاساً إنسانياً إلى جاهلية عديمة الشرف والخير مبتوتة الصلة بالعقل وذكائه والعلم وكشوفه ..
ربما شك بعض الناس فى حقيقة الدين الذى يعتنقه أو فى جدواه عليه، فإذا ساور هذا الخاطر أحداً من خلق الله، فإن العربى آخر امرئ يعرض له هذا الظن، بل يقرب من المستحيل أن يساوره .
ذلك أن فضل الإسلام على العرب كفضل الضياء والماء على الزرع .
لا أقول أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، بل أقول أوجدهم من عدم، وجعل لاسمهم حقيقة، وأقام بهم دولة وأنشأ حضارة ..
قد تكون بعض العقائد عقاقير مخدرة للنشاط البشرى، لكن الإسلام لما جاء العرب شحذهم وأثار عقولهم، ووحد صفهم، وطار بهم إلى آفاق مادية وأدبية لم يحلم بها آباؤهم ولا تخيلها أصدقاؤهم أو أعداؤهم، ومضى العرب فى طريق المجد الذى شقه الإسلام لهم فعرفهم للعالم وكان قبل يجهلهم، وأفاءوا على ماضيه القريب ما لا ينكره إلا متعصب كفور !
وارتبطت مكانة العرب الذاتية والعالمية بهذا الدين، فهم يتقهقرون إذا تخلوا عنه ويستباح حماهم . وهم يرتقون ويتقدمون إذا تشبثوا به وتحترم حقوقهم .
على عكس ما عرف فى أمم أخرى لم تستطع التحليق إلا بعدما تخففت من مواريثها الدينية كلا أو جزءاً !!
وقد استطاع مسلمو الجزائر فى هذا العصر أن يستخلصوا حريتهم من براثن عاتية وأن يدفعوا ثمن هذا الخلاص مليوناً ونصف من الشهداء !
وما ينبغى تقريره هنا أن الإسلام وحده كان وقود هذا الكفاح القاسى .. الإسلام بما غرسه فى الأفئدة من إباء.
فلما ظفر الجزائريون باستقلالهم بدءوا يستعيدون عروبتهم التى فقدوها خلال قرن وربع، ووضعت مشروعات لجعل الأفراد والجماعات ينطقون بالعربية ويتفاهمون بها بعدما كادت هذه اللغة تبيد أمام زحف الفرنسية وسيادتها فى الشوارع والدواوين !!
إن الإسلام بالنسبة للعروبة ولىّ نعمتها وصانع حياتها .
وقد اعترف مسيو “ جاروديه “ وهو شيوعى فرنسى عاش ردحاً من الزمان فى جبهة التحرير الجزائرية بأن الدين وحده هو الذى أوقد شرر هذا الكفاح العزيز الغالى وأن الإسلام يستحيل أن يوصف بأنه مخدر الشعوب .
والإسلام لا يجعل من العرب شعباً مختاراً يفضل غيره بسلالة أو دم خاص، كلا كلا، إن الله اختار لعباده تعاليم راشدة وشرائع عادلة، ثم وكل إلى العرب أن يحملوا هذه التعاليم والشرائع ليعملوا بها وليعلموها من شاء ..
والله يأبى كل نعرة عنصرية أو استعلاء قومى .. إنها مبادئ محددة، تنطلق منها أمة ما فتكون بعين الله، أو تند عنها فيدعها لنفسها، بالوفاء لهذه المبادئ تصعد، فإن فرطت هبطت .
ولذلك يقول الله للمنهزمين فى أحد “ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين “ [ آل عمران: 139 ] فالعلو قرين الإيمان، وينصح الأمة كلها بالطاعة والإصلاح ويتهدد عدوها بالطرد والهوان، ثم يأمرها بالمقاومة ورفض الاستسلام وسيكون المستقبل لها إن هى أبقت حبلها موصولاً بربها “ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم . إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم، فلا تهنوا وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم “ [ محمد: 35 ] .
والتدبر فى هذه الآيات الثلاث يعطى فكرة بينة أن تفضيل أمة ما هو تفضيل سلوك ومنهج، لا تفضيل دم أو لون وأن الإيمان الشريف والاستقامة الواضحة أساس العزة المنشودة وأنه مهما لاقى المسلمون من صعاب وهزائم فلا يجوز أن يقبلوا سلماً مخزياً ولا أن يعطوا الدنية من أنفسهم .
ولهم أن يركنوا إلى الله ولن يذل جانبهم ما آمنوا به وعملوا له .
واليقظة العزيزة التى صنعها الإسلام وهو يبنى الأمة يمكن أن نتابعها فى مرحلتين:
الأولى فى العهد المكى، يوم كان المسلمون قلة تتوقع الضيم ويتجرأ عليها الأقوياء !
لقد أمر المسلمون إبان هذه المحن أن يثبتوا ويشمخوا بحقهم، ويتنكروا لكل هوان ينزل بهم، ويطلبوا ثأرهم ممن اعتدى عليهم، فإن عفوا فعن قدرة ملحوظة لا عن ادعاء مرفوض !!
انظر كيف وصفت سورة الشورى المكية طلاب الآخرة الذين يؤثرون ما عند الله على هذه الدنيا، إنهم “ الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغى إذا هم ينتصرون ! وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله والله لا يحب الظالمين “ [ الشورى: 38 ] .
فطلاب الآخرة ـ كما وصفتهم السورة المكية ـ ليسوا الذين يعيشون فى الدنيا أذناباً مستباحين أو ضعافاً مغموصين، أو كما يقول الشاعر يصف قوماً تافهين:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم
ولا يستأمرون وهم شهود

لا، لا، إن هؤلاء المؤمنين بالدار الآخرة يفرضون أنفسهم على هذه الحياة الدنيا ويكرهون العدو والصديق على أن يحسب حسابهم ويزن رضاهم وسخطهم، ويعلم أن نتائج العدوان عليهم أذى محذور وشر مستطير، لأنهم إذا بغى عليهم ينتصرون، ويلطمون السيئة بمثلها ! وليس ذلك بالنسبة للحق الأدبى للجماعة كلها، بل هو كذلك بالنسبة إلى حق الفرد فى ماله الخاص، فقد سئل النبى صلى الله عليه وسلم:
“ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى ..
“ قال: قاتله . قال: أرأيت إن قتلته ؟ ..
“ قال: هو فى النار . قال: أرأيت إن قتلنى ؟ ..
“ قال: فأنت شهيد “ [ مسلم فى كتاب الإيمان ]
هل هذه الوصايا هى التى تخدر الأفراد والجماعات ؟
سبحانك هذا بهتان عظيم !
فإذا تجاوزنا العهد المكى إلى العهد المدنى نجد توجيهاً ينبع من هذه الروح الأبية الشامخة .
إن الهوان جريمة وقضاء الحياة فى ضعف واستكانة مرشح أول للسقوط فى الدار الآخرة .
ومن هنا أثبت القرآن الكريم هذا الحوار بين ملائكة الموت وبين الذين عاشوا فى الدنيا سقط متاع وأحلاس ذل .
“ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا: فيم كنتم ؟ قالوا: كنا مستضعفين فى الأرض . قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً “ [ النساء: 97 ] .
والهجرة المفروضة هنا هى التحول من مكان يهدد فيه الإيمان وتضيع معالمه إلى مكان يأمن فيه المرء على دينه، ولكن حيث استقرت دار الإسلام فلا تحول، وإنما يبقى المسلمون حيث كانوا ليدفعوا عن ترابهم ذرة ذرة ولا يسلموا فى أرض التوحيد لعدو الله وعدوهم .
والآية تحرم قبول الدنية وإلف الاستضعاف، وتوجب المقاومة إلى آخر رمق .
ومما يؤكد هذا المعنى أن القرآن أحصى الطوائف التى تعذر فى هذا التمرد المطلوب على قوى الشر .
ومع استثنائها فإن مصيرها ذكر معلقاً على “ رجاء “ المغفرة والعفو لا على “ توكيد “ ذلك !!
“ .. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم “ [ النساء: 98 ] .
والتعبير بـ “ عسى “ هنا مثير للقلق، وهى إثارة مقصودة حتى لا يقعد عن مكافحة المعتدين من يقدر على إلحاق أى أذى بهم مهما قل .
ولا يقيم على ضيم يراد به
إلا الأذلان عير الحى والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يشق فلا يرثى له أحد

المسلم لا يقبل الحياة على أية صورة وبأى ثمن، إما أن تكون كما يبغى، وإما رفضها وله عند ربه خير منها .
ومن صيحات الكرامة والإباء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد “ ! [ الترمذى فى الديات، وأبو داود فى السنة ]
وفى حديث آخر “ من قتل دون مظلمته فهو شهيد “ ! [ صحيح رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة وأحمد ]
هل رأيت استنهاضاً للهمم واستنفاراً للنضال، واستثارة للذود عن الدماء والأموال والأعراض أحر من هذه المبادئ ؟!
أيمكن فى منطق العقل والإنصاف أن يوصف هذا الدين بأنه مخدر للشعوب ؟ ألا شاهت الوجوه !!
ومن حقنا أن نتساءل: هل ضمان الخبر يحفظ الكرامة الفردية ويوفر الأمان للجماعات ؟
لا شك أن للعنصر المادى أثراً فى طمأنينة المرء وشد أزره، ولكنه ليس كل شىء فى خلق العزة الشخصية والجماعية ! فرب سجين ملىء البطن خفيض الرأس، ورب طاو حديد البصر جهير الصوت.
قال لى صديق: وضعت الحب للعصافير فى شرفة بيتى، وجلست بعيداً أرقبها وهى تلتقطه بمناقيرها كعادتها .. بيد أنى ارتقبتها طويلاً فلم تهبط، ثم أدركت بغتة أن باب الشرفة مفتوح وأن الحذر عاقها عن الأكل فقمت أغلق الباب وأنا أقول: إن الطعام لا يغنى عن الأمان .
وهذا صحيح، فإن الله لما امتن على قريش بنعمته وبركته قال: “ فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف “ .
إن الشبع لا يغنى عن الحرية أبداً، وإن توقير “ الديمقراطية الاقتصادية “ يستحيل أن يغنى عن “ الديمقراطية السياسية “ .
إن الإنسانية ليست جسداً يعلف ويسمن، ولكنها فطرة تتشوف للانطلاق والتحرر، ولا بد أن يتقرر لها حقها فى النقد والمراجعة وحساب كل ذى منصب مهما جل وإقصاء من تكره وإدناء من تحب ..
واليقظة التى ينشدها الإسلام للشعوب تتضمن الأمرين جميعاً .
“ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض “ [ القصص: 5 ]
فكيف يتهم الدين بأنه مخدر للشعوب ؟
وربما اتصل بهذه التهمة المتهافتة تصور البعض أن الدين رباط مع الماضى، وأن التطور ينافيه .
ونتساءل نحن: ما هذا التطور ؟
إن الإلحاد ليس تطوراً، بل هو ترديد لكفر الصغار من جهلة القرون الأولى .
من ألوف السنين وقفت قبيلة عاد من رسولها موقفاً كأنما لخصت فيه كل ما يقال فى هذا العصر على ألسنة الشطار، من دعاة الإلحاد “ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون . هيهات هيهات لما توعدون . إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين . إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً وما نحن له بمؤمنين “ [ المؤمنون: 35، 37 ]
إن التحلل من قيود الدين ليس تجديداً ولا ابتكاراً بل هو خضوع للغرائز الدنيا التى أنامت ألوف الخلعاء والخبثاء من عشرات القرون وجعلتهم يحيون وفق شهواتهم وحدها ! فأى ارتقاء فى هذا المسلك الرخيص ؟!
فى غضون القرن التاسع عشر للميلاد كانت نزعات الإلحاد تغلب على العقل الغربى، وبدا كأن العلم الطبيعى يتجه بالناس وجهة مادية تتنكر للدين وتضيق بتعاليمه، ولما كان الغربيون سادة الدنيا وقتئذ فقد صبغوا الفكر العالمى تقريباً بهذه الصبغة الداكنة ..
وقد تسأل: ماذا كان موقف المتدينين بإزاء هذا الفكر الزاحف ؟
والإجابة أن المسلمين كانوا فى حالة ذهول أنستهم رسالتهم المحلية والعالمية على سواء، فهم لا يريدون من دينهم شيئاً طائلاً ينفعون به أنفسهم بله أن ينفعوا به غيرهم .
وأما بنو إسرائيل فقد شرعوا عقب تقرر الحقوق السياسية فى الأقطار الحديثة يجمعون شملهم ليعيدوا ملك “ يهوه “ على الأرض ويستعدوا لحكم العالم من “ أورشليم “ وما كان عليهم أن تكتسح ظلمات الشك
كل ضمير .. !!
وأما النصارى فلو تفرغوا لمواجهة هذا الخطر لكانوا كالذى يرد الطوفان بالراحتين، فكيف وهم مشغولون بالقضاء على الإسلام المريض !
لذلك نجح الإلحاد فى فرض أفكاره وأحكامه على أغلب ميادين النشاط الإنسانى، وربما سمح للأديان أن تبقى ميولاً فردية واتجاهات أدبية وحسبها ذلك .
على أن القرن العشرين للميلاد أخذ يتجه ـ خصوصاً فى أواسطه ونهاياته وجهة مغايرة، وظهر فى كتابات كثير من العلماء الطبيعيين نزوع واضح إلى الإيمان بالغيب والتسليم بوجود إله حكيم قادر، عالم خبير !
وتدين العلم كسب إنسانى جليل !
والصورة التى تكونت لدى العلماء الطبيعيين عن الله أقرب إلى الحقيقة مما يهرف به كثير من رجال
الأديان .. !!
ولو كان للإسلام رجال يحسنون عرضه كما نزل فى أصوله الأولى لكان الإسلام دين الحاضر والمستقبل على سواء، ولكن الفكر الإسلامى وقع فى محنة رهيبة !!
ولست أزعم أن كل العلماء الكونيين نزاعون إلى التدين، فهناك من ضل الطريق !! ولكن تيار الإيمان لو مضى فى طريقه بين هؤلاء دون عوائق سياسية ودون إرهاب خارجى لتغير الوضع، فإن جمهرتهم سوف تدخل فى دائرة الدين بلا ريب !!
والمشكلة التى نواجهها نحن فى بلادنا الإسلامية هى تأخر مثقفينا فى مضمار التقليد !!
فعدد كبير منهم لا يزال يعيش فى العقلية المادية للقرن التاسع عشر .
وعدد آخر قد يعدو هذا النطاق ليرنوا ببصره إلى المسجونين كرهاً داخل بعض المذاهب المادية الحاكمة، وهم قوم كفروا عن إرهاب لا عن اختيار ففيم يقلدون ؟
والغريب أن نفراً من علماء الإسلام يزعمون أن الدين ـ كسائر القضايا الأدبية ـ لا صلة له بالعقل ! أى أن التفكير الإلحادى للقرن التاسع عشر ما زال هو الذى يسيطر عليهم، فأى بلاء هذا ؟
ونحن نناشد أحرار العقول أن يراجعوا أنواع المعرفة التى تعرض عليهم، فإن للاستعمار الثقافى دخلاً فى تلويثها وغشها ..
إن أعظم شىء فى رسالة الإسلام احترامها للعقل البشرى، وحفاوتها بالعلم الطبيعى، وبناؤها اليقين على النظر الصائب فى ملكوت الأرض والسماء .
ولا يوجد كتاب سماوى حث العقل على النظر، وقاد العلم فى مضمار البحث كهذا القرآن الكريم .
إننا بمنطق القرآن نرفض الظنون ونخضع لليقين، نرفض الأوهام ونستكين للحقيقة وحدها ..
إن التدين الذى تعلمناه من كتابنا ليس تحميل العقل ما لا يطيق ولا الهيمان فى عالم الأخيلة .. إنه تدين زكى عملى .
ثم هو يضم إلى هذا الفكر الناضج قلباً سليماً، لا مكان فيه لنية خبيثة أو غرض صغير، على أساس أن الإنسان لا يسيره العلم النظرى قدر ما تسيره مقاصده وآماله ..
ما أكثر ما يكون الذكاء سلاحاً يستعمل فى الخير والشر على سواء، فإذا صدق الإيمان صلح القلب واستقام المنهج “ ومن يؤمن بالله يهد قلبه “ “ إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد “ [ق 37].
وفى معرفة الكون وخالقه، والنفس وهداها يقول ابن عطاء الله السكندرى هذه الكلمة الحاسمة:
“ لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان الذى ارتحل إليه هو الذى ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون “ وأن إلى ربك المنتهى “ ..
“ وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: “ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه “ [ رواه البخارى فى سبعة مواضع من صحيحه، وأخرجه باقى الستة وغيرهم ] . فافهم قوله عليه الصلاة والسلام وتأمل فى هذا الأمر إن كنت ذا فهم “.
يقول الله تعالى “ والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون . والأرض فرشناها فنعم الماهدون . ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين . ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر إنى لكم منه نذير مبين “
[ الذاريات: 48 ـ 50 ] .
هذه آيات خمس، والثلاثة الأولى منها وصفت الأكوان علوها وسفلها وما أنبتت فيها من حياة وأحياء .
والاثنتان الأخريان انتقلتا من الأكوان إلى المكون فتحدثتا عن وجوده ثم توحيده .
والحق أن الانحصار فى الكون والاحتباس بين مظاهره فواحش عقلية ونفسية لا يرضاها أريب لنفسه، بل ينفر منها أولو الألباب .
إن من له أدنى مسكة يعرف ـ من العالمين ـ رب العالمين ويعرف من الأكوان صاحب هذه الأكوان !!
إن هذا الملكوت الضخم الفخم من ودائع ذراته إلى روائع مجراته شاهد غير كذوب على أن له خالقاً أكبر وأجل .
إنها لجهالة أن يغمط هذا الإله العظيم حقه، وإنها لنذالة أن يوجد بشر ينكره ويسفه عليه .
ولكن خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين !!
والعاقل ينظر فى الكون فيتعلم منه تسبيح الله وتحميده، ويستنتج من قوانين الحياة وأحوال الأحياء ما يستحقه المولى الأعلى من أسماء حسنى وصفات عظمى ..
والناس صنفان: صنف يعرف المادة وحدها ويجهل ما وراءها ولا نتحدث الآن مع هؤلاء، فقد ذكرنا نبأهم فيما مضى .
وصنف مؤمن بالله مصدق بلقائه، ولكنه هائم فى بيداء الحياة، ذاهل وراء مطالب العيش، مستغرق المشاعر بين شتى المظاهر، فهو لا يكاد يتصل بسر الوجود أو يتمحض لرب العالمين .
ومع هذا الصنف المؤمن نقف لنرسل الحديث .
هناك قوم لا تخلص لله معاملاتهم، بل هى مشوبة بحظوظ النفس ورغبات العاجلة، وهؤلاء لن يتجاوزوا أماكنهم ما بقيت نياتهم مدخولة حتى إذا شرعت أفئدتهم تصفو بدءوا المسير إلى الأمام .
وهناك قوم يعاملون الله وهم مشغولون بأجره عن وجهه أو بمطالبهم منه عن الذى ينبغى له منهم، وهؤلاء ينتقلون عن أنفسهم من طريق ليعودوا إليها من طريق أخرى .
إنهم مقيدون بسلاسل متينة مع أنانيتهم فهو يسيرون ولكن حولها، لو حسنت معرفتهم بالله ما حجبتهم عنه رغبات مادية ولا معنوية بل لطغى عليهم الشعور به، وبما يجب له، وتخطوا كل شىء دونه، فلم يهدأوا إلا فى ساحته، ولم يطمئنوا إلا لما يرضيه هو جل شأنه على حد قول ابن فراس:
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذى بينى وبينك عامر
وبينى وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذى فوق التراب تراب

وابن عطاء الله يرى أن العامة يترددون بين مآربهم كحركة بندول الساعة لا تتجاوز موضعها على طول السعى، أو هم على حد تعبيره كحمار الرحى ينتقل من كون إلى كون، والمكان الذى ارتحل إليه هو الذى ارتحل منه .
والواجب على المؤمن أن يقصد وجه الله قصداً، وأن يتفصى تفصياً من ألوف الأربطة التى تشده إلى الدنيا وتخلد به إلى الأرض .
ومن خدع الحياة أن المرء قد يعمل لنفسه وهو يحسب أنه يعمل لله، ولو وضعت بواعثه الكامنة تحت مجهر مكبر لاستبان أن كثيراً من دواعى غضبه ورضاه وسروره وتعبه وراحته يصلها بوجه الله خيط واه على حين تصلها بحظوظ النفس حبال شداد .
وهنا الخطر المخوف أن الهجرة إذا كانت لله فقد مضت وقبلت وإلا فالأمر كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “ من هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه “ .
والشعور بوجود الله ليس أمراً يتكلف له الإنسان شيئاً، إنه شعور بالواقع !
قد يكون لك حبيب مسافر مثلاً فأنت إذا اشتقت إليه تتخيل صورته وتحاول الأنس بالوهم عن الحقيقة .
ولكن الشعور بالله ليس تقريباً لبعيد ولا تجسيداً لوهم، إنه إيمان بالواقع الذى يعد تجاهله باطلاً كشعورك
مثلاً ـ وأنت فى البيت ـ بأنك فى البيت، أو شعورك ـ وأنت فى القطار ـ بأنك فى القطار .
إنه الواقع الذى لا معدى عن الاعتراف به، وبناء كل تصرف على أساسه . إن الألوهية لا تفارق العباد لحظة من ليل أو نهار، ومن ثم فإن الغفلة عن الله غفلة عن الحق المبين .
ـ وإذا كان الأعمى يعجز عن رؤية الأشياء فإن الأشياء لم تزل من مكانها لأن عيناً كليلة لم تتبينها .
ـ وإذا كان الناس فى ذهول عن الحق المصاحب لهم المحيط بهم فذلك عمى تعود عليهم وحدهم معرته .
وقد كثر القرآن الكريم من أشعار الناس بهذه المعانى، وصاح بهم وهم يفرون عنها، إلى أين ؟ فأين تذهبون ؟ أين المذهب “ والله من ورائهم محيط “ [ الطارق ] .
قال تعالى: “ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم . هو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج فى الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير “ [ الحديد ] .
هو بصير بما نعمل وهو معنا حيثما كنا ! ألا تعين هذه الحقائق على صدق المعرفة وحِدَّة الشعور بوجوده وإشرافه ؟
ثم ألا يدل ذلك على أن ذكرك لله ليس استحضاراً لغائب ؟ إنما هو حضورك أنت من غيبة وإفاقتك أنت من غفلة !!
ولا بد هنا من توكيد التفرقة بين وجود الله ووجود العالم، فإن بعض الناس يستغلون المعانى التى شرحناها للبس الحق بالباطل .
إن وجود الله مغاير لوجود سائر المخلوقات، وهذا العالم منفصل عن ذاته جل شأنه انفصالاً تاماً .
وقد تسمع بعض الفلاسفة أو بعض المتصوفين يقول: إنه يرى الله فى كل شىء .
وهذا التعبير صحيح إن كان يعنى أنه يرى آثاره وشواهده .
أما إن كان يعنى وحدة الخالق والمخلوق أو وحدة الوجود كما يهرف الكذبة، فالتعبير باطل من ألفه إلى يائه، والقول بهذا كفر بالله وبالمرسلين .
ووصف الإحاطة الإلهية فى هذا المجال وسيلة لا غاية .. وسيلة لتصحيح النية والجهد والهدف وإهابة بالإنسان أن يدير نشاطه البدنى والعقلى على مرضاة الله وحده .
وليت الناس يسعون فى هذا الطريق بنصف قواهم !
ولو أن امرءاً حاول استرضاء الله بنصف الجهد الذى يبذله لكسب المال، أو التمكين فى الأرض لقطع مرحلة رحبة فى طريق الارتقاء الروحى والخلقى، ولو أن امرءاً كره الشيطان ووساوسه بنصف الشعور الذى يكره به الآلام والخصوم لنال من طهر الملائكة حظاً .
إن الله قد يقبل نصف الجهد فى سبيله، ولكنه لا يقبل نصف النية، إما أن يخلص القلب له، وإما أن يرفضه كله.
وقد أسلفنا القول إن الإنسان قد تحتل قلبه مقاصد شتى هى التى تبعثه على الحركة والسكون، وعلى الرضا والسخط، وأن هذه المقاصد تنبعث عن أنانيته لا عن إيمانه بربه وابتغائه ما عنده .
والعلماء المربون يطاردون هذه المقاصد المتسللة إلى القلب ويمنعونها أن تثوى فيه . ولا يتوانون فى مطاردتها حتى تخفى ويطهر القلب منها .
ذلك أن الإسلام دقيق جداً فى تقويم النية الباعثة عليه والغاية المصاحبة له، فمن لم يكن الله وجهته فى هجرته فلا عمل له ولا خير فيه .
فى الحياة الآن ألوف من المدربين والأطباء والمهندسين والضباط والعمال والتجار والموظفين .. الخ يزحمون ظهر الأرض بحركة واسعة المدى، فأما ما كان للتكاثر والتظاهر فسوف يلصق بالتراب، وأما ما كان لله فهو مبارك الثمر ممتد الأثر .
إن البقاء لما قصد به رب السماء “ من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب “ [ الشورى: 20 ] .
ونعود إلى الصنف المسجون بين عناصر المادة لا يعرف غيرها، إنه ينتقل من عنصر، وينسب مادة إلى مادة، ويجحد ما بعد ذلك .
وقد ناقشنا هؤلاء، ودحضنا ما ساقوا من شبه، ونريد هنا كشف الستر عن بعض دعاوى القوم .
إن وصف الإيمان بأنه حركة رجعية، والإلحاد بأنه حركة تقدمية وصف كاذب، فالكفر قديم قدم الغرائز الخسيسة والأفكار السفيهة .
وتاريخ الحياة يتجاور فيه الخير والشر والصلاح والفساد فمن قال: “ إن الإيمان طبيعة أيام مضت وانتهى دورها وأن الكفر يجب أن يفسح له الطريق “ فهو دجال .
كذلك وصف الإيمان بأنه حركة فكر محدود، والإلحاد بأنه حركة عقل ذكى أو وصف الإيمان بأنه منطق الدراسة النظرية، والإلحاد بأنه منطق الدراسة العلمية والبحوث الكونية، هذا كلام خرافى لا حرمة له، فإن جمهرة كبرى من قادة العلم الكونى والدراسات الحيوية يؤمنون بالله ويرفضون الزعم بأن الكون خلق من غير شىء .
والواقع أن الإلحاد يعتمد على الظنون والشائعات، لا على اليقين والبراهين، وأنه لم يثبت فى معمل أو مختبر بأن الله غير موجود .
وكل ما هنالك أن الماديين نسبوا لغير الله من النظام والإبداع ما لا تصح نسبته إلا لله .
ووراء هذا النسب المنتحل ساروا وأيديهم خالية من أى يقين، بل هم كما وصف القرآن الكريم “ وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغنى عن الحق شيئاً . إن الله عليم بما يفعلون “ .
أما الدلائل التى تغرس الإيمان فى القلوب عن طريق التفكير السليم فى هذا الكون الكبير فهى قائمة ناهضة .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 اقرأ كتاب :
 قذائف الحق للشيخ الغزالي رحمه الله
الباب الثامن:
لا دين حيث لا حرية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ نشر هذا المقال بعد حركة 15 مايو التى قام بها فى مصر الرئيس السادات ]
أثلجت صدرى الكلمات التى قالها رئيس الدولة عشية نجت مصر من المؤامرة الأخيرة !
لقد أكد أن الحريات ستوطد، وأن الحقوق ستصان، وأن القانون سيسود، ولن تغل يد عن عمل شريف، ولن يكمم فم عن كلمة حق، ولن يؤذن لصغير أن يتطاول، ولا لمنحرف أن يجور !!
لقد استقبلنا هذه المعانى والأنفاس تكاد تختنق لما عراها من ضيق، فكانت نسائم منعشة تتسلل خلال جو رهيب مقنط، وكان بوارق رجاء توحى بالخير .
وأحس القابعون وراء جدران السجن الكبير أن العصابة التى تسومهم سوء العذاب بدأت تذوب وتتلاشى.
إن إذلال الشعوب جريمة هائلة، وهو فى تلك المرحلة النكدة من تاريخ المسلمين عمل يفيد العدو ويضر الصديق .
بل هو عمل يتم لحساب إسرائيل نفسها .. فإن الأجيال التى تنشأ فى ظل الاستبداد الأعمى تشب عديمة الكرامة قليلة الغناء، ضعيفة الأخذ والرد .
ـ ومع اختفاء الإيمان المكين والخلق الوثيق والشرف الرفيع .
ـ ومع شيوع النفاق والتملق والدناءة .
ـ ومع هوان أصحاب الكفايات وتبجح الفارغين المتصدرين .
.. مع هذا كله لا تتكون جبهة صلبة، وصفوف أبية باسلة !
وذلك أمل إسرائيل حين تقاتل العرب، لأنها ستمتد فى فراغ وتشتبك مع قلوب منخورة وأفئدة هواء !
والواقع أن قيام إسرائيل ونماءها لا يعود إلى بطولة مزعومة لليهود قدر ما يعود إلى عمى بعض الحكام العرب، المرضى بجنون السلطة وإهانة الشعوب .
ولو أنصف اليهود لأقاموا لهؤلاء الحكام تماثيل ترمز إلى ما قدموا لإسرائيل من عون ضخم ونصر رخيص!
من أجل ذلك أحسست راحة عميقة لكلمات السيد محمد أنور السادات، وهو يهدر بضرورة احترام الشعب وكسر كل قيد يوضع على مشيئته .
إن هذه السياسة البصيرة هى الخطوة الأولى لقتال حقيقى مع المعتدين يقمع غرورهم ويقلم أظفارهم !
إن جماهير العرب عطشى إلى الحرية والكرامة، ولقد بذلت جهود هائلة لمنعها من الحق والجد وتعويدها عبادة اللذة إلى جانب عبادة الفرد، ولكن جوهر الأمة تأبى على هذه الجهود السفيهة، وإن كانت طوائف كثيرة قد جرفتها هذه المحن النفسية فهى تحيا فى فراغ ومجون مدمرين، لا تبقى معهما رسالة ولا ينخذل عدو ..
ومن ثم كان العبء على المصلحين ثقيلاً، ولكن ما بد منه لحماية حاضرنا ومستقبلنا .
ولقد تبعت الصراع بين الحكام المستبدين والرجال الأحرار منذ نصف قرن، ودخلت فى تلك المعمعة لأذوق بعض مرها وضرها .
وكنت أردد بإعجاب صيحات الرجال الكبار وهم يهدمون الوثنية السياسية ويلطمون قادتها ولو كانوا فى أعلى المواضع .
من ذلك صيحة الأستاذ الكبير “ عباس محمود العقاد “ عندما قال معرضاً بالملك فؤاد: إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدى عليه !!
وقد قدم الكاتب الإسلامى الكبير إلى المحاكمة ليعاقب تسعة شهور فى سجن مصر العمومى ثم خرج الرجل من السجن فكان أول ما صنع أن زار قبر سعد زغلول ليؤكد بقاءه على العهد وتأييده لقضايا الحرية وخصامه لأعداء الشعب !
ومن قصيدته التى ألقاها على قبره نذكر هذه الأبيات الشامخة:
خرجت له أسعى وفى كل خطوة
دعاء يؤدى أو ولاء يؤكد

لأول من فك الخطى من قيودها
أوائل خطوى يوم لا يتقيد


وأعظم بها حرية زيد قدرها
لدن فقدت أو قيل فى السجن تفقد

عرفت لها الحبين فى النفس والحمى
وكان لها حب وإن جل مفرد

وكنت جنين السجن تسعة أشهر
فها أنذا فى ساحة الخلد أولد

ففى كل يوم يولد المرء ذى الحجى
وفى كل يوم ذو الجهالة يلحد

وما أفقدت لى ظلمة السجن عزمة
فما كل ليل حين يغشاك مرقد

وما غيبتنى ظلمة السجن عن سنى
من الرأى يتلو فرقداً منه فرقد

عداتى وصحبى لا اختلاف عليهما
سيعهدنى كل كما كان يعهد

والعقاد بهذا الموقف الشريف ينتظم مع سلسلة الأبطال الذين يذودون عن الإنسانية بطش الجبابرة وجنون العظمة عند نفر من الملتاثين المتحكمين .
ولا أزال أكرر ما ذكرت فى بعض كتبى من أن الحريات المقررة هى الجو الوحيد لميلاد الدين ونمائه وازدهاره !
وإن أنبياء الله لم يضاروا بها أو يهانوا إلا فى غيبة هذه الحريات، وإذا كان الكفر قديماً لم ينشأ ويستقر إلا فى مهاد الذل والاستبداد فهو إلى يوم الناس هذا لا يبقى إلا حيث تموت الكلمة الحرة وتلطم الوجوه الشريفة وتتحكم عصابات من الأغبياء أو من أصحاب المآرب والأهواء ..
.. نعم ما يستقر الإلحاد إلا حيث تتحول البلاد إلى سجون كبيرة، والحكام إلى سجانين دهاة .
من أجل ذلك ما هادنا ـ ولن نهادن إلى آخر الدهر ـ أوضاعاً تصطبغ بهذا العوج ويستشرى فيها ذلك الفساد .
ومرة أخرى أردد قول العقاد:
هو الحق ما دام قلبى معى
وما دام فى اليد هذا القلم !


إن البيئات التى تستمتع بمقادير كبيرة من الحرية هى التى تنضج فيه الملكات، وتنمو المواهب العظيمة، وهى السناد الإنسانى الممتد لكل رسالة جليلة وحضارة نافعة .
ولأمر ما اختار الله محمداً من العرب !
إن ذلك يرجع إلى طبيعته الذاتية، وطبيعة الجنس الذى ينميه على السواء !!
فإن العرب أيام البعثة كانوا أسعد الأمم بخطوط الحرية المتاحة لهم، بينما كان الروم والفرس جماهير من العبيد الذين تعودوا الانحناء للحكام والسجود للملوك وضياع الشخصية فى ظل سلطات عمياء وأوامر ليس عليها اعتراض.
أما العرب فكانوا على عكس ذلك، حتى لكأن كل فرد منهم ملك وإن لم يكن على رأسه تاج !
ونشأ عن ذلك الاعتداد الخطير بالنفس أن كفار القبيلة كانوا يموتون دفاعاً عن مؤمنيها، وكانت حرية الكلمة متداولة فى المجتمع تداول الخبز والماء ..
ووسط هذا الجو شقت رسالة الإسلام طريقها صعداً لم تثنها المعوقات الطبيعية التى لا بد منها ..
ومن الفطر القوية لأولئك العرب الأحرار كانت الانطلاقة التى عصفت بالحكومات المستبدة وبدلت الأرض غير الأرض والناس غير الناس .
ذلك أنه يستحيل أن يتكون فى ظل الاستبداد جيل محترم، أو معدن صلب، أو خلق مكافح .
وتأمل كلمة عنترة لأبيه شداد لما طلب منه الدفاع عن القبيلة، قال: إن العبد لا يحسن الكر والفر، ولكنه يحسن الحلب والصر ! فأجاب الوالد: كر وأنت حر !
وقاتل “ عنترة “ وتحت لواء الحرية أدى واجبه، ولو بقى عبداً ما اهتم بهلاك أمة من الناس فقد بينهم كرامته ومكانته ..
ومن مقابح الاستبداد أسلوبه الشائن فى إهانة الكفايات وترجيح الصغار وتكبيرهم تبعاً لمبدئه العتيد:
أهل الثقة أولى من أهل الكفاية .
ومن هم أهل الثقة ؟ أصحاب القدرة على الملق والكذب .. اللاهثون تحت أقدام السادة تلبية لإشارة أو التقاطاً لغنيمة .
هذا الصنف الخسيس من الناس هو الذى يؤثر بالمناصب ويظفر بالترقيات، وتضفى عليه النعوت، ويمكن له فى الأرض ..
أما أهل الرأى والخبرة والعزم والشرف فإن فضائلهم تحسب عليهم لا لهم، وتنسج لهم الأكفان بدل أن ترفع لهم الرايات ..
والويل لأمة يقودها التافهون، ويخزى فيها القادرون ..
وقد كنت أقرأ فى الصحف ـ دون دهشة ـ كيف أن المسئول عن “ الثقافة والفكر فى الاتحاد الاشتراكى “ رجل أمى يصيح كلما سأله المحقق: اعذرنى فإنى جاهل ..
إن هذه طبيعة الأوضاع التى تعيش على الظلام وتكره النور .
ما أكثر العلماء فى بلادنا لو أريد توسيد الأمر أهله، ولكن العلماء ليسوا موضع ثقة لصغار المتصدرين لأن العالم يستنكر المتناقضات ويكره الدنية، ويقول بغضب:
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة
إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما


أما وقد أزال الله الغمة، وعلت كلمة الأمة فلنعد بالأمور إلى أوضاعها السليمة، ولنوفر الحريات التى طال إليها الشوق واشتد الحنين .
لقد كان الاستبداد قديماً أقل ضرراً من الاستبداد الذى نظمته الدولة الحديثة فى هذه الأعصار، فإن الدولة فى العصر الحديث تدخلت فى أدق شئون الفرد وبسطت نفوذها على كل شىء .
ومن هنا كان الدمار الأدبى والمعنوى الذى يصحب الاستبداد بعيد الآماد خبيث العواقب .
ومن أحسن ما قيل فى تشييع ظالم مستبد:
لتبك على “ الفضل بن مروان “ نفسه
فليس له باك من الناس يعرف

لقد صحب الدنيا منوعاً لخيرها
وفارقها وهو الظلوم المعنف

إلى النار فليذهب ومن كان مثله
على أى شىء فاتنا منه نأسف ؟

اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان .

يا للرجال بلا دين
إننى أسأل نفسى بإلحاح فى هذه الأيام العجاف: هل يشعر العرب بأن محمداً مرسل للعالمين، وأن هذه “ العالمية “ فى دعوته تفرض عليهم بعد إذ عرفوه أن يعرفوا الناس به، وهم عندما يعرفون الناس به لن يصفوا لهم ملامحه الشخصية وإنما يشرحون لهم رسالته الإلهية !
لكن عرب اليوم لا يقدرون محمداً قدره، ولا يخلفونه بأمانة فى مبادئه وتعاليمه، ولا يحسون قبح الشبهات التى أثارها خصومه ضده، بل هم ـ علماً وعملاً ـ مصدر متاعب للإسلام ولنبيه الكريم، وشاهد زور يجعل الحكم عليه لا له !
قد تقول حسبك حسبك أن الناس بخير، ومحبتهم لرسولهم فوق التهم فلا تطلق هذه الصيحات الساخطة، فما تحب الجماهير أحداً كما يحب أتباع محمد محمداً ..
وأقول لك: سوف أغمض العين عن ألوف من المتعلمين ضلل الاستعمار الثقافى سعيهم وشوه بصائرهم وأذواقهم، مع أن وزنهم ثقيل فى قيادة الأمة العربية، فما قيمة الحب الرخيص الذى تكنه جماهير الدهماء ؟
إنه حب غايته صلوات تفلت من الشفتين مصحوبة بعواطف حارة أو باردة، وقلما تتحول إلى عمل كبير وجهاد خطير، والترجمة عن حب محمد بهذا الأسلوب فى وقت ينهب فيه تراثه أمر مرفوض إن لم يكن ضرباً من النفاق !
أذكر أنى ذهبت يوماً لأحد التجار كى أصلح شيئاً لى، فاحتفى بى وقدم بعض الأشربة، وأفهمنى أنه أتم ما أريد بعد أن وفيته ما أراد . ثم شعرت أن عمله كان ناقصاً ولا أقول مغشوشاً !
فقلت: ليته ما حيا ولا رحب وأدى ما عليه بصدق ! ماذا أستفيد من تحيات لا جد معها ولا إخلاص .
والشأن كذلك مع أقوام قد تموج أحفال المولد النبوى بهم أو قد يصرخون بالصلاة على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى أعقاب الأذان، أو قد يؤلفون صلوات من عند أنفسهم يحار المرء فى تراكيبها لإغراقها فى الخيال .
وقد يكون حبهم تمسكاً شديداً ببعض النوافل وهروباً تاماً من بعض الفرائض أو حناناً لا ندى معه ولا عطاء كهذا الذى قال له الشاعر:
لا ألفينك بعد الموت تندبنى
وفى حياتى ما قدمت لى زادا

أى حب هذا .. إن العرب لا يعرفون أى شرف كتب لجنسهم ولغتهم وأمسهم وغدهم عندما ابتعث الله محمداً منهم، وإن التقدير الحق لهذا الشرف لا يكون بالسلوك المستغرب الذى يواقعونه الآن ومنذ بدأوا يعبثون برسالة الله بينهم .
لما أراد رب العزة أن يعلن بركته النامية ورحمته الهامية اختار فى كتابه العزيز عبارتين مبينتين:
الأولى: تتحدث عن البركة فى مظهر القدرة التى تجمع أزمة الكون فى يده، فيستحيل أن يغلب يوماً على أمره أو يشركه أحد فى ملكه، وفى هذا المعنى يقول جل شأنه “ تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير “ .
والثانية: تتحدث عن البركة فى صورة الرجل الذى حمل هداه الأخير إلى عباده وتفجرت ينابيع الحكمة من بيانه وسيرته، فكان القرآن الذى يتلوه مشرق شعاع لا ينطفي، يهتدى على سناه أهل القارات الخمس ما بقى الليل والنهار . وفى هذا المعنى يقول جل شأنه “ تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً “ [ الفرقان ] .
إن الإنسان المبعوث رحمة للعالمين أشعل الأمة التى ظهر فى ربوعها فانطلقت لأول مرة من بدء الخليقة تحمل للناس الخير والعدل واستطاعت أن تؤدب جبابرة الأرض الذين عاثوا فى أرجائها فساداً وظنوا أن كبرياءهم لن يخدشها أحد !
حتى جاء الرجال الذين رباهم محمد، فقوموا صعر المعتدين، وأعزوا جانب المستضعفين، وكم تحتاج الدنيا فى يوم الناس هذا إلى هذا الطراز من الرجال ليحموا الحق الذليل وينقذوا التوحيد المهان ويقروا الأخوة الإنسانية المنكورة وينزلوا البيض إلى منزلة السود أو يرفعوا السود إلى منزلة البيض ..
لكن السقطة الرهيبة للعرب المعاصرين أنهم ذاهلون عن المكانة التى منحهم محمد إياها هابطون عن المستوى الذى شدهم إليه، وفيهم من يفتح فمه ليقول: إن العرب يمكن أن يكونوا شيئاً من غير محمد !!
قبح الله وجهك من قائل أفاك ..
ومن أيام جاءنى نفر من العامة متنازعون على إدارة مسجد: بعضهم يريد أن يقول فى الأذان: “ أشهد أن “ سيدنا “ محمداً رسول الله “ .
والآخر يريد الاكتفاء بالوارد فلا يذكر لفظ “ سيدنا “ لأنه مبتدع .
ونظرت إلى أعراض المرض الذى يفتك بالأمة المعتلة، وقلت لهم: إن محترفى الإفك من المبشرين والمستشرقين ملأوا أقطار العالم بالافتراء على محمد وشخصه ودينه، ورسموا له صورة مشوهة فى أذهان الكثيرين وأنتم هنا لا تزالون فى هذا الغباء .
ما أشقى ديناً أنتم أتباعه، إن المسلمين بين ما ورثوا من جهل وما نضح عليهم من ضلال العصر لا يزالون يهرفون بما لا يعرفون ..
.. إن حب محمد يوم يكون لقباً يضفيه عليه الكسالى الواهنون فهو حب لا وزن له ولا أثر ! ويوم يكون أحفالاً رسمية وشعبية بيوم ميلاده فهو حب لا وزن له ولا أثر ! ويوم يكون قراءة للكتاب المنزل عليه فى مواكب الموت ومجالس العزاء فهو حب لا وزن له ولا أثر ! ويوم يكون ادعاء تستر به الشهوات الكامنة والطباع الغلاظ فهو حب لا وزن له ولا أثر ! .. لأن محمداً هو الرسول الذى رسم للبشر طريق التسامى الحقيقى، ورسم للجماعات طريق التلاقى على الحقائق والفضائل فدينه عقل يأبى الخرافة وقلب يعلو على الأهواء .
ـ ماذا كسب المسلمون عندما حولوا الدين من موضوع إلى شكل ؟
ـ وماذا كسب العرب عندما شقوا طريقهم إلى المستقبل وهم يطوون اسم محمد وتراثه عن نشاطه السياسى والعسكرى ؟
ولو نظرت إلى هذه الألوف المؤلفة من الكنائس والمعابد لوجدت داخلها أجهزة منظمة دوارة تعمل من غير ملل لصرف الناس عن الإسلام ونسبة أقبح النعوت إلى نبيه المبرأ الشريف ..
وكأن الله تبارك اسمه شاء أن يعرف هذه الأمم مدى ما كانت فيه من غباوة وأن يذيقها شيئاً من مرارة الجريمة التى ارتكبتها، فهو فى ساحة العرض الشامل لأصناف الخلائق يحشر سكان القارات الخمس على مر القرون يحشرهم فى صعيد واحد، ثم يكشف الغطاء عن عيونهم وإذا هم يتبينون فداحة جهلهم بالله الكبير المتعال، ويتبينون شناعة خصامهم لإمام رسله ..
وهنا يموج بعضهم فى بعض [ كتبنا هذا الكلام فى كتابنا “ من هنا نعلم “ من ثلث قرن ]، ويضطربون فى حيرة مفزعة لا يرجى منها خلاص، وتتحرك جموعهم إلى كل نبى سمعوا باسمه فى العالم الذى انتهى يناشدونه أن يسأل الله لهم الرحمة، ولكن النبيين كلهم يرفضون التصدى لهذا المطلب، ويعود أهل القارات الخمس متراكضين إلى الرجل الذى طالما قيل لهم إنه كذاب، إنهم يحسون الآن عن يقين أنهم أخطأوا فى حقه، وأنهم يوم صدوا عنه كانوا يخسرون أنفسهم وأهليهم .. ! [ يشير شيخنا إلى حديث الشفاعة الطويل الذى رواه الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان فى صحيحه راجع الترغيب (4 / 425) ] .
الشفاعة العظمى فى رأيى موقف يحاكم فيه التاريخ البشرى كله ليعترف أن انصرافه عن الإسلام كان مشاقة لله وعداء لأحب أوليائه وأصدق دعاته ..
وما أعجب أن تجد الإنسانية نفسها فى حرج يوشك أن يقضى عليها ثم تعلم فجأة أن التنفيس عن كرباتها ربما تم باللجوء إلى الرجل الذى عاشت دهوراً، وهى تروى عنه الأكاذيب وتنسب إليه الأساطير .
والتجاء أهل الأرض إلى محمد فى هذه الساعة العصيبة ولجوءه إلى الله يطلب مغفرته لعبيده الأغرار، ذلك فى ظنى هو المقام المحمود، المقام الذى نسأله لمحمد عقب كل أذان يتردد صداه فى مهاب الريح ليستجيب له قوم وينصرف عنه آخرون “ اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت “ محمداً “ الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذى وعدته “ .
قلت: إن محمداً فى عالم العقائد والحقائق شمس وضاحة نفاحة، لكن العميان كثيرون، وقد مكث هذا الرسول النبيل يصدع بأمر الله وينقذ الناس من أهوائهم ومظالمهم، ثم ذهب إلى الرفيق الأعلى تاركاً فينا تراثه الجليل من كتاب وسنة، فليتعلم الدعاة من حياة سيد الدعاة أن أجر الحق المبذول لا يعجل فى الدنيا، وأن للمقام المحمود موعداً فى غير هذه الدار يتعلق به وحده الدعاة الأبرار .

مشهورون ومجهولون

أعجبنى فى اليمين التى حلف عليها أنس بن النضر أن الرجل كان يشهد الله وحده، وينشد أولاً وآخراً رضاه .
لقد أحزنه أن الله لم يره فى ميدان القتال ببدر، فأقسم أن يرى الله نفسه فى أول لقاء بالكافرين، وأن يضرب أعلى مثل فى التفانى والاستبسال .
وذلك فى ذات الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع

لم يدر فى خلد أنس تطلع إلى جاه أو تشوق إلى شهرة .
كان الرجل أزكى نية وأشرف نفساً من أن يلم بهذه الدنايا .
والعمل لا يوصف بالصلاح ولا يرشح للقبول إلا إذا خلص لله وحده، وقصد به وجهه .
روى أحمد بن حنبل عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أخوف ما أخاف على أمتى الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال: الرياء !
يقول الله عز وجل ـ للمرائين ـ إذا جزى الله الناس بأعمالهم: “ اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا، فانظروا: هل تجدون عندهم جزاء ؟ “ .
والواقع أنه لا جزاء عندهم لا فى الآخرة ولا فى الدنيا، فماذا يرجو عبد من عبد إلا أن يزداد ذلاً ؟ وماذا يطلب فقير من فقير إلا أن يزداد عيلة !
إن الإخلاص لله سياج العز وضمان الخير فى الحياتين .
وعندما تصدق النية فلا يخشى على العبد من مجاهرة بصلاة أو جهاد أو صدقة، إذ الأساس استهداف وجه الله، وليس على البال غيره .
ومن الحماقة أن يطلب إنسان ثناء الخلق وهو يعلم أن الله قد ستر عليه ذنوباً لو كشفوها لسودوا وجهه !!
الله أولى بالاتجاه والمودة وأحق بالحفاوة والالتفات ..
ومن عظمة الإيمان اكتفاء المرء بنظر الله إليه، وإيثاره أن يعمل فى صمت، أو يموت جندياً مجهولاً، وهذا الاكتفاء دلالة استغراق المرء فى الشهود الإلهى، ورسوخ قدمه فى مقام الإحسان، وتلك هى الولاية كما شرحها معاذ بن جبل رضوان الله عليه .
روى ابن ماجه أن عمر بن الخطاب خرج إلى المسجد فوجد معاذاً عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم
يبكى ! فقال: ما يبكيك ؟ قال: حديث سمعته من رسول الله: “ اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة “ .
أجل إن الله يحب أولئك العاملين فى صمت، الزاهدين فى الشهرة والسلطة، المشغولين باللباب عن القشور، المتعلقة قلوبهم بالله، لا تحجبهم عنه فتنة ولا تغريهم متعة .
وما أفقر أمتنا إلى هذا الصنف المبارك، بهم ترزق وبهم تنصر .
إلا أن بعض العبادات الأصلية ما تتم إلا فى جو العلانية والظهور كالتعلم والدعوة والقضاء والجهاد، بل إن قيام الأركان الأساسية يتطلب ذلك، وهنا تؤكد خطورة النية المصاحبة فى تقويم أى عمل صحة وقبولاً .
وقد كان أبو بكر يقوم الليل فيقرأ سراً، وكان عمر يقوم فيقرأ جهراً، فلما سئل الصديق قال: أسمعت من أناجى ! ولما سئل الفاروق قال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان !!
إن إخلاص النية هنا وهناك يجعل السر والعلن سواء .
وذلك ما ينبغى أن يعيه الدعاة والقضاة والساسة والقادة، وكل من يحملون مؤنة الآخرين، أو يكونون فى موضع الأسوة .
والإخلاص لا يمنع المسلم من الاهتمام بنفسه وسمعته وكرامته .
إن الله كلفنا أن نجمل أبداننا وملابسنا، وكره لنا رثاثة الهيئة وكآبة المنظر فى الأهل والمال، فليس من الرياء أن نصون أحوالنا ونحصن مكاناتنا من الظنون والمكدرات !
من حق الكريم ألا يتهم بالبخل كما أن من حق النظيف ألا يرمى بالأدران .
لكن الدفاع عن الكيان المادى والمعنوى شىء وطلب وجوه الناس بالعمل الصالح شىء آخر .
وقد خلد القرآن الكريم ذكر فريقين من الهداة الأتقياء:
ـ أحدهما: سجل أسماءه وجهاده وأثنى على رجاله أطيب الثناء .
ـ والآخر: طوى أسماءه ونشر سيرته واكتفى بشرح عمله وتزكية أثره .
من الأولين أنبياء الله الكرام الذين غرسوا هدايات السماء فى الأرض، وذادوا عنها أوبئة الكفر والعدوان .
والقرآن عندما يثبت تاريخاً لا يعنى إلا بإبراز المناقب التى تؤخذ منها الأسوة والفضائل التى سبقت بذويها وأعلت أقدارهم !
تدبر قوله تعالى: “ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدى والأبصار . إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار . وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار “ [ ص: 47 ] . إن هذه الآيات تنبه إلى الاستطالة المادية والمعنوية لهؤلاء الدعاة الكبار، فليست الأيدى والأبصار هذه الأعضاء والحواس التى يشترك فيها العباقرة والدهماء، ولكنها القدرة والمعرفة !
وهل يتقدم من يتقدم، ويتأخر من يتأخر إلا بهذا التفاوت البعيد فى الهمم والثقافات ؟؟
وندع الحديث عن هذا الفريق الذى رفع الله ذكره إلى الفريق الآخر الذى أسدل على أسماء رجاله ستار كثيف فما يعرفهم إلا ربهم .
من يدرى ؟ لعل هذا تكريم وتثبيت للذين يعملون حتى الممات بعيداً عن الأضواء، إنهم أسمعوا من يناجون ! ولن يضيع من عملهم مثقال ذرة وإن جهل الناس من هم
لهم أسوة حسنة فيمن حكى القرآن أنباءهم وترك ـ غير نسيان ـ أسماءهم .
من هؤلاء مؤمن آل فرعون الذى أحس نية الغدر بموسى والتآمر على قتله، فاصطنع أسلوب المحايد فى عرض نصحه وتفكيره قائلاً:
ما خطورة أن يؤمن أحد بالله، أو يزعم أنه يحمل رسالة من لدنه:
ـ إن كان كاذباً فستفضحه الأيام، ولن يضر إلا نفسه .
ـ وإن كان صادقاً فإن العدوان عليه استهداف لعقاب الله الكبير، وليس من العقل التعرض لعقاب الله .
واستتلى يقول: قد نكون اليوم أقوياء غالبين، ولكننا بشر لا نفلت من أصابع القدرة العليا عندما تقبض علينا فلا ينبغى أن نجور على عباد الله ..
قال تعالى مخلداً دفاع هذا المحامى المؤمن:
“ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟! وإن يك كاذباً فعليه كذبه، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذى يعدكم، إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب . يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا .. قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد “ [ غافر: 29 ] .
وأحب أن أقف قليلاً عند رد فرعون: هل كان الرجل يعتقد فعلاً أنه راشد، أم أنه كان يحاد الله ورسوله وهو يدرى أنه مبطل عنيد ؟
الواقع أن كثيراً من الضالين يمضون فى طريق الغواية وهم يستحسنونها ويستريحون إليها ويعتقدون أن لهم وجهة نظر جديرة بالتسليم .
وفى هؤلاء يقول الله تعالى: “ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون “ [ النمل: 4 ] ويقول: “ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم “ [ محمد: 14 ] .
ويقول المفسرون فى قوله تعالى: “ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح “ نزلت الآية فى أبى جهل عندما قاد المشركين فى معركة بدر، فقد قال لما التقى الجمعان: اللهم أينا كان أفجر قاطعاً للرحم ـ يعنى نفسه ومحمداً ـ فاحفه اليوم أى أهلكه ..
فكأن هذا الكفور الكنود كان إلى الرمق الأخير يعتقد أنه محق فيما ارتكب !!
إن الحجاب المسدل على بصيرته لم يسمح لشعاع من الخير أن يتسلل إلى نفسه، وهو المسئول عن ذلك الطمس، فلولا إدمان المعصية وتعود الجريمة، ما أصابه هذا العمى !
وقد يكون كلا الرجلين “ فرعون “ و “ أبو جهل “ كاذباً فى حديثه عن نفسه وحواره مع قومه، فمثلهما من الدهاء والقدرة بحيث يدرى أنه مسترسل مع هواه، وأنه يكابر الحقائق، ويشاق الله ورسله .
وقد كشف القرآن الكريم فى موضع آخر أن فرعون وقومه لما جاءتهم آيات الله الباهرة “ جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً “ [ النمل: 14 ] كما قال لرسوله محمد شارحاً موقف أبى جهل وأشباهه “ إنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون “ [ الأنعام: 33 ] .
وقد كان مؤمن آل فرعون يحس أنه أمام جماعة من الأفاكين المغرورين، فأخذ رويداً رويداً يتخلى عن موقف الحياد الذى بدأ به نصائحه وارتفعت درجة الحماس فى خطابه لفرعون ومن معه خصوصاً عندما قال فرعون ساخراً لوزيره هامان: “ ابن لى صرحاً لعلى أبلغ الأسباب، أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى، وإنى لأظنه كاذباً .. “ [ غافر ] .
عندئذ احتدت لهجة الرجل المؤمن، واضطرم الإخلاص فى قلبه ولسانه فصاح “ يا قوم مالى أدعوكم إلى النجاة وتدعوننى إلى النار .. “ .
وقال: لا جرم أن ما تدعوننى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله “ [ غافر ] .
ولكن هذه المناشدة الخالصة الحادبة لم تلق آذاناً واعية فمضى فرعون إلى مصرعه، وأورد قومه الحتوف، وبقى النصح الجميل الصادق الذى بذله الرجل المؤمن خالداً على الدهر يكشف عن أسرار القدرة العليا فيما أنزلت بالظالمين .
من هذا الرجل الذى يردد كلام الأنبياء وليس منهم ؟ لا نعرفه، ولا نعرف عن مولده ومماته شيئاً .
ليكن رمزاً للعمل بعيداً عن الأضواء، استعلاء على الشهرة فى الأرض، وإيثار العقبى فى السماء !!
وهذا رجل آخر من الطراز عينه، رجل وجد العراك محتدماً بين رسل الله وحماة الانحراف، هؤلاء يريدون أن يبلغوا عن الله ويغيروا الشر السائد، وأولئك يريدون تكميم أفواههم وإخراس ألسنتهم ..
ونما الخصام بين الفريقين، وبلغ الأمر بأعداء الوحى أن تشاءموا من وجود المرسلين بينهم، ومن دعوتهم فيهم، فتهددوهم بالعذاب الأليم .
وجاء الرجل المؤمن من بعيد يهيب بقومه أن يعقلوا !
وقال: “ يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون “ [ يس: 26 ] .
لقد أمن قومه على أموالهم فلم يرزأهم أحد فيها، وهذه الدنيا التى يحرصون عليها ستبقى لهم مزدانة بالإيمان الحق، فما أجمل هذا !
ثم تساءل: ما يمنعنا من الإيمان ؟ وما يغرينا بالشرك ؟
“ وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون ؟ أأتخذ من دونه آلهة، إن يردن الرحمن بضر لا تغنى عنى شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون ؟ إنى إذاً لفى ضلال مبين . إنى آمنت بربكم فاسمعون “ .
إنه يريد إسماعهم ليرعووا ويقتدوا ولا يستوحشوا من الطريق الذى يدعوهم إليه .
وبقى الرجل إلى آخر رمق ينصح أهل بلده ليرشدوا، بيد أنه مات تاركاً إياهم على غوايتهم .
فلما وجد طيب عيشه عند ربه وثمرة إيمانه تحف به وتقر عينه تذكر الرجل المخلص قومه فتمنى لهم الهدى “ يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين “ .
ولكن قومه أصروا على العمل فمستهم نفحة من عذاب الله أخمدت أنفاسهم وجعلتهم أثراً بعد عين .
من هذا الرجل الطيب القلب السمح النفس ؟
لا نعرفه، حسبه أن ربه يعرفه، إنه لم يعمل إلا له !
والفتية أهل الكهف الذين أحبوا ربهم حباً جماً، وغالوا بتوحيده مغالاة ظاهرة، من هم ؟ لا ندرى، لقد رفض القرآن أن يجلو النقاب عن أشخاصهم وعددهم “ ربهم أعلم بهم “ “ ربى أعلم بعدتهم “ .
لكنه كشف عن جلال يقينهم وسمو معرفتهم بالله وإجماعهم على إفراده بالعبادة، وازدرائهم لكل انحراف إلى الشرك “ ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذن شططاً “ .
كما كشف عن تبرمهم الشديد بالمجتمع الوثنى وعزوفهم عن البقاء فيه، وخشيتهم من العودة إليه إذا ضبطوا متلبسين بإيمان !
وانظر مدى كراهيتهم للكفر، والوقوع تحت سطوة أهله، وقول بعضهم لبعض “ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا إذا أبداً ! “ [ الكهف: 20 ]
إن العيش بمبدأ كريم ولمبدأ كريم شىء عظيم حقاً .
وإنما يتفجر الفداء والإخلاص من عمق هذه الحياة الرفيعة .
والأمة العربية فتكت بها أمراض الرياء، وعلل التعاظم الأجوف والرغبة فى الظهور بالحق أو بالزور، ولا يمكن أن تنهض أمة مع هذه الأدواء الخسيسة !
إننا بحاجة إلى أعداد كبيرة من الجنود المجهولين، يعملون فى ألف ميدان، ويسدون ألف ألف ثغرة .
فهل يوجد من يكتفون بنظر الله إليهم، ويستغنون عن أنظار الناس ؟

التنادى بالجهاد المقدس
فى صدر تاريخنا، وعلى امتداده مع الزمن، كان العالم الإسلامى يعرف بحبه للجهاد وارتضائه لأشق التضحيات كى يحق الحق ويبطل الباطل .
كان هذا العالم الرحب عارم القوى الأدبية والمادية حتى يئس المعتدون من طول الاشتباك معه، فقد كبح جماحهم، وقلم أظفارهم ورد فلولهم مذعورة من حيث جاءت، أو ألحق بهم من المغارم والآلام ما يظل بينهم عبرة متوارثة وتأديباً مرهوباً ..
ويرجع ذلك إلى أمور عدة:
أولها: أن الحقائق الدينية عندنا لا تنفك أبداً عن أسباب صيانتها ودواعى حمايتها، فهى مغلفة بغطاء صلب يكسر أنياب الوحوش إذا حاولت قضمها .
وذلك هو السر فى بقاء عقائدنا سليمة برغم المحاولات المتكررة لاستباحتها، تلك المحاولات التى نجحت فى اجتياح عقائد أخرى أو الانحراف بها عن أصلها .
ثم إن الإسلام جعل حراسة الحق أرفع العبادات أجراً، أجل فلولا يقظة أولئك الحراس وتفانيهم ما بقى للإيمان منار، ولا سرى له شعاع “ قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد فى سبيل الله ؟ قال: لا تستطيعونه ! فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثة، كل ذلك يقول: لا تستطيعونه ! ثم قال: مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام .. حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله “ [ البخارى ] .
وإذا كان فقدان الحياة أمراً مقلقاً لبعض الناس فإن ترك الدنيا بالنسبة لبعض المجاهدين بداية تكريم إلهى مرموق الجلال شهى المنال حتى أن النبى صلى الله عليه وسلم حلف يرجو هذا المصير .
“ والذى نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فى سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل “ [ البخارى ] .
فأى إغراء بالاستماتة فى إعلاء كلمة الله ونصرة الدين أعظم من هذا الإغراء ؟
لقد كانت صيحة الجهاد المقدس قديماً تجتذب الشباب والشيب وتستهوى الجماهير من كل لون، فإذا سيل لا آخر له من أولى الفداء والنجدة يصب فى الميدان المشتعل . فما تضع الحرب أوزارها إلا بعد أن تكوى أعداء الله وتلقنهم درساً لا ينسى .
هل أصبحت هذه الخصائص الإسلامية ذكريات مضت أم أنها محفورة فى عقلنا الباطن تحتاج إلى من يزيل عنها الغبار وحسب ؟
إن الاستعمار الذى زحف على العالم الإسلامى خلال كبوته الأخيرة بذل جهوداً هائلة لشغل المسلمين عن هذه المعانى أو لقتل هذه الخصائص النفسية فى حياتهم العامة، وذلك ليضمن فرض ظلماته ومظالمه دون أية مقاومة !
وقد توسل إلى ذلك بتكثير الشهوات أمام العيون الجائعة، وتوهين العقائد والفضائل التى تعصم من الدنايا، وإبعاد الإسلام شكلاً وموضوعاً عن كل مجال جادة، وتضخيم كل نزعة محلية أو شخصية تمزق الأخوة الجامعة وتوهى الرباط العام بين أشتات المسلمين .
وقد أصاب خلال القرن الأخير نجاحاً ملحوظاً فى سبيل غايته تلك ..
ومن ثم لم تنجح محاولات تجميع المسلمين لصد العدو الذى جثم على أرضهم واستباح مقدساتهم ..
وما قيمة هذا التجميع إذا كان الذين ندعوهم قد تحللوا من الإيمان وفرائضه، والقرآن وأحكامه .
إن تجميع الأصفار لا ينتج عدداً له قيمة !!
وإن الجهد الأول المعقول يكمن فى رد المسلمين إلى دينهم، وتصحيح معالمه ومطالبه فى شئونهم، ما ظهر منها وما بطن ..
عندئذ يدعون فيستجيبون ويكافحون فينتصرون، ويحتشدون فى معارك الشرف فيبتسم لهم النصر القريب وتتفتح لهم جنات الرضوان .
إن الرجل ذا العقيدة عندما يقاتل لا يقف دونه شىء .
أعجبتنى هذه القصة الرمزية الوجيزة، أسوقها هنا لما تنضح به من دلالة رائعة:
“ حكوا عن قوم فيما مضى كانوا يعبدون شجرة من دون الله، فخرج رجل مؤمن من صومعته وأخذ معه فأساً ليقطع بها هذه الشجرة، غيرة لله وحمية لدينه ! فتمثل له إبليس فى صورة رجل وقال له: إلى أين أنت ذاهب ؟ قال: أقطع تلك الشجرة التى تعبدون من دون الله، فقال له: اتركها وأنا أعطيك درهمين كل يوم، تجدهما تحت وسادتك إذا استيقظت كل صباح ! ..
“ فطمع الرجل فى المال، وانثنى عن غرضه، فلما أصبح لم يجد تحت وسادته شيئاً، وظل كذلك ثلاثة ايام، فخرج مغضباً ومعه الفأس ليقطع الشجرة ! قال: ارجع فلو دنوت منها قطعت عنقك ..
“ لقد خرجت فى المرة الأولى غاضباً لله فما كان أحد يقدر على منعك ! أما هذه المرة فقد أتيت غاضباً للدنيا التى فاتتك، فما لك مهابة، ولا تستطيع بلوغ إربك فارجع عاجزاً مخذولاً .. “ .
إن الغزو الثقافى للعالم الإسلامى استمات فى محو الإيمان الخالص وبواعثه المجردة، استمات فى تعليق الأجيال الجديدة بعرض الدنيا ولذة الحياة، استمات فى إرخاص المثل الرفيع وترجيح المنافع العاجلة ..
ويوم تكثر النماذج المعلولة من عبيد الحياة ومدمنى الشهوات فإن العدوان يشق طريقه كالسكين فى الزبد، لا يلقى عائقاً ولا عنتاً ..
وهذا هو السبب فى جؤارنا الدائم بضرورة بناء المجتمع على الدين وفضائله، فإن ذلك ليس استجابة للحق فقط، بل هو السياج الذى يحمينا فى الدنيا كما ينقذنا فى الآخرة ..
إن ترك صلاة ما قد يكون إضاعة فريضة مهمة، واتباع نزوة خاصة قد تكون ارتكاب جريمة مخلة، لكن هذا أو ذاك يمثلان فى الأمة المنحرفة انهيار المقاومة المؤمنة والتمهيد لمرور العدوان الباغى دون رغبة فى جهاد أو أمل فى استشهاد، ولعل ذلك سر قوله تعالى “ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً “ [ مريم 59 ] .
إن كلمة الجهاد المقدس إذا قيلت ـ قديماً ـ كان لها صدى نفسى واجتماعى بعيد المدى، لأن التربية الدينية رفضت التثاقل إلى الأرض والتخاذل عن الواجب، وعدت ذلك طريق العار والنار وخزى الدنيا والآخرة .
وهذه التربية المغالية بدين الله، المؤثرة لرضاه أبداً هى التى تفتقر إليها أمتنا الإسلامية الكبرى فى شرق العالم وغربه .
وكل مؤتمر إسلامى لا يسبقه هذا التمهيد الحتم فلن يكون إلا طبلاً أجوف !
والتربية الدينية التى ننشدها ليست ازوراراً عن مباهج الحياة التى تهفو إليها نفوس البشر، ولكنها تربية تستهدف إدارة الحياة على محور من الشرف والاستقامة، وجعل الإنسان مستعداً فى كل وقت لتطليق متعه إذا اعترضت طريق الواجب .
كنت أقرأ مقالاً مترجماً فى أدب النفس فاستغربت للتلاقى الجميل بين معانيه وبين مواريثنا الإسلامية المعروفة التى يجهلها للأسف كثير من الناس .
تأمل معى هذه العبارة:
“ يقول جوته الشاعر الألمانى: من كان غنياً فى دخيلة نفسه فقلما يفتقر إلى شىء من خارجها ! “
أليس ذلك ترجمة أمينة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس “ ! [ البخارى ]
عن أبى ذر رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترى كثرة المال هو الغنى ؟ قلت: نعم يا رسول الله ! قال: فترى قلة المال هو الفقر ؟ فقلت: نعم يا رسول الله . قال: إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب “ ..
واسمع هذه العبارة من المقال المذكور:
“ النفس هى موطن العلل المضنية، وهى الجديرة بالعناية والتعهد، فإذا طلبت منها أن تسوس بدنك سياسة صالحة فاحرص على أن تعطيها من القوت ما تقوى به وتصح ..
“ هذا القوت شىء آخر غير الأخبار المثيرة والملاهى المغرية والأحاديث التافهة والملذات البراقة التافهة، ثم انظر إليها كيف تقوى بعد وتشتد، إن التافه الخسيس مفسدة للنفس ! واعلم أن كل فكرة تفسح لها مكاناً فى عقلك، وكل عاطفة تتسلل إلى فؤادك تترك فيك اثرها، وتسلك بك أحد طريقين: إما أن تعجزك عن مزاولة الحياة وإما أن تزيدك اقتداراً وأملاً “.
أليس هذا الكلام المترجم شرحاً دقيقاً لقول البوصيرى:
وإذا حلت الهداية نفساً
نشطت للعبادة الأعضاء !

وتمهيداً حسناً لقول ابن الرومى:
أمامك فانظر أى نهجيك تنهج
طريقان شتى مستقيم وأعوج

واقرأ هذه الكلمات أيضاً فى المقال المترجم: “ رب رجل وقع من الحياة فى مثل الأرض الموحلة فكادت تبتلعه، ولكنه ظل يجاهد للنجاة مستيئساً، وبينا هو كذلك انهارت قواه وشق عليه الجهاد وأسرعوا به إلى الطبيب .. الطبيب لم يجد بجسده علة ظاهرة . كل ما يحتاج إليه الرجل ناصح يعلمه كيف ينازل الحياة وجهاً لوجه لا تثنيه عقبة ولا رهبة “.
إن هذا الكلام يذكرنى بما روى عن جعفر الصادق: من طلب ما لم يخلق تعب ولم يرزق ! قيل وما ذاك ؟ قال: الراحة فى الدنيا .
وأنشدوا:
يطلب الراحة فى دار الفنا
خاب من يطلب شيئاً لا يكون

إن التربية التى ننشدها نحن المسلمين ليست بدعاً من التفكير الإنسانى الراشد، إنها صياغة الأجيال فى قوالب تجعلها صالحة لخدمة الحق وأداء ضرائبه، واحتقار الدنيا يوم يكون الاستمساك بها مضيعة للإيمان ومغاضبة للرحمن ..
والاستعمار يوم وضع يده على العالم الإسلامى من مائة سنة صب الأجيال الناشئة فى قوالب أخرى، نمت بعدها وهى تبحث عن الشهوات وتخلد إلى الأرض، فلما ختلها عن دينها بهذه التربية الدنيئة استمكن من دنياها فأمست جسداً ونفساً لا تملك أمرها، ولا تحكم يومها ولا غدها ..
بل إنها فى تقليدها للعالم الأقوى تقع فى تفاوت مثير:
عندما ننقل المباذل ومظاهر التفسخ فى الحضارة الغربية ننقلها بسرعة الصوت، أما عندما ننقل علماً نافعاً وخيراً يسيراً فإن ذلك يتم بسرعة السلحفاة .
وكثير من الشعوب الإسلامية تبيع ثرواتها المعدنية والزراعية بأكوام من المواد المستهلكة وأدوات الزينة والترف مع فقرها المدقع إلى ما يدفع عنها جشع العدو ونياته السود فى اغتيالها وإبادتها !
وظاهر أن هذا السلوك استجابة طبيعية لأسلوب التربية الذى أخذت به منذ الصغر، وأثر محتوم لاتخاذ القرآن مهجوراً، ونبذ تعاليمه وقيمه، وهل ينتج ذلك إلا طفولة تفرح باللعب المصنوعة والطرف الجديدة والملابس المزركشة، والمظاهر الفارغة ؟
ولا بأس بعد توفير ذا كله من استصحاب بعض الآثار الدينية السهلة !
ولتكن هذه الآثار الاحتفال بذكرى قديمة أو زيارة قبر شهير !
ثم يسمى هذا السلوك التافه تديناً !
لقد جرب المسلمون الانسلاخ عن دينهم واطراح آدابه وترك جهاده فماذا جر عليهم ذلك ؟ حصد خضراءهم فى الأندلس فصفت منهم بلاد طالما ازدانت بهم وعنت لهم، وما زال يرن فى أذنى قول الشاعر:
قلت يوماً لدار قوم تفانوا
أين سكانك العزاز علينا ؟


فأجابت هنا أقاموا قليلاً
ثم ساروا ولست أعلم أينا !

أسمعت هذا النغم الحزين يروى فى اقتضاب عقبى اللهو واللعب، عقبى إضاعة الصلوات واتباع الشهوات .. إن عرب الأندلس لم يتحولوا عن دارهم طائعين ولكنهم خرجوا مطرودين .
أفلا يرعوى الأحفاد مما أصاب الأجداد ؟
لقد قرأت أنباء مؤتمرات عربية وإسلامية كثيرة اجتمعت لعلاج مشكلة فلسطين، فكنت أدع الصحف جانباً ثم أهمس إلى نفسى: هناك خطوة تسبق كل هذا، خطوة لا غنى عنها أبداً:
هى أن يدخل المسلمون فى الإسلام ..
إننى ألمح فى كل ناحية استهانة بالفرائض، وتطلعاً إلى الشهوات، وزهادة فى المخاطرة والنقب وإيثاراً للسطوح على الأعماق والأشكال عن الحقائق، وهذه الخلال تهدم البناء القائم . فكيف تعيد مجداً تهدم أو ترد عدواً توغل ..؟
ما أحرانا أن نعقل التحذير النبوى الكريم “ إنما أخشى عليكم شهوات الغى فى بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى “ فإذا أصغينا إلى هذا النذير ابتعدنا عن منحدر ليست وراءه إلا هاوية لا قرار لها، ثوى فيها قبلنا المفرطون والجاحدون .

دين زاحف مهما كانت العوائق
كلما قرأت أبواب الفتن فى كتب السنة شعرت بانزعاج وتشاؤم، وأحسست أن الذين أشرفوا على جمع هذه الأحاديث قد أساءوا ـ من حيث لا يدرون ومن حيث لا يقصدون ـ إلى حاضر الإسلام ومستقبله !
لقد صوروا الدين وكأنه يقاتل فى معركة انسحاب، يخسر فيها على امتداد الزمن أكثر مما ربح !
ودونوا الأحاديث مقطوعة عن ملابساتها القريبة فظهرت وكأنها تغرى المسلمين بالاستسلام للشر، والقعود عن الجهاد، واليأس من ترجيح كفة الخير لأن الظلام المقبل قدر لا مهرب منه .
وماذا يفعل المسلم المسكين وهو يقرأ حديث أنس بن مالك الذى رواه البخارى عن الزبير بن عدى قال: شكونا إلى أنس بن مالك ما نلقى من الحجاج فقال: اصبروا فإنه لا يأتى عليكم زمان إلا الذى بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم “ !!
وظاهر الحديث أن أمر المسلمين فى إدبار، وأن بناء الأمة كلها إلى انهيار على اختلاف الليل والنهار !
... نذكرها، كما يخالف الأحداث التى وقعت فى العصر الأموى نفسه !
فقد جاء الوليد بن عبد الملك فمد رقعة الإسلام شرقاً حتى احتوت أقطاراً من الصين وامتدت رقعة الإسلام غرباً حتى شملت أسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا .
ثم تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز فنسخ المظالم السابقة، وأشاع الرخاء حتى عز على الأغنياء أن يجدوا الفقراء الذين يأخذون صدقاتهم !
ولقد أتى بعد أنس بن مالك عصر الفقهاء والمحدثين الذين أحيوا الثقافة الإسلامية وخدموا الإسلام أروع وأجل خدمة، فكيف يقال: إن الرسالة الإسلامية الخاتمة كانت تنحدر من سيئ إلى أسوأ ؟؟ هذا هراء .
الواقع أن أنساً رضى الله عنه كان يقصد بحديثه منع الخروج المسلح على الدولة بالطريقة التى شاعت فى عهده ومن بعده، فمزقت شمل الأمة، وألحقت بأهل الحق خسائر جسيمة، ولم تنل المبطلين بأذى يذكر .
ـ وأنس بن مالك أشرف ديناً من أن يمالئ الحجاج أو يقبل مظالمه، ولكنه أرحم بالأمة من أن يزج بأتقيائها وشجعانها فى مغامرات فردية تأتى عليهم، ويبقى الحجاج بعدها راسخاً مكيناً !
ـ وتصبيره الناس حتى يلقوا ربهم ـ أى حتى ينتهوا هم ـ لا يعنى أن الظلم سوف يبقى إلى قيام الساعة، وأن الاستكانة الظالمة سنة ماضية إلى الأبد !
إن هذا الظاهر باطل يقيناً، والقضية المحدودة التى أفتى فيها أنس لا يجوز أن تتحول إلى مبدأ قانونى يحكم الأجيال كلها ..
لقد سلخ الإسلام من تاريخه المديد أربعة عشر قرناً، وسيبقى الإسلام على ظهر الأرض ما صلحت الأرض للحياة والبقاء وما قضت حكمة الله أن يختبر سكانها بالخير والشر .
ويوم ينتهى الإسلام من هذه الدنيا فلن تكون هذه دنيا لأن الشمس ستنطفئ والنجوم ستنكدر، والحصاد الأخير سيطوى العالم أجمع !
فليخسأ الجبناء دعاة الهزيمة وليعلموا أن الله أبر بدينه وعباده مما يظنون .
لقد ذكر لى بعضهم حديث “ بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء “ [ رواه أحمد
والجماعة ] وكأنه يفهم منه أن الإسلام سينكمش ويضعف وأن على من يسمع هذا الحديث أن يهادن الإثم، ويداهن الجائرين ويستكين للأفول الذى لا محيص عنه !
وإيراد الحديث وفهمه على هذا النحو مرض شائع قديم .
ولو سرت جرثومة هذا المرض إلى صلاح الدين الأيوبى ما فكر فى استنقاذ بيت المقدس من الصليبيين القدامى!
ولو سرت جرثومة هذا المرض إلى سيف الدين قطز ما نهض إلى دحر التتار فى “ عين جالوت “ !
ولو سرت جرثومة هذا المرض إلى زعماء الفكر الإسلامى فى عصرنا الحاضر ابتداء من جمال الدين الأفغانى إلى الشهداء والأحياء من حملة اللواء السامق ما فكروا أن يخطوا حرفاً أو يكتبوا سطراً !
وقلت فى نفسى: أيكون الإسلام غريباً وأتباعه الذين ينتسبون إليه يبلغون وفق الإحصاءات الأخيرة ثمانمائة مليون نفس ؟
يا للخذلان والعار !
الواقع أن هذا الحديث وأشباهه يشير إلى الأزمات التى سوف يواجهها الحق فى مسيرته الطويلة فإن الباطل لن تلين بسهولة قناته بل ربما وصل فى جرأته على الإيمان أن يقتحم حدوده ويهدد حقيقته، ويحاول الإجهاز عليه !
وعندما تتجلى الظلماء عن رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يقاومون الضلال بجلد، ولا يستوحشون من جو الفتنة الذى يعيشون فيه، ولا يتخاذلون للغربة الروحية والفكرية التى يعانونها، ولا يزالون يؤدون ما عليهم لله حتى تنقشع الغمة ويخرج الإسلام من محنته مكتمل الصفحة، بل لعله يستأنف زحفه الطهور فيضم إلى أرضه أرضاً وإلى رجاله رجالاً .
وذلك ما وقع خلال أعصار مضت، وذلك ما سيقع خلال أعصار تجىء، وهذا ما ينطق به حديث الغربة الآنف، فقد جاء فى بعض رواياته:
“ طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدى من سنتى “ [ راجع فى روايات الحديث كلها كتاب “ غربة الإسلام “ لابن رجب الحنبلى ] فليست الغربة موقفاً سلبياً عاجزاً، إنها جهاد قائم دائم حتى تتغير الظروف الرديئة ويلقى الدين حظوظاً أفضل .
وليس الغرباء هم التافهون من مسلمى زماننا، بل هم الرجال الذين رفضوا الهزائم النازلة وتوكلوا على الله فى مدافعتها حتى تلاشت !
والفتن التى لا شك فى وقوعها والتى طال تحذير الإسلام منها فتنة التهارش على الحكم والتقاتل على الإمارة ومحاولة الاستيلاء على السلطة بأى ثمن، وما استتبعه ذلك من إهدار للحقوق والحدود، وعدوان على الأموال والأعراض .. وهذا المرض كان من لوازم الطبيعة الجاهلية التى عاشت على العصبية العمياء ..
والعرب فى جاهليتهم ألفوا هذا الخصام والتعادى، فهم كما قال دريد بن الصمة:
يغار علينا واترين فيشتفى
بنا إن أصبنا أو نغير على وتر

قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا
فما ينقضى إلا ونحن على شطر

وما رواه أحمد عن تميم الدارمى يؤيده ما رواه عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “ لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام يعز عزيزاً ويذل ذليلاً، أما الذين يعزهم الله فيجعلهم من أهلها وأما الذين يذلهم الله فيدينون لها “ [ رواه ابن حبان كما فى الزوائد للهيثمى رقم (1621) وجماعة . راجع الأحاديث الصحيحة للألبانى (1 / 7) ] .
وكذلك ما رواه عن قبيصة بن مسعود: صلى هذا الحى من محارب ـ اسم قبيلة ـ الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن
عمالها ـ أمراءها ـ فى النار إلا من اتقى وأدى الأمانة “ .
ويقول صاحب المنار فى نهاية تفسيره لقوله تعالى: “ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم .. “: اعلم أن الاستدلال بما ورد من أخبار وآثار فى تفسير هذه الآية لا يدل هو ولا غيره من أحاديث الفتن على أن الأمة الإسلامية قد قضى عليها بدوام ما هى عليه الآن من الضعف والجهل كما يزعم الجاهلون بسنن الله اليائسون من روح الله، بل توجد نصوص أخرى تدل على أن لجوادها نهضة من هذه الكبوة، وأن لسهمها قرطة بعد هذه النبوة كالآية الناطقة باستخلافهم فى الأرض ـ سورة النور ـ فإن عمومها لم يتم بعد، وكحديث “ لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً، وحتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق “ رواه أحمد ..
“ والشطر الأول منه لم يتحقق بعد، ويؤيده ويوضح معناه ما صح عن مسلم من أن ساحة المدينة المنورة سوف تبلغ الموضع الذى يقال له اهاب، أى أن مساحتها ستكون عدة أميال، فكونوا يا قوم من المبشرين لا من المنفرين .. “ ولتعلمن نبأه بعد حين “ .
وخطأ كثير الشراح جاء من فهمهم أن ترك الشر هو غاية التدين وأن اعتزال الفتن هو آية الإيمان .
وهذا عجز سببه ضعف الهمة وسقوط الإرادة .
وإنى لأذكر فيه قول المتنبى:
إنا لفى زمن ترك القبيح به
من أكثر الناس إحسان واجمال

أجل، فإن ترك الصغائر غير بلوغ الأمجاد، وتجنب التوافه والرذائل غير إدراك العظائم وتسنم الهام، والتلميذ الذى لا يسقط شىء والذى يحرز الجوائز شىء آخر !
والرسول الكريم عندما يأمرنا باعتزال الفتن لا ينهى واجبنا عن هذا الحد ..
سوف يبقى بعد ذلك الاعتزال الواجب بناء الأمة على الحق ومد شعاعاته طولاً وعرضاً حتى تنسخ كل
ظلمة ..
ولا نمارى فى أن تصدعات خطيرة أصابت الكيان الإسلامى قديماً وحديثاً .. بيد أن الضعاف وحدهم هم الذين انزووا بعيداً يبكون، ويتشاءمون، وينتظرون قيام الساعة !!
أما الراسخون فى العلم فقد أقبلوا على رتق الفتوق، وجمع الشتات، وإعادة البناء الشامخ حتى يدركهم الموت أو القتل وهم مشتغلون بمرضاة الله، حتى يبلغ الإسلام مواقع النور والظل من أرض الله أو كما قال الرسول العظيم “ ما بلغ الليل والنهار “ ..

قال الإنسان وقال الحيوان
نحن نعلم أن عدداً من حملة الأقلام قد صنعت رؤوسهم خارج هذه البلاد، وأن تصورهم لكثير من الحقائق وحكمهم فى كثير من القضايا لا صلة له بتراثنا ولا ارتباط له برسالتنا، وأن آخر ما يكترثون له أو يهتمون به هو الإسلام وحاضره ومستقبله، وإن كانت أسماؤهم إسلامية .
وكنت أحسب أن معركة المصير بيننا وبين بنى إسرائيل ستكرههم على مراجعة أنفسهم وتصحيح أخطائهم، ولكننى كنت واهماً .
لقد استيقظ بنو إسرائيل وهاجت فى دمائهم غطرسة الماضى، وانحرافات التدين ولوثات التعصب، وهجموا على بلادنا يبغون محو أمة وحضارة، وفى أيديهم كل ما استحدث العلم من أدوات الفتك !
وفى ملاقاة هذا العدوان تقرأ لكاتب روايات مصرى إنه مسرور من الجيل الحاضر لأنه يحسن الرقص والغناء !
قبحك الله من كاتب مكفوف البصيرة !
وفى هذا الاتجاه الضرير ينشر كاتب آخر مقالات مسهبة عن “ الشخصية المصرية “ يمهد فيها طريق الشهوة ويرسم لها الأهداف الوضيعة .
وتستغرب وأنت تقرأ فى صحيفة الأهرام مقالاته، فى أى عصر يعيش هذا الكاتب، ولأى جيل يكتب ؟
نعم لقد ذهب “ توفيق الحكيم “ إلى باريس لا ليسأل: كيف دخل الفرنسيون النادى الذرى ؟ ولا ليبحث كيف يحاول جواسيس الصهيونية سرقة أسرار طائرات “ الميراج “ ؟ ولا ليحقق كيف أقامت فرنسا قوة ثالثة تريد أن تضارع جبابرة الأرض ؟ لا .. إن شيئاً من ذلك لا يعنيه .
إنه ذهب ليزيد القراء العرب فهماً فى الأمور الجنسية، وليمد حريق الشهوات بوقود جديد يأتى على الأخضر واليابس ..
ذكر لنا الكاتب الجاد الناضج كيف أن زوجين لم يحسنا الوقاع ! وكيف أن طبيباً عالجهما حتى أحسناه ! وكيف شاهد مع الجمهور الفرنسى على “ شاشة المسرح “: التطبيق العملى من الزوجين لما سمعاه وعرفاه من الطبيب، فظهرا عاريين يمارسان هذه العلاقة فى أتم وأكمل وجوهها “ !
ويمضى كاتب الأهرام الوقور فى عرض ما راقه من صور فرنسية فيقول: “ صادقت فى الحى “ سينما “ أخرى تعرض قصة عنوانها “ الزواج الجماعى “ .. جماعة من الأزواج الشباب اتفقوا بينهم على أن يعيشوا فى حياة مشتركة وأن يتقاسموا بينهم كل شىء وأن يناموا فى حجرة واحدة، ونساؤهم مشاع لمن شاء منهم، للزوج أن يعاشر من تروق له من زوجات زملائه، وللزوجة أن تختار ما تريد من أزواج زميلاتها، كل ذلك بالرضا التام من الجميع، وكأن الأمر رغيف خبز تتناوله الأيدى والأفواه .. ثم شاهدنا هذه العلاقات الجنسية تتم أمامنا بكل تفصيلاتها التى تخدش الحياء .. “ الخ .
ونترك صورة هذا القطيع من الفتيات والفتيان المتصالح على الزنا الجماعى أو على الفسوق القذر .. لنترك هذا القطيع فى جوه المنتن لنقرأ كاتب الأهرام الفيلسوف “!” وهو يقرر رأيه فى هذا الموضوع .. قال “ جعلت أفكر فى الأمر مستعرضاً ما سبق من حضارات كبرى فوجدت بعض التشابه . إن سمة الحضارة فى كل عصر هى البحث عن الحقيقة، ولا حياء فى البحث عن الحقيقة، خصوصاً ما يتعلق بالإنسان وأسباب وجوده المادى والروحى، فكانت حضارة مصر القديمة والهند ترسم وتنحت فى المعابد بعض الأعضاء التناسلية رمزاً للحياة .. بل إن كتب الأدب العربى القديم لأمثال الجاحظ وابن عبد ربه كانت تتحدث عن الجنس كما تتحدث عن الطعام، وأكثر هذه الكتب لا يخلو من باب للطعام وباب للباه، وما كان أحد وقتئذ يرى فى ذلك بأساً ولا حرجاً، ولكن يظهر أنه عندما تأخذ الحضارات فى الانحطاط تكثر المحظورات، وتسدل البراقع على كثير من الموضوعات، إلى أن تمتد إلى روح المعرفة وعادة البحث فتصيبها بالشلل وبهذا يقتل العلم وتخسر الحضارة “ .
هذا هو فكر كاتب الأهرام الكبير ودرسه لتاريخ الحضارات السابقة واللاحقة ..
وظاهر من أسلوب الكاتب أنه لا يدرى شيئاً عن قضايا الحلال والحرام، ولا عن شرائع السماء فى السلوك الخاص والعام، ولا عن الطور العصيب الذى يمر به تاريخ العرب، بل سنرى أنه لا يدرى عن تاريخ الحضارات البشرية إلا هذه الأجزاء المبتورة عن التماثيل المقامة لأعضاء التناسل، واقتران الطعام بالباه فى كتب الأدب العربى القديم !!
ومع هذا التطور المزرى فهو كاتب كبير يملك حق التوجيه للأجيال الجديدة من أعلى المنابر .
إن علماء الدين ما نادوا فى بلادنا يوماً ما بكبت الغريزة الجنسية، ونحن نقدس فطرة الله التى فطر الناس عليها، ونحترم رغبة الذكر والأنثى فى لقاء مقنع مشبع، وسبيل ذلك الزواج فحسب ..
أما تيسير الزنا وتكثير أسبابه وتمهيد سبله وقبول نتائجه فهو ارتكاس إنسانى يصحب الأمم عندما تبدأ شمسها فى الغروب .
وتاريخ الأمة العربية والإسلامية معروف بأنه لم يعترف بالرهبانية كما لم يعترف بتبرج الجاهلية واستباحة الأعراض على نطاق ضيق أو واسع، فوصف الزنا العام بأنه زواج جماعى كلام قذر، وأى تمهيد لقبوله ـ كما ألمح الكاتب ـ مردود فى وجه صاحبه .
ثم إن العرب خلال هذا القرن قد حاقت بهم رزايا متلاحقة ثم استطاع عدوهم أن يضع أصابعه على مقاتلهم، وها هو يشد قبضته على خناقهم ليوردهم الحتوف .
وصيحة العلم والإيمان التى ارتفعت بيننا الآن هى أمل الحياة، فلحساب من تغرى أفواج الشباب بالانحلال والتردى، ويحددها كاتب مسلوخ عن الإيمان والعقل لتنسى ربها وشرفها ويومها وغدها !
نحن نعلم أن أوربا ارتقت فى العصور الأخيرة ارتقاءً بعيد المدى، لكنه من أكذب الكذب أن يجىء بعض الكتاب المصريين ليزعموا أن سبب ارتقائها هو انسلاخها عن مناهج الفطرة ومقتضيات الأدب .
إن أسباب النهوض شىء ومظاهر الانحلال شىء آخر، ولكى نعرف تفاهة كتابنا وانحدارهم الذهنى والنفسى ننقل إليك ما كتبه المؤرخ الإنجليزى الكبير “ أرنولد توينبى “ لتدرك منه حقيقة ما يتعرض له الكيان الأوربى من أخطار .
إن الأمراض التى يتعرض لها هذا الكيان المهتز هى هى “ الخصائص البراقة “ التى يريد نقلها إلى بلادنا كتاب تائهون مثل توفيق الحكيم وغيره من ذوى الأسماء والمناصب !
قال توينبى [ نشر المقال بالإنجليزية مجلة الإسلام الباكستانية، وترجمته إلى العربية مجلة رسالة الإسلام العراقية التى تصدر عن كلية أصول الدين ببغداد، والمقال طويل نقلنا منه نبذاً ] تحت عنوان درس من التاريخ للإنسان المعاصر:
“ لقد فشلت جميع جهودنا لحل مشكلاتنا بوسائل مادية بحتة، وأصبحت مشروعاتنا الجريئة موضع سخرية ! إننا ندعى أننا خطونا خطوات كبيرة فى استخدام الآلات، وتوفير الأيدى العاملة، ولكن إحدى النتائج الغريبة لهذا التقدم تحميل المرأة فوق طاقتها من العمل، وهذا ما لم نشهده من قبل، فالزوجات فى أمريكا لا يستطعن أن ينصرفن إلى أعمال البيت كما يجب ..
“ إن امرأة اليوم لها عملان: العمل الأول من حيث هى أم وزوجة، والثانى من حيث هى عاملة فى الإدارات والمصانع، وقد كانت المرأة الإنجليزية تقوم بهذا العمل الثنائى فلم نؤمل الخير من وراء عملها المرهق، إذ أثبت التاريخ أن عصور الانحطاط هى تلك العصور التى تركت فيها المرأة بيتها ..
“ فى القرن الخامس قبل الميلاد حين وصلت اليونان إلى أوج حضارتها كانت المرأة منصرفة إلى عملها فى البيت، وبعد مجىء الإسكندر الكبير وسقوط دولة اليونان كانت هناك حركة تسوية شبيهة بالحركة التى نشهدها اليوم ! ..
“ لقد نسوا الله (والكلام لتوينبى) حين وضعوا حلولاً لمعالجة الأمراض الاجتماعية انتهت بالأمم إلى علل مستعصية ومآس كبيرة ..
“ إن عصر الآلة أوجد لنا نقصاً لم يسبق له مثيل، نقصاً فى المساكن مثلاً، وخلق لنا فترات متناوبة من البطالة، ونقصاً فى الأيدى العاملة “ .
ويقول توينبى: “ لقد مشى الإنسان قديماً فى الطريق الذى مشى فيه اليوم، ووضع القواعد نفسها لتنظيم السير والمرور، والفرق الوحيد أن الأوائل استخدموا عربات الخيل بدل السيارات، وأن مخالفة تعليمات المرور لم تكن مروعة ومميتة كما هى اليوم ..
“ إن التقدم الفنى والصناعى ليس بحد ذاته دليل الحكمة أو ضمان البقاء، وإن الحضارات التى انبهرت وقنعت بمهارتها الآلية إنما كانت تخطو خطوة نحو الانتحار ! ..
“ إن أحد مصادر الخطر على عصرنا الحاضر هو أننا تربينا على عبادة الوطن وعبادة الراية وعبادة التاريخ الماضى ـ العنصرى ـ ويجب على الإنسان أن يعبد الله وحده وأن يتمسك بالقانون الإلهى فى تكامل الفرد والمجتمع، وإن فشلنا لمحتم عندما نحيد عنه “ هكذا يقول توينبى .
ومن عباراته فى هذا المقال: “ لقد أقنعتنى دراستى لإحدى وعشرين حضارة أن الثقافة الخلاقة هى فقط الثقافة الصحيحة، تلك التى تتمكن من حل المشكلات المستجدة فى الظروف المختلفة ..
“ إن التقدم العلمى الحديث قد حل مشكلاتنا الصناعية بجدارة ..
“ ولكن مشكلات العصر ليست من ذلك النوع الذى يحل فى المختبرات، إنها مشكلات معنوية، ولا علاقة للعلم بالقضايا المعنوية “ .
يعنى: أن الأمر فى هذه الأحوال لمنطق الإيمان، ولذلك يقول:
“ قد يبدو هذا غريباً ولكن المدنيات الكبيرة بلغت نضجها وضمنت تكاملها بالتغيير الروحى “ !
نقول: إن المؤرخ الأوربى الغيور على حضارته يلمح أسباب اعتلالها ويصف الدواء بحذق، أما الصحافى المصرى فهو يذهب إلى مسرح عابث فيصفه بإعجاب، ويتذكر أن مصر والهند كانتا قديماً تقيم التماثيل لأعضاء التناسل !!
أى فكر هذا ؟ وكيف تتداعى المعانى المثيرة على هذا النحو فى ذهن أديب لتنشرها صحيفة كبرى ؟
ومتى ؟ فى أيام استعداد العرب لجولة أخرى مع بنى إسرائيل يحررون بها أرضهم ويدركون ثأرهم !
ما ننتظر غير هذا من أقلام شبت على العبث وشاخت فيه .. بيد أننا نلفت الشباب المسلم إلى حقائق قد تغيب عن ذهنه فى غمرة الأحداث .
إن أعيننا ترمق قوماً يكرهون الإسلام من أعماق قلوبهم ويتحينون الفرص للتنفيس عن ضغنهم بوسيلة أو أخرى .
وهؤلاء يغضبون عندما ننتسب ـ مجرد انتساب ـ إلى الإسلام ولا يتحركون أية حركة إذا تعصب المتعصبون لأية نحلة أخرى على ظهر الأرض .
على الشباب المسلم أن يرمق هؤلاء بحذر وأن يدرك ما فى خباياهم من سواد ..
فى يوم ما جاء إلى صحن الأزهر وفد يجمع بين جان بول سارتر وسيمون دى بوفوار ولويس عوض وتوفيق الحكيم وآخرين لا أذكرهم ..
كان فيلسوف الوجودية وعشيقته مدعوين لزيارة القاهرة وإلقاء محاضرات بها ..
من الذى استقدم إلى عاصمة العروبة والإسلام هذا الفرنسى الكفور ليلقى فيها بذور انحلاله ؟!
لا يهم أن نعرف الأشخاص، وإنما المهم أن نحذر النيات المبيتة وأن نتقى التوجيهات المسمومة وأن نتبين الدائرة الواسعة التى يعمل فيها عدونا، لهدم عقائدنا ودك حصوننا فإن هؤلاء الأعداء كثيرون “ ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم “ .

حول خرافة تحديد النسل
قرأت مقالاً عن “ الانفجار السكانى وإمكانات التحكم “ نشرته صحيفة الأهرام يوم الجمعة 2 / 1 / 1970 ولا أكون مغالياً إذا وصفت هذا المقال بأنه صائب الفكرة عميق النظرة مملوء بالحقائق الجديرة بالاحترام .
ولقد لفت عدداً من الدعاة المسلمين وعلماء الدين إلى هذا المقال لأنه يصور فى نظرى عودة أفكار سبق أن كتبتها ووقفت عندها، ورأى جمهور المسلمين أنها التعبير الحق عن أحكام دينهم ونهج حياتهم، وإن كان البعض قد مارى فيها مراء يعلم الله بواعثه !
والكاتب بعد مقدمات جيدة حول مشكلة النسل يقول:
إن تفسير الزيادة السكانية بغير التخلف الاقتصادى، أو رد هذه الزيادة إلى عوامل أخرى .
مثل غلبة الغريزة الجنسية،
أو وجود الأديان المحبذة للتناسل،
أو عدم المبالاة بالرقى ..
يدخل فى باب التضليل العلمى !
وقد استخلص هذه النتيجة الصادقة من جملة ملاحظات علمية واجتماعية جديرة بالتأييد الحار .
ويعجبنى أنه استهجن صيحات التشاؤم المفتعلة التى تخصص فى إرسالها بين الحين والحين نفر من مقلدى الأساليب الأمريكانية فى الإحصاء الجزئى والحكم العام، وهى أساليب تخدم سياسة معينة من البيانات والبلاغات التى يتبرع بها نفر من نجوم الرأى الأمريكيين يزعمون فيها أن العالم قد بلغ فى مسيرته نحو كارثة “ اللاعودة “ .
بسبب الزيادة المفرطة فى سكانه، تلك الزيادة التى نشأت من أن أقطار العالم الثالث ـ الذى يضم عشرات من الدول النامية أو بتعبير آخر عشرات من الدول المتخلفة ـ لم تكبح جماح شهواتها الجنسية، ولم تستجب لدعوة المندوب الأمريكى إلى “ تخطيط “ أو تحديد النسل الذى رأى سيادته أنه الطريق الوحيد لحسم المشكلة السكانية ..
بل لم يستح نفر من قادة الرأى فى الولايات المتحدة أن ينادوا جهراً بضرورة استخدام القسر فى الحد من هذا التفوق العددى للمراتب السفلى من البشر(!) بالقدر الذى يمنع دفع المراتب الأعلى إلى الخلف!
ولما كانت نسبة الأولاد تكاد تكون ثابتة من عشرات السنين فإن الزيادة المحذورة نشأت للأسف من قلة الوفيات بسبب ارتفاع المستوى الصحى فى أرجاء العالم .
والحل ؟
إنه عند أرباب الثقافة الغربية الرفيعة عدم مقاومة العلل بين شعوب لا تجد الأكل، وترك الأمراض تفتك بهذه الأجيال الوافدة فإن إقحام طوفان من الأطفال الجياع على اقتصاد مضطرب يهدد بكارثة !
لكن كيف يوصف هذا التصرف ؟
إنه تصرف “ إنسانى “ عادى (!) لأنه يساعد الطبيعة على انتخاب الأصلح وإبقاء الأقوى !
بل إن هذا التصرف يتفق مع أرقى ثمرات الفكر الإنسانى، ألم يقل أفلاطون فى جمهوريته الفاضلة أنه يجب قتل كل طفل يزيد عن العدد الضرورى ؟ ونحن قد وصلنا بالفعل إلى ما يزيد عن العدد الضرورى .
ويستتبع الفكر الغربى أحكامه على الأمور، فيقول الدكتور “ هوايت ستيفنز “ أحد خبراء علم الاجتماع: إن يوم القيامة سيوافق 13 / 11 / 2026 لأن المجاعة العالمية فى هذا اليوم ستقضى على الجميع، هكذا يقول الدكتور الألمعى بعد حساب وفق قواعد علم الاجتماع لا قواعد علم التنجيم !
وبناء على هذا الهوس الإحصائى يدعو الأمريكيون إلى التعقيم الإجبارى وإلى فرض نظام صارم لتحديد النسل، وإلى دعوة الأمم المتحدة إلى إجراء ما كى ينخفض عدد الأولاد بين العرب والزنوج والهنود وأشباههم وهم سواد العالم الثالث .
ويلاحظ الأستاذ كمال السيد ـ كاتب المقال ـ أموراً ذات بال منها أن الولايات المتحدة تنفق 70 ألف مليون دولار على معدات القتال وأن شركاتها المحتكرة تعامل شعوب العالم الثالث بنهم مستغرب لا مكان معه للرحمة بهؤلاء الجياع المساكين .
ويقول “ وهناك صيغة شائعة فى أمريكا الجنوبية فحواها “:
أن خمسة من سكانها يموتون جوعاً كل دقيقة فى حين أن الشركات الأمريكية العاملة بها تكسب خمسة آلاف دولار كل دقيقة أى ألف دولار من كل ميت .. !
ومع شعورنا بأن الكاتب يسارى النزعة إلا أننا نعرف أن المساعدات الأمريكية مغشوشة النية سيئة الهدف فقد توزع على الأطفال مقادير من الألبان والجبن، ولكنها تفرض على بيئتهم قيود الفقر الأبدى إلى هذا النوع من المساعدات .
وبرامج النقطة الرابعة توزع المواد الاستهلاكية وحسب على الأمم المتخلفة وتمتنع امتناعاً غريباً عن تصنيع البيئة وإعانتها على أن تخدم نفسها بنفسها، وتستغل مواردها الوطنية بقدراتها الخاصة !
كأن شعوب هذا العالم الثالث ـ كما تسمى ـ ينبغى أن تظل مشلولة المواهب مكشوفة العجز، لا تستطيع الانتفاع بما لديها من خبرات .
وعليها ـ بعد ـ أن تسمع الحكم بأن التعقيم الإجبارى واجب، وأن تحديد النسل فريضة وإلا قامت القيامة بعد كذا من السنين !
ويتلقى هذا الكلام بعض قصار العقل فيطيرون به هنا وهناك ينذروننا بالويل والثبور وعظائم الأمور فإذا حاولنا التفاهم معهم قالوا: إنكم رجعيون تائهون عن مقررات علم الاجتماع، وأخطار يوم القيامة الذى سيجىء حتماً من زيادة السكان !
ولنتناول الآن صميم المشكلة . هل حقاً أن بلاد العالم الثالث لا تكفى حاجات أهلها وبالتالى لا تتسع لمزيد من الأفواه التى تطلب القوت والأجساد التى تطلب الكسوة ؟
تلك هى الأكذوبة الكبرى التى يضخم الاستعمار صداها ويزعج الدنيا طنينها !
إن أقطار العالم الثالث مشحونة بخيرات تكفى أضعاف سكانه، بيد أن هذه الخيرات تتطلب العقول البصيرة والأيدى القديرة .
ولو رزقت هذه الأقطار المنكودة إنسانية نزيهة تستهدف إيقاظ الملكات الغافية والحواس المخدرة، وتطارد الخمول والوهن وتجند القدرات والخيرات، وتمنع التظالم والترف، وتضرب سياجاً منيعاً حول مصالح الشعوب يرد عنها غوائل الاستعمار بجميع أنواعه لكانت هذه الشعوب تحيا فى رغد من العيش تحسدها أقطار الغرب عليه ..
ليست المشكلة اقتصادية كما يزعم الخبثاء من المستعمرين، ومقلدوهم من الصياحين الذين يهرفون بما لا يعرفون .
الفقر فقر أخلاق ومواهب لا فقر أرزاق وإمكانيات !
ـ لماذا يكون المولود القادم أكالاً لا شغالاً، مستهلكاً لا منتجاً، عبئاً على الحياة لا عوناً على الحياة ؟
ـ لماذا تهون الإنسانية فى شأن هذه الأجيال الوافدة فيكون وجوده مبعث قلق لا مثال استبشار .
إن الجهود المادية والمعنوية التى يبذلها المتشائمون لقتل هذه الأنفس أو للحيلولة دون وجودها لو بذلت فى تصحيح الأخطاء الاجتماعية وتقويم الانحرافات العقلية لكانت أقرب إلى الرشد وأدنى إلى الغاية !
ولكن الاستعمار الأنانى الشره يريد التهام كل شىء لنفسه وحده، بل الأنكى من ذلك أنه يعترض طريق كل نهضة تصحح الأوضاع كى تبقى الأمور كما هى ويبقى منطقه السقيم فى علاج الأمور .
على أن تخلف العالم الثالث ليس علة أزلية ولا أبدية فقد كان الأوربيون والأمريكيون أسوأ حالاً منذ قرون تعد على الأصابع، وكانت الخرافة تفتك بعقولهم فتك الأدران والعلل بأجسامهم، فإذا صعدوا فى سلم الترقى وهبط غيرهم بعد رفعة أو بدأ لأول مرة يخطو على درب المدنية فلا معنى للاحتيال عليه والتشفى منه .
“ كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم “
والأمر لا يستدعى أكثر من تغيير الظروف المؤثرة فى أحوال المجتمعات فهناك مكان ينبت العز ـ كما يقول المتنبى ـ ومكان ينبت الذل . وهناك آخر يوقظ العقل أو ينيمه .
والمعتوهون الذين يصرخون جزعين: قفوا نسل الأرانب حتى لا تقول الساعة، أو حتى ترقى الأمة .. لا يعلمون أن العالم الثالث لن يرقى ولو فقد تسعة أعشار عدده ما بقيت ظروف النفسية والفكرية جامدة على أوضاعها الحالية .
ونعود مع كاتب الأهرام لنبصر الواقع حيث يقول:
“ إن موارد العالم خصوصاً موارد البلاد المتخلفة ما زالت تفوق كثيراً زيادة أعداد السكان، فالفائض الاقتصادى المحتمل يمكن تحويله إلى ضروب من النشاط المنتج بدلاً من أن يذهب إلى جيوب المرابين والوسطاء وملاك الأرض أو يتبدد فى وجوه السرف المختلفة ..
“ وهذا الفائض هو ما يعرفه الاقتصاديون بأنه الفرق بين الإنتاج فى ظروفه الطبيعية وبين ما يعد استهلاكاً ضرورياً للجماعة المنتجة، ويقدر هذا الفرق بنحو 20 % من الإنتاج القومى، وهو يكفل عند استثماره زيادة سنوية فى الدخل تبلغ 8 %، وهذه الزيادة تكفى بل تفيض عن متطلبات الزيادة السكانية “ .
الفقر الواقع أو المتوقع لا يعود إذن إلى علل طبيعية بل إلى سوء تصرف واضطراب إدارة، أو كما يقول الاقتصادى الأمريكى المشهور “ بول باران “: “ إننا يجب أن ندق ناقوس الخطر لا لأن القوانين الأبدية فى الطبيعة قد جعلت من المستحيل إطعام سكان الأرض بل لأن النظام الاقتصادى الاستعمارى يحكم على جموع كثيفة من الناس ـ لم يسمع بضخامتها من قبل ـ أن تعيش فى كنف الفاقة والتدهور والموت قبل الأوان “ !
ثم أنهى الكاتب كلمته قائلاً: “ إنه لا حل لمشكلات التخلف ومن بينها ضغط السكان على الموارد إلا بتنمية بلدان العالم الثالث لثرواتها، ومضاعفة اعتمادها على نفسها .. ثم على القدر الميسور من المعونات الأجنبية المنزهة “.
لقد قررت هذه الأحكام تقريباً فى كتابى “ من هنا نعلم “ المطبوع من ربع قرن، ولذلك فقد انشرح صدرى عندما قرأت هذه الأيام ما يزيد الحق وضوحاً ..
وما يبدد ضباباً كثيراً نشره فى أفق الحياة العامة أقوام قصار الباع طوال الألسنة، وإنى ـ إذ أؤكد المعانى
الآنفة ـ أوجه كلمة إلى نفر من المتحدثين باسم الإسلام أساءوا إلى حقائقه مراراً وهزموه فى مواطن كثيرة ..
إن الإسلام ليس هو بالدين المحلى لأهل الوجهين البحرى والقبلى، إنه دين القارات الخمس ! وداره الرحبة الخصبة تمزج بين أجناس كل هذه القارات فى أخوة جامعة لا تعرف الحدود الضيقة المفتعلة التى صنعها الاستعمار فكيف يعالجون مشكلة السكان وهم لا يدركون هذا الأساس المبين ؟
ثم إن هذا الدين يتعرض لحرب إبادة فى هذه الأيام من تحالف الصهيونية والاستعمار، فكيف تصدر الأوامر من رؤساء الأديان بتكثير الأتباع، ومباركة النسل، ويفتون هم بالتعقيم والتقليل ؟
إننى لا أدرى علة هذا الزيع ؟ أهى قلة العلم أم ليونة الضمير ؟
وتحذير آخر إلى هؤلاء: إن أحدهم يقع على الكلمة منسوبة إلى عمرو بن العاص أو غيره من الرجال فيطير بها غير آبه بقيمة سندها ولا مكترث بأنها ملتقطة من كتب تجمع الجد والهزل والخطأ والصواب ..
ولو فرضنا جدلاً نسبتها إلى عمرو، فما كلام عمرو بالنسبة إلى كلام الله ورسوله ؟
أرجو بعد كلمة الأهرام التى لخصتها فى مقالى أن تنتهى هذه المأساة ..

محنة الضمير الدينى هناك !
هذه سياحة سريعة داخل أقطار الفكر الدينى الغربى . ستفجؤنا أحكام ينقصها السداد، ومؤامرات يحبكها القدر، وضغائن لا تزال عميقة على طول العهد وامتداد الزمان !
ومن حقنا نحن المسلمين ـ وقد لفحتنا حرب بقاء أو فناء ـ أن ندرس الجبهة التى مسنا عدوانها وأن نزن ببصر حديد طبيعة العواطف الدينية التى تكمن أو تبرز خلف أحداث لا تبدو لها نهاية قريبة !
ولنبدأ بمقال نشرته مجلة كاثوليكية تطوعت بإسداء نصائحها الغالية لإسرائيل، وليست هذه النصائح الغالية أن يعترف اليهود بحق العرب وأن يعودوا من حيث جاءوا تاركين البلاد لأصحابها .. لا !
إن الضمير الدينى عند الصحيفة المتدينة جعلها تسدى نصحاً من لون آخر، لقد قالت لليهود:
“ إننا احتللنا فلسطين قبلكم، وبقينا فيها سنين عدداً، ثم استطاع المسلمون إخراجنا وتهديم المملكة التى أقمناها ببيت المقدس، وذلك لأغلاط ارتكبناها، وها نحن أولاء نشرح لكم تلك الأغلاط القديمة حتى لا تقعوا فيها
مثلنا ! ..
“ استفيدوا من التجربة الفاشلة كى تبقى لكم فلسطين أبداً ويشرد سكانها الأصلاء فلا يخامرهم أمل العودة !”
وشرعت الصحيفة التقية تشرح: لماذا انهزم الصليبيون الأقدمون وتوصى حكام “ إسرائيل “ بأمور ذات بال، وتحرضهم فى نذالة نادرة أن يوسعوا الرقعة التى احتلوها، وأن يستقدموا أفواجاً أكثر من يهود العالم، وأن يحكموا خطتهم فى ضرب العرب ومحو قراهم وإبادة خضرائهم، وبذلك يستقر ملك إسرائيل ويندحر الإسلام والمسلمون .
وهاك أيها القارئ عبارات المقال الذى نشرته مجلة “ تايلت “ الإنجليزية الكاثوليكية للكاتب (ف . س اندرسون) فى العدد الصادر فى 26 / 10 / 1957 .
يقول الكاتب المذكور “ إن نظرة واحدة إلى خارطة حدود إسرائيل الحالية تعيد إلى الذاكرة للفور أوجه الشبه القوية بين تلك الحدود وحدود مملكة الصليبيين التى قامت عقب احتلال القدس 1099 م ..
“ ونظراً إلى الأعمال العدائية بين إسرائيل وجيرانها نرى من المفيد أن نقارن بين الحالة العسكرية الراهنة وبين مثيلاتها فى أيام الصليبيين، ولعلنا نرى ما إذا كان سيتاح لإسرائيل خط أفضل مما كان للصليبيين القدامى أم سيلقون مصيرهم ؟ ..
“ إن مملكة الصليبيين لم يكتب لها البقاء إلا أمداً قصيراً وقد مكثت ثمانية وثمانين عاماً فقط ثم استرد المسلمون القدس ! ..
“ ومع أن المسيحيين نجحوا فى الاحتفاظ بقطاع صغير شرقى البحر المتوسط مدة مائة عام أخرى إلا أنهم فشلوا فى الدفاع عن عكا أخيراً وأخذوا يغادرون هذه البلاد تحت جنح الظلام عائدين إلى أوروبا ..
“ إن سقوط تلك المملكة كان يعود إلى بضع نقائص ظاهرة فإذا أريد لإسرائيل أن تعيش مدة أطول فما عليها إلا أن تحتاط ضد هذه النقائص ..
“ لقد دخل الصليبيون فلسطين فى ظروف ملائمة جداً لهم، تميزت بوقوع الفرقة بين المسلمين، وعجزهم عن إقامة جبهة مقاومة موحدة ! ..
“ وهكذا استطاع المهاجمون أن يهزموا المسلمين بسهولة، دويلة بعد دويلة، وأن يمكنوا لأنفسهم فى الأقطار التى فتحوها غير أنه لم يمض وقت طويل حتى ظهر زعيم عسكرى مسلم استطاع أن يوحد المسلمين أمام خصومهم بسرعة، ثم حشد قواهم فى معركة حطين وأصاب الصليبيين بهزيمة ساحقة تقرر على اثرها مصير القدس، بل انحسر بعدها المد الصليبى جملة، ودخل صلاح الدين الأيوبى مدينة القدس التى عجز أعداؤه عن استبقائها أو استعادتها فتركوها يائسين “ .
يقول الكاتب الكاثوليكى: “ كان الصليبيون يستطيعون البقاء مدة أطول فى تلك البلاد لو لم يعانوا نقصاً شديداً متواصلاً فى الرجال، ولو أنهم وسعوا حدود مملكتهم وفق ما تمليه الضرورات العسكرية الماسة، لماذا لم تحتلوا دمشق ؟ لقد كان احتلال دمشق مفتاح مشكلتهم وضمان بقائهم ! وسيظل عدم تقديرهم لهذه الحقيقة
لغزاً لنا ؟ ..
“ نعم إنهم بذلوا جهوداً واهية لاحتلال تلك المدينة بيد أن محاولاتهم كانت من الضعف بحيث كتب عليها بالفشل “ .
وبدلاً من أن يتابعوا جهودهم لاحتلال دمشق اتجهوا جنوباً واحتلوا العقبة وشرعوا يوجهون حملاتهم إلى مصر، مع أن الإشراف على النيل هدف عسير التحقيق !!
وعندما أصبحت للمسلمين اليد العليا فى ذلك العهد استطاعوا إجلاء الصليبيين عن العقبة وعن سائر حصونهم فى الجنوب، إلا أن الكارثة الكبرى جاءت من الشرق، فإن معركة حطين وقعت بالقرب من طبرية عند الزاوية الشمالية الشرقية لمملكة الصليبيين ..
ولما كانت دمشق والأرض الممتدة بين الأردن والصحراء السورية ملكاً للمسلمين فقد استطاعوا أن يتحركوا بحرية على ثلاث جبهات حول المملكة الصليبية التى أضحت شبه محصورة .. وذلك ما أعجزها عن المقاومة !
يقول الكاتب الحزين لما أصاب أسلافه: “ ولو أن الصليبيين اندفعوا قدماً وقطعوا الممر الذى يؤدى إلى الشرق من دمشق لاستطاعوا منع مرور الجيوش والقوات بين سورية ومصر، ولكانت حدودهم الشرقية المستندة إلى الصحراء أكثر أماناً، ولأمكنهم الانتفاع من أساطيلهم البحرية “ .
ثم يستأنف الكاتب الحاقد كلامه فيقول: “ لقد أقيمت إسرائيل فى وقت كان العرب فى الدول المجاورة عاجزين عن القيام بعمل موحد، ثم بقدر كبير من الجهد والشجاعة استطاع اليهود أن يبلغوا حدودهم الحالية، لكن هذه الحدود تطابق حدود المملكة القديمة للصليبيين، وقد عرفنا مآلها فما العمل ؟ “ .
يقول الكاتب محرضاً اليهود على مزيد من العدوان: “ مرة أخرى ما لم تتحرك إسرائيل فى الاندفاع نحو دمشق فستبقى للعرب تلك الحرية الخطرة فى تنقيل قواهم حول ثلاث جهات من إسرائيل، وفى ذلك ما فيه “ .
ويستطرد: “ قد يكون من العسير سياسياً أن تتحرك إسرائيل لغزو سوريا واحتلال دمشق لكن الاتجاهات السياسية السورية قد تساعد على تسويغ ذلك، وإن مثل هذه النزهة الحربية (!) ستنطوى على فائدة دائمة لإسرائيل أعظم من الفائدة التى تجنيها من التغلغل فى صحراء سيناء “ .
ويختم الكاتب “ نصيحته “ لأصدقائه اليهود فيقول: “ إن إسرائيل لن تنقصها القوى البشرية فلديها جيش كبير بالإضافة إلى هجرة منظمة من جميع أنحاء العالم تمدها بكل ما تفتقر إليه من طاقات ويجب أن تظل قادرة على وضع جيش قوى فى الميدان يكون دائماً على أهبة الاستعداد “ .
لو أن كاتب هذا الكلام يهودى قح ما استغرب المرء حرفاً منه !
إن وجه العجب فى هذا التوجيه المشوب بالود لإسرائيل والبغض للعرب والمسلمين أن الكاتب مسيحى ينشر أفكاره فى مجلة كاثوليكية .
وهو يفكر ويقارن ويقترح كأن القضاء على العروبة والإسلام جزء من عقله الباطن والظاهر، ثم هو لا يشعر بذرة من حياء فى إعلان سخائه . إن مشاعر البغضاء المضطرمة فى جوفه تغريه بالاسترسال والمجازفة دون أن تهيب، ويحزننا أن الكلام ليس إبداء لوجهة نظر خاصة، فإن الكاثوليك فى أرجاء الأرض انتهزوا فرصة الضعف التى يمر بها الإسلام كيما يحولوها إلى هزيمة طاحنة وفناء أخير .
والروح الذى أملى بكتابة هذا المقال هو نفسه الروح الذى كمن فى مقررات المجمع المسكونى الذى عقده بابا روما وصالح فيه اليهود، وأمر الكنائس بعده ألا تلعنهم فى صلواتها .
وهو الروح الذى جعل “ البابا بولس “ يزور القدس ويدخل الأرض المحتلة ويتعامل مع سلطات إسرائيل، وهو تصرف لم يفعله أى بابا من مئات السنين !
وللقارئ المسلم أن يسأل: أذلك موقف الكاثوليك وحدهم ! أم أن أصابع الاستعمار الغربى قد أفسدت التفكير الدينى لدى كثير من المفكرين الغربيين .
قرأت كتاباً وجيزاً للمؤلف المصرى المنصف الدكتور وليم سليمان وردت به هذه الحقائق نذكرها مع تعليق سريع لا بد من إيراده . قال: “ فى ديسمبر سنة 1961 عقد مجلس الكنائس العالمى مؤتمره الثالث فى نيودلهى، وأصدر قراراً حدد فيه موقفه من اليهود جاء فيه: لا بد من تهيئة التعليم الدينى المسيحى وتقريبه للأذهان على وجه يبرئ اليهود من تبعات الأحداث التاريخية التى أدت لصلب المسيح إذ إن هذه التبعات تقع على
عاتق الإنسانية كلها (!) ..
“ وقد صرح الراعى البروتستانتى الأمريكى ل . ج . نبيت الأستاذ بمعهد اللاهوت بنيويورك قائلاً: إن الكنائس مسئولة بوجه خاص عن العداء للسامية فقد ظلت تعاليم المسيحية موجهة عدة قرون ضد اليهود وهو عداء يعد من مخلفات الأحقاد الدينية القديمة “ .
نقول نحن: وما ذنب المسلمين فى هذا ؟ وهل عرب فلسطين يدفعون ثمن هذا الخطأ الكنسى من وطنهم وكرامتهم وحاضرهم ومستقبلهم ؟
ذلك ما يريده مجلس الكنائس العالمى الموقر ! فإن هذا المجلس عقد مؤتمراً فى بيروت وزار أعضاؤه مخيمات اللاجئين ثم قرر أنه ليس هناك حل دائم لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين إلى أن يبت فى القضية الخاصة بالخلاف بين العرب وإسرائيل .
“ وقال المؤتمر “ الطيب القلب “: إن ذلك سيشمل خطة عامة لتعويض اللاجئين سواء عادوا إلى وطنهم أم لم يعودوا وإن هناك صدقات سوف يأخذها أصحاب الأرض والمطرودين ! ..
“ وفى سنة 1964 عقد مجلس الكنائس العالمى فصله الدراسى الثالث عشر “ بجنيف “ وافتتح الجلسة عميد الكلية اللاهوتية بجامعتها فقال لا فض فوه: حين تثور مشكلة اليهود فإن الكنيسة لا تستطيع أن تتجاهل ثقل مسئوليتها العظيمة عن آلامهم وضياعهم طول تاريخهم ولذلك فإن أول ما يصدر عنها نحوهم هو طلب المغفرة ..
“ يجب على الكنيسة أن تطلب المغفرة من اليهود !! بهذه العبارة الضارعة الذليلة يفتتح مجلس الكنائس العالمى الجلسة التى يحدد فيها موقف من دولة إسرائيل .. “ .
ونتساءل نحن مرة أخرى: أإذا أجرم غيرنا وجب علينا نحن القصاص ؟ “ ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً “ [ هود: 19 ] .
لقد فكرت فى هذا الأمر ملياً ! إن حقنا ليس غامضاً حتى يلتمس عذر لمستبيحه !
هل المال اليهودى من وراء هذه الذمم الخربة مهما كانت مناصبها الدينية ؟ ربما .
أم أن الضغائن العمياء على الإسلام وأمته سيرت الخطب والمقالات فى هذا المجال الفوضوى المكابر الوقح ؟ ربما .
لكن الدكتور وليم سليمان فى كتابه “ الكنيسة المصرية تواجه الاستعمار والصهيونية “ يذكر لنا كلاماً آخر يستحق الدرس والتأمل .
إنه ينقل عن مؤرخ الإرساليات “ ستيفن نيل “ هذه العبارات من تقرير له: “ لقد تيقن الرجل الغربى أن سجله الاستعمارى حافل بالعار وأصبح أقل ثقة مما كان فى وحدانية الإنجيل المسيحى ونهائيته، وفى حقه ـ أى حق الرجل الغربى ـ أن يفرض على ورثة الأديان العظيمة الأخرى شيئاً قد يثبت فى النهاية أنه ليس أكثر من خرافة غريبة a western myth ..
“ وبدأ فى أوساط رجال اللاهوت هجوم صريح على الألوهية بكل مظاهرها فى المسيحية ! وانتشر تيار فكرى يجعل نقطة بدايته “ موت الإله “ (!) وينادى بمسيحية لا دين فيها (!) وينادى بهذه الأفكار “ بنهوفر ويلتمان “ والأسقف الإنجليزى “ جون روبنسون “ ..
[ انظر على سبيل المثال كتاب روبنسون Honest To God الذى طبع منه فى مارس سنة 1962 أربع طبعات وفى أبريل سنة 1962 طبعتان وفى كل من مايو ويوليو وسبتمبر من نفس العام طبعة وكانت الطبعة العاشرة فى سبتمبر سنة 1964، وقارب عدد النسخ المطبوعة مليون نسخة، وعلقت عليه مجلة “ تايم “ فى 25 ديسمبر سنة 1964 ونيوزويك فى أبريل سنة 1966 ومجلات أمريكية أخرى كثيرة !! ]
“ ويخيل للمراقب من بعيد أن القوم يثورون على الإله لأنه تخلى عنهم وساعد أعداءهم “ .
ويستطرد الدكتور وليم سليمان فيقول عن الغربيين: “ الدين فى نظرهم لم تعد له قيمة فى ذاته، إنه شىء يمكن الاستفادة منه لتحقيق الأهداف الدنيوية التى ينشدها الغرب فى شتى أنحاء العالم “ .
وخلاصة هذا الكلام أن المسيحية انتحرت فى أوربا، فأى تدين هذا الذى ينخلع ابتداء من الإيمان بالحى القيوم، ويعتبر التعامل معه منتهياً لأنه تلاشى ومات .. !!
إن ذلك هو التفسير الحقيقى لانضواء رجال الكهنوت تحت راية الاستعمار، وركضهم الخسيس فى خدمة قضاياه ..
وعندما تتسابق شتى الكنائس لإرضاء إسرائيل وتعلق اليهود فهل يدل ذلك إلا على شىء واحد وهو أن رجال الدين باعوا ضمائرهم للشيطان .. ؟
إن العرب يتعرضون لإبادة عامة، والتفجيرات تنسف منازلهم وقد محيت قرى بأكملها من الوجود، والدفاع عن النفس يوصف بأنه إجرام وتمرد .
ووسط هذا الحريق المستعر يبارك ساسة إسرائيل، ويقول رجال الدين والدنيا: خلقت إسرائيل لتبقى ! فأين منطق الإيمان بالله واليوم الآخر فى تلك المداهنة وهذا الاستخذاء . ظاهر أن القوم قد تحولوا إلى سماسرة وعملاء للاستعمار العالمى .
واعتقادى أن هذه المحنة الرهيبة ستوقظ الإسلام النائم وإن كان غيرى يرى أن المادية المتربصة هى الكاسبة من خيانة الغرب لدينه ومثله .
ولا شك أن المستقبل محفوف بأخطار شداد، بيد أننا لن نفقد توازننا ولا ثقتنا فى أصالتنا الدينية ولا آمالنا فى جنب الله .
واعتقادى كذلك أن الاستعمار سيفشل فى محاولاته الدائبة لجر الكنائس الشرقية إلى جانبه وإشراكها فى مآسيه، وإذا كان قد ضلل البعض فإن الجمهرة الغالبة ستبقى على وفائها لتعاليمها ومواطنيها وتاريخها الصبور .

هذه المقررات لا نريد أن تنسى
أرسلت بصرى وراء طلاب بعض المدارس وهم منصرفون إلى بيوتهم . كان الصخب شديداً، والتدافع ظاهراً، والتصايح بالكلمات النابية مسموعاً ! لم تكن بالشارع أثارة من علم أو دلالة على جد ورشد !
ولست أستكثر على الصبية فرح الانطلاق والأوبة إلى الأصل، ولست أجهل طبيعة المرح فى مقتبل العمل وخفة التكاليف !
ولكنى لم أسترح للطيش البادى والمزح السخيف والألفاظ الماجنة إذا كنا نريد إعداد جيل صاعد فالأمر يتطلب سيرة وسريرة غير ما أرى .
لقد عرفت كثيراً من البرامج العلمية التى تدرس، ولا أزعم أنها قليلة، بل أشعر أن استيعابها أساس صالح لخلق شعب مثقف .
واطلعت على أغلب المقررات الدينية، وقد تكون أقل مما يجب درسه . ومع ذلك فهى لو تم فقهها وتحصيلها أساس حسن لتكوين جيل مؤمن مهذب ..
إذن من أين تجىء الشكوى ؟ وما مصدر ما ذكرت من معايب ؟
إن المادة العلمية شىء وأسلوب تقديمها وتلقيها شىء آخر .
إن هذا الأسلوب يرتبط برسالة الأمة، وضرورة تربية النشء على اعتناقها واحترامها .
ومن هنا فالتعليم المنفصل عن التربية جهد ضائع أو جهد تافه النتائج ..
وأذكر أن الدكتور “ حلمى مراد “ وزير التربية الأسبق كان قد ألف لجنة لعلاج هذا الوضع .
وأشهد أن الرجل كان حاد البصيرة عميق الإخلاص، راغباً فى إنشاء جيل أفضل وأقدر على مواجهة غده الثقيل .
ولقد انقسمت اللجنة المؤلفة إلى لجان شتى بذل أعضاؤها جهودهم فى أداء الواجبات المنوطة بهم .
[ ألف الدكتور “ حلمى مراد “ وزير التربية والتعليم الأسبق لجنة لدعم النواحى الدينية فى التعليم العام، وإصلاح مقرراته بما يعين على إنشاء جيل مسلم، وقد أخرج الدكتور من الوزارة (!!) بعد أن أدت اللجنة واجبها، فاستنقذنا هذه المقررات لإحدى الشعب التى اختصت بالجو المدرسى ]
واخترت لنفسى أن أكون فى اللجنة المعنية “ بالجو الذى يسود المدرسة “ لأن التربية المدرسية فى نظرى هى الدعامة الأولى للإفادة من العلم المبذول كما أنها الدعامة الأولى لإمداد أمتنا برجال ذوى معادن صلبة ومواهب راجحة وفضائل بارزة .
وقد انتهت اللجنة الموقرة إلى توصيات كثيرة، أستبيح لنفسى ذكرها آملاً أن ينفع الله بها، وأن تأخذ طريقها إلى الهواء والضياء !!
قالت اللجنة: “ لا نستطيع أن نربى الطالب تربية دينية كاملة إلا إذا هيأنا له جواً روحياً فى مدرسته وفى بيته ليكون هذا المناخ الدينى من وسائل التعلق بهذه القيم والانتفاع بها، وبهذا تتلاقى المعارف الدينية التى تلقاها من مدرسه ومن كتابه بالجو المصبوغ بالصبغة الدينية النقية فتتحول المعرفة النظرية إلى سلوك دينى كما تتحول البذور فى الجو الملائم إلى زهور وثمر “ .
وبذلك يمكن تثبيت العقائد وإلف العبادات وتزكية الأخلاق وتكوين جيل نزاع إلى الحق والخير متعاون على البر والتقوى .
ويتهيأ هذا الجو الدينى المدرسى المنشود بما يأتى:
(1) يبدأ اليوم الدراسى بتلاوة من آيات الذكر الحكيم مجودة أو مرتلة لتشيع فى الجو المدرسى أنسام الطهر الروحى .
(2) تدور كلمة الصباح بالإذاعة بين ثلاث دقائق وخمس دقائق، حول ما سمعه التلاميذ من الآيات المقروءة، وما تفرضه المناسبات الدينية، وما ترشد إليه من فضائل سامية، فى كلمات موجزة موحية .
(3) أن تكون دروس التربية الدينية فى الحصص الثلاث الأولى ؛ ليشعر الطلاب بما للدين من قيمة عليا بين المواد الدراسية، وليكون التلميذ فى ذروة النشاط الفكرى، فيعى ما يسمع، ويقر فى نفسه .
(4) أن تذاع الأناشيد الدينية أو قصة دينية قصيرة فى الفسحة الأولى من اليوم الدراسى .
(5) أن ينظم الجدول المدرسى فيتلاقى ابتداء فسحة الظهيرة مع حلول وقت الظهر وينادى للصلاة ثم يدعى إليها بكلمات تحمس الطلاب لأداء الفريضة .
(6) أن يخرج مدرسو اللغة العربية والتربية الدينية ومعهم إدارة المدرسة ومن شاء من المدرسين الآخرين أمام التلامي، ثم يتجهوا إلى المصلى ليكون هذا العمل الجماعى إشعاراً ملموساً بإقامة الشعيرة فى وقتها .
(7) أن يكون لكل مدرسة مجموعة من الرواد الدينيين يتناسب مع عدد الفصول والطلاب، وهم الراعون لتلاميذهم يوجهونهم إلى مرشدهم ويؤمونهم فى صلاتهم وينظمون إقامة الشعيرة بجدول مخطط له حتى يؤدى الصلاة أكبر عدد من الطلاب، وعليهم أيضاً أن يعدوا تقريراً شهرياً عن سلوك كل تلميذ من تلاميذهم ويرسل التقرير إلى ولى أمره ليحس البيت برعاية المدرسة للدين فيعينها عليها .
(8) أن يخصص يومان فى الأسبوع من فسحة الظهر تدور فيها مناقشات دينية مطبوعة متصلة بحياة التلاميذ ولا تستغرق من وقت الفسحة زمناً طويلاً حتى لا يضيق التلاميذ بها . وفى الأيام الأخرى تذاع مسرحيات دينية قصيرة تتصل بمنهجهم الدراسى ما أمكن ذلك .
(9) أن تتجدد جماعات النشاط الدينى فتكون هناك جماعة للمسرح الإسلامى وغيرها للصحافة الإسلامية وأخرى للتاريخ الإسلامى .. بجانب الجماعات التقليدية كجماعة البر والإمامة وغيرهما .
(10) أن يكون العاملون فى الميدان المدرسى قدوة حسنة تتسم بالإيمان والسلوك الحميد الذى ينعكس على تلاميذهم إيماناً وإخلاصاً وسلوكاً قويماً .
(11) أن نجعل من بعض أيام الجمعة فرصة لالتقاء التلاميذ بأساتذتهم وأولياء أمورهم فى مصلى المدرسة، حيث تلقى عليهم دروس دينية حية تناقش أفكارهم على سعة، لنتيح اشتراك أولياء الأمور فى هذه المناقشة، مما يساعد على نقاء الجو المنزلى، ويوثق الروابط بين البيت والمدرسة .
(12) أن تدور أسئلة التطبيق الدينى الأسبوعى والاختبارات الشهرية والفترية حول الموضوعات التى تثار فى الندوات واللقاءات الدينية لنشد انتباه التلاميذ إليها .
(13) محاسبة المدرسين الذين يستهينون بدروس التربية الدينية فيستبدلون بها حصص المواد الأخرى .
(14) تقسيم طلاب المدرسة إلى أسر إسلامية، وتسمى كل أسرة باسم شخصية إسلامية كبرى، على أن يكون تلاميذ كل أسرة على علم وثيق بمن انتمت إليه أسرتهم، على أن تتبادل هذه الأسر المناشط الدينية وتثار بينهم المنافسات الكريمة فى الجهاد الدينى، على أن يدعى أولياء الأمور لاجتماعات شهرية لهذه الأسر ؛ ليسهموا بجهودهم فى هذا المجال .
(15) استخدام القيادات المؤمنة من الطلاب فى جذب زملائهم إلى الإطار الذى ترسمه المدرسة ليتحرك بنوها فى حدوده، فإن تأثير الطالب على زملائه أعمق من تأثير الأساتذة عليه .
(16) وضع صندوق فى فناء المدرسة تجمع فيه التساؤلات الحرة للطلاب للرد عليها من جماعة الفتوى بالمدرسة .
(17) أن يعنى بالاحتفال بالمناسبات الدينية احتفالاً مخططاً له، لتكون صورة متكاملة تطبع فى نفوس الطلاب الإجلال لهذه المناسبة، ويجعل الهدف من إحيائها ربط الطلاب بشعائر الإسلام ومبادئه، فينبنى الاحتفال على أن تعرض مكتبة المدرسة فى ركن خاص كل ما لديها من تواليف دينية أعدت لهذه المناسبة الإسلامية، كما تقوم بندوات وأناشيد دينية ومسرحيات وأشرطة إسلامية .
(18) أن تزين جدران المصلى والمدرسة بلافتات تجذب الأنظار بجمال إخراجها وحسن اختيار ما يسطر عليها من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والحكم البالغة والعظات الدينية الموجهة .
(19) الاهتمام باختيار شعار للمدرسة من الآيات والأحاديث، ويدرس الطلاب والطوالب بشتى الوسائل على الالتزام بما فى هذه الشعارات من قيم ومفاهيم، ويمكن أن يختار لمدارس البنات الشعار الذى يدعو إلى البعد عن التبرج والتمسك بأهداف الفضيلة والاحتشام فى الملبس والمظهر .
(20) أن تكون للتربية الدينية ركن فى المكتبة العامة وفى مكتبات الفصول، ويزود هذا الركن بخير ما تخرجه المطابع من الكتب الدينية الحديثة التى تربط بين الدين والحياة وبين الدين والعلم، وتناسب كل مرحلة من المراحل الدراسية .
(21) أن يكون للمصحف الشريف مكان الصدارة فى المكتبة العامة ومكتبات الفصول ومكتبة المصلى .
(22) العناية بالوسائل المعينة التى تساعد التلاميذ على فهم أبواب المنهج الدينى، وتشوقهم إليه، وتؤكد مفاهيمه فى نفوسهم، على أن يشترك الطلاب فى إعدادها .
(23) أن يكون بيد الطلاب فيما يقرر لهم من الكتب كتاب ذو موضوع واحد، يصور بعض البطولات الإسلامية والمعارك الإسلامية وأمجاد الإسلام العسكرية والعلمية، لتكون مثلاً عليا أمام الطلاب .
(24) ينتفع بمجلس الآباء فى دراسة وإنقاذ كل ما يجد من مشكلات فى سلوك الطلاب وعلاقتهم بالمدرسة وتصرفاتهم الخارجية .
(25) أن يحرص الزائرون الرسميون للمدرسة على الصلاة أمام التلاميذ ومعهم، ليترجموا عن العناية والاهتمام بأمر الدين، فتنصرف هذه العناية إلى التلاميذ .
(26) أن نستعين ببعض أولياء الأمور وغيرهم من المثقفين ثقافة دينية واعية، فى إلقاء بعض المحاضرات أو الدروس الدينية ليكونوا من أدوات التأثير وعوامل الاستجابة من الطلاب، مع الاهتمام بما يدور بين الطلبة من تيارات ونزعات قد تنحرف بالعقيدة والوجدان الدينى .
(27) التزام الحشمة والوقار فى الزى بمدارس البنات بين المدرسات والطالبات .
(28) أن تعد المدرسة معرضاً دينياً ينظم كل ما أنتجه الطلاب من وسائل تعليمية دينية، كصور المصلحين الإسلاميين ومناسك الحج والمعارك والغزوات، مع بعض البحوث الدينية التى أعدها الطلاب بإشراف رائدهم، وفى هذا تجسيد للقيم الروحية التى ننشدها لإعداد الجيل الجديد .
(29) إذا أمكن وصل النشاط الطلابى بالجماعات الإسلامية القائمة فى البلاد كان ذلك حسناً على أن يتم تحت إشراف المدرسة .
(30) يوضع اليوم الدراسى فى إطار يحدد أوله ونهايته تحديداً متصلاً بالدين فلا يدخل التلاميذ فصولهم فرادى، ولا ينصرفون منها فرادى، ولكن يجمعون فى صفوف قبل الدراسة والانصراف ليرددوا أناشيد دينية وقومية ذات معنى روحى وخلقى .
(31) أن تقوم المدرسة ببعض الرحلات الدينية التى يزور فيها الطلاب المساجد الكبرى والمتاحف الإسلامية والآثار والمعالم الدينية والتاريخية والمناطق السياحية الدينية، مما يوحى إليهم بأصالة ماضيهم الإسلامى وحضاراتهم المجيدة التى كانت مصدر إشعاع للعالم .
(32) تفتح أبواب بعض المدارس فى كل حى من الأحياء فى جميع المدن بجمهورية مصر العربية تحت إشراف مسئولين، وذلك لتحفيظ القرآن الكريم فى مدة العطلة الصيفية، وأن تخصص مكافآت مغرية لمن يحفظ جزءاً من القرآن، وكلما زاد عدد الأجزاء من القرآن زادت المكافآت .
الحوافز:
(34) خلق الحوافز بين الطلاب المتميزين دينياً من مثل إعفائهم من بعض الرسوم المدرسية أو رسوم الرحلات أو غير ذلك .
(35) أن ترصد نسبة مجزية من حصيلة مجلس الآباء لتأثيث المصلى، وإثابة المجيدين والمسابقات الدينية وإعانة المحتاجين من الطلاب .
(36) أن ترصد المناطق التعليمية مكافآت مالية سخية للطالب المثالى فى السلوك الدينى القيوم ليحفز ذلك غيرهم إلى أن ينهجوا نهجهم ويسلكوا سلوكهم .
(37) إعداد لوحات شرف للممتازين فى تحصيلهم الدينى وسلوكهم المستقيم ولمن يقوم بأعمال فى البر تستلزم التنويه بها والإشادة بمن قاموا عليها .
(38) إعداد شهادات تقديرية للطالبة أو الطالب الذى ينماز بالتحصيل الدينى ويسهم فى أنشطته ويتمسك بحبل الفضائل على أن ترسل هذه الشهادات إلى ذويهم لتبعث فيهم الحماسة للتربية الدينية فى المنزل، وليحرص البيت على النماء الروحى لهؤلاء الأبناء .
وبعد ..
(39) كل ما قدمناه إنما يدعم بالأجهزة الإعلامية الطاهرة النقية، أما إذا بقى الحال على ما هو عليه فى الصحافة والإذاعة والتليفزيون وغيرها من وسائل الإعلام فالجهد ضائع، لأن ما يبنى هنا تهدمه هذه الوسائل هناك .
والله ولى التوفيق .

أسئلة وأجوبة
[ هذه الأسئلة ـ وغيرها ـ وإن كانت هى الشغل الشاغل لكثير من الطلاب، إلا أن الذى تقدم بها هم طلبة جامعة الإسكندرية ]

**السؤال الأول
“ المرحلة القائمة فى العالم الإسلامى، هل تبشر بالخير وتثير التفاؤل ؟ أم أنها على النقيض نذير سوء ولا خير من ورائها ؟ “
*الجواب:
العالم الإسلامى اليوم فى فترة كئيبة من تاريخه الطويل، فترة فقد فيها وحدته، ونسى رسالته، وألمت به إغفاءة كبرى جعلته يتدحرج فى مؤخرة الركب الإنسانى ضعيف الوعى والحركة، يطمع فيه العدو ويأسى له الصديق .
وهذه حالة منكورة يستحيل قبولها أو ارتقاب خير من ورائها ..
ولقد قلت فى كتاب لى ـ لما يظهر بعد ـ ما أظنه إجابة شافية على هذا السؤال:
الفقر الحقيقى فى الأمة الإسلامية الكبيرة هو هذا الشلل الغريب فى الهمم والمواهب وهذا التخلف السحيق فى مجال الإنتاج والإجادة .
ثم ذلكم العبث بمعنى الإيمان والنكوص عن منطقه، إلى جانب تعلق وضيع بالشهوات ونهمة بادية إلى الدنيا .
وما نصف خصومهم بأنهم يكرهون الحياة وملذاتها، بيد أن الأمم القوية تبلغ ما تهوى بوسائلها الخاصة، أما الأمم الضعيفة فهى تلهث وراء غيرها تتعلق بركابهم تعلق المتسلقين بمركبات النقل أو المتسولين بأذيال السادة .
والنهوض الحقيقى هو زوال هذه العلل وفناء جراثيمه، وقدرة الأمة على الاستغناء بعملها وإنتاجها، والاستهداء بإيمانها وفضائلها، والاستعلاء على متاع الدنيا بحيث تأخذ منه بقدر وتنصرف عنه متى شاءت !!
ويؤسفنى التصريح بأن الشعوب الإسلامية حتى يومنا هذا لم تبدأ نهضة صحيحة، وأن مظاهر التقدم التى نراها أو نسمع عنها هى امتداد نشاط القوى الكبرى فى العالم أكثر مما هى تطلع المتأخرين للتقدم.
فالغرب الصليبى يصطنع شعوباً شتى لخدمة مآربه ويمدها بكثير من عونه المادى، وقليل من تقدمه الحضارى .
والشرق الشيوعى ينافسه فى هذا الميدان، ويحاول الاستفادة من أخطائه أو يحاول ميراثه إذا انتهى فى مكان ما وجمهرة المتعلمين أوزاع، بعضهم يؤثر النمط الغربى فى الفكر والسلوك، وآخرون قد أعجبتهم الماركسية فاصطبغوا ظاهراً وباطناً بنزعتها .
أما الذين يتشبثون بالعقائد والفضائل الإسلامية ويريدون بناء المجتمع الكبير على دعائم الوحى المحمدى فقلة غامضة فى الناس، ولا أقول منكورة الوجه منكودة الحظ .
من أجل ذلك قلت: إن الشعوب الإسلامية لم تبدأ بعد نهضة صحيحة، تكون امتداداً لتاريخها وإبرازاً لشخصيتها، أو نماء لأصلها، وتثبيتاً لملامحها .
ومن الغلط تصور أنى أحرم الاستفادة من تجارب الآخرين ومعارفهم !
كيف وهؤلاء الآخرون ما تقدموا إلا بما نقلوه عن أسلافنا من فكر وخلق ووعى وتجربة . إن دولة الخلافة الراشدة اقتبست فى بناء النظام الإسلامى من مواريث الروم والفرس دون غضاضة .
وعندما آكل أطعمة أجنبية أنا بحاجة إليها، فالجسم الذى نمى هو جسمى، والقوى التى انسابت فى أصالة هى قواى .
المهم أن أبقى أنا بمشخصاتى ومقوماتى .. المهم أن أبقى وتبقى فى كيانى جميع المبادئ التى أمثلها والتى ترتبط بى وأرتبط بها لأنها رسالتى فى الحياة ووظيفتى فى الأرض .
هذا هو مقياس النهضة وآية صدقها أو زيفها، فهل فى العالم الإسلامى نهضات جادة تجعل الإسلام الحنيف وجهتها، والرسول الكريم أسوتها ؟
إننا هنا حريصون أشد الحرص على جعل البناء الجديد ينهض على هاتيك الدعائم .. وإذا كنا نستورد من الخراج ثمرات التقدم الصناعى، وننتفع من خيرات غيرنا فى آفاق الحياة العامة فليكن ذلك فى إطار صلب من شرائعنا وشعائرنا .
فإنه لا قيمة لأحدث الآلات إذا تولى إدارتها قلب خرب، ولا قيمة لأفتك الأسلحة إذا حاول الضرب بها فؤاد مستوحش مقطوع عن الله مولع بالشهوات .
إن بناء النفوس والضمائر يسبق بناء المصانع والجيوش وهذا البناء لا يتم إلا وفق تعاليم السلام . [ من كتاب (حصاد الغرور) الذى تضمن ما ألقاه الكاتب من محاضرات فى جمعية الإصلاح الاجتماعى مع بحوث أخرى ]
**السؤال الثانى
هل تعتقد أن قضية فلسطين يمكن أن تحل سلمياً كما ينادى البعض ؟ وإذا كنت تعتقد هذا فما صورته فى ذهنك ؟ وإذا كان رأيكم أن الحرب هى الأمثل فما صورتها ؟ هل حرب شعوب أم حرب حكومات؟ وهل تكون عربية أم إسلامية ؟
*الجواب:
لقد قرر اليهود إقامة وطن قومى لهم فى فلسطين، وتحولت أمانيهم الدينية إلى مخططات مدروسة تنفذ بدقة وصرامة .
فهم باسم التوراة والتلمود جاءوا .
وتحت شعارات من الوحى الذى يقدسونه تحركت مواكبهم من أرجاء الشرق والغرب صوب فلسطين .
وفلسطين عندما قرر اليهود الاستيلاء عليها لم تكن أرضاً خلاء بل كان مسكونة بألوف مؤلفة من العرب، ومعنى تهويد هذه الأرض طرد من عليها من سكان أو إبادتهم وفق تعاليم العهد القديم .
وقد أعان الاستعمار إعانة فعالة على تحقيق هذه الغايات وتقريب بعيدها وتذليل صعابها، وانتهى الأمر فى سنة 1390 من الهجرة إلى قيام دولة لليهود تحاول البقاء فى وجه مقاومة متفرقة من العرب الذين صحوا على أشباح الضياع والذل والخيانة تحيط بهم من كل مكان، فهل يحتاج فهم هذا الموقف إلى ذكاء سطحى أو عميق ؟
إن الحرب قد أعلنت بالفعل على العرب، وهدفها المحدد إجلاؤهم أو إفناؤهم وإقامة وجود دينى يهودى على أنقاض جنسهم ورسالتهم وكتابهم فأين مكان الإسلام فى هذا الوضع ؟
إن السلام هنا معناه الاستسلام للذبح، معناه قيام سرائيل لا داخل حدودها الحالية وحسب !! بل فى الإطار الذى رسمته التوراة: من الفرات إلى النيل !!
ومعنى هذا ـ دون كد الذهن أو إعمال الذكاء ـ سحق الوجود العربى الإسلامى فى الشرق الأوسط، ثم الإجهاز على أطراف الأمة الإسلامية الكبرى فى أفريقيا وآسيا بعد زوال الكيان العربى الأصيل إذ العرب دماغ الإسلام وقلبه ! وتلك هى الغاية التى تسعى لها قوى كثيرة وتتجمع لتحقيقها عناصر شريرة .
وإنى ألمس وراء التحركات الكثيرة ضد فلسطين وأهلها هذه النيات السود، وتلك الأهداف الرهيبة، وإن أعجب فعجبى للذين يقادون إلى مصارعهم وهم مخدرون، وتلطمهم الأحداث وهم غافلون “ أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ؟ “ [التوبة:129]
إن الحرب فرضت فرضاً على العرب، فلا خيار لهم بإزائها، ولا مكان للتساؤل عن فرص تجنبها بعدما دارت رحاها على يومنا وغدنا .
ولا معنى لتجنب الحرب إلا الاستسلام للفناء والرضا بالتلاشى والانقضاء، وما دام القتال قد كتب علينا بدوافع دينية وأحقاد تاريخية وأطماع استعمارية، وما دامت غايته إبادتنا فلا بد أن نتلاقى عرباً ومسلمين، حكومات وشعوباً ؛ لرد هذه الغائلة واستبقاء وجودنا المهدد .
إن الحرب المعلنة علينا دينية لا يمارى فى ذلك عاقل، وما دامت العقيدة سلاحاً يرتكز عليه العدوان فلم لا تكون العقيدة سلاحاً يرتكز عليه الدفاع ؟ وما معنى إبعاد الإسلام عن معركة هو فيها مستهدف ؟ وأمته فيها ضحية اليوم والغد ؟
إننى أعتقد فى أعماق قلبى أن إبعاد الإسلام عن المعركة لا يخدم إلا بنى إسرائيل ومن وراءهم من الحاقدين على رسالة محمد وجنسه القدامى والمحدثين .
وإبعاد الإسلام عن القتال الدائر أنفع لبنى إسرائيل من إمدادهم بألف طائرة من أفتك طراز .
إنه لا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يصد عدواناً يعتمد على دين إلا دفاع يستند إلى دين .

**السؤال الثالث
الشيوعية والرأسمالية تتصارعان على اقتسام الأرض فما هو موقفنا ـ كمسلمين ـ من هذا الصراع ؟ وما هو رأيك فى مستقبل النظامين ؟
**الجواب:
فى العالم جبهتان متقدمتان مادياً وعقلياً تتنازعان زمامه وتبغى كلتاهما أن تنفرد بقيادته وتوجيهه ..
والمفروض فى نظر الكثيرين أن تنتصر إحداهما لبسط سلطانها على العالم أجمع .
ولست فى جانب هذا الفرض، بل ما أرجحه أنه ستوجد جبهة ثالثة تقدم للعالم نموذجاً أفضل لمجتمع بشرى عادل حر مؤمن بالله ورسله ولا يطمع فى السيطرة على الآخرين ولكنه يستطيع أن يضىء لهم الطريق .
ولى ملاحظة على العنوان الذى يطلق على العالم الرأسمالى !
إن رأس المال عندما يتكون من حلال طيب، لا من مال منهوب ولا من حيف على الطبقات الكادحة، وعندما يقوم بسد الثغرات الاجتماعية لا بتوسيعها، واحترام الحقوق الأدبية لا إهدارها .. إنه فى هذه الحالة يصلح أساساً لجماعة إنسانية كريمة، ولكن العالم الرأسمالى الآن يقوم بعمليات خطف كبرى لثروات الشعوب ويعمل على توسيع الفتوق فى الكيان العالمى ويجتهد فى إهدار الكرامة البشرية للملونين، كما يجتهد فى إهدار حقوق الأمم الضعيفة وإبقائها فى منزلة التابع المهين .
وعندى أن العالم الشيوعى إنما يمتد مستغلاً أخطاء الرأسمالية فى الميادين الاجتماعية والسياسية، وهى أخطاء جسيمة، وهناك كتل من الشعوب التى ضارها الحرمان والذل، ترمق المعسكر الشيوعى بعين الخيال، تحسب أن نجاتها عنده، وعذرها أنها تريد الخلاص مما تعانى إلى ما تؤمل !! ثم إن الدين قد تخلى عن وظيفته السماوية فى ظل هذه الرأسمالية !!
وقد رأينا ـ نحن العرب ـ كيف تجمع اليهود على دانتهم لاستئصالنا، وكيف أعانتهم الدول المسيحية الكبرى علينا إشباعاً لحقدها وجشعها .
فإذا احتقر الماديون دور الدين فى صياغة مستقبل الإنسان فهم معذورون، لأن طبول الحاخامات والباباوات كنت تدق بحماس فى مواكب المعتدين !!
إن العالم الرأسمالى ينتحر بما يتناوله من تفرقة عنصرية ومظالم مادية وأدبية، وبما يكنه فى ضميره الآثم من ضغائن على الإسلام والمسلمين ..
فهل معنى هذا الكلام أن البشرية ستؤثر الكفر بالله والبعد عن هداه ؟ لا أعتقد .
إنها ستبقى فى حيرة تطول أو تكثر حتى يوجد جيل من الناس يقدم لها الهدى مقروناً بالعدل، والحرية مقرونة بالفضيلة، والإيمان بالروح مقروناً بتقدير الجسد، والإيمان بالآخرة مقروناً بتقدير الدنيا.
ما اسم النظام الذى يقوم بهذا الدور الفريد المجيد ؟
اسمه الإسلام !
وليس للإسلام الآن أمة تقدمه بمفهومه الحقيقى القديم ! توجد بقايا كيان متهدم تفوح منه رائحة البلى تنتشر بقاياه على أديم القارتين القديمتين، وتسكن فى أكواخه ثمانمائة مليون مسلم ..
أنا شخصياً أحد الضائقين بأحوال هذه الأمة النائمة .. كما أننى أحد الذين يناشدون أمتهم تلك أن تعود إلى ربها ونبيها وكتابها، والله يعلم متى تجيب ؟
إننى أطلب من المسلمين ـ قبل أن يحددوا موقفهم من هذا وذاك ـ أن يحددوا موقفهم من الإسلام المستوحش الغريب، ثم على ضوء هذا الموقف نعامل الصديق والعدو !!
وحقيقة أخرى أقررها هنا .. إن الإسلام لما يأخذ بعد امتداده الذى كتب الله له !
لقد روى الإمام أحمد فى مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل
والنهار .. وهذا تعبير غريب وهو صريح فى أن الإسلام سيصبغ العالم أجمع [ ابن حبان فى صحيحه كما قدمنا ]
كما جاء فى الصحاح أنه باسم الإسلام ستمتلئ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراً، وان صحراء الجزيرة ستتحول إلى أرضين تهتز زرعاً [ إشارة إلى حديث مسلم (3/84) وأحمد (2/703) والحاكم (4/477) . راجع الأحاديث الصحيحة للشيخ ناصر الدين (1/10) ] ..
وفى حديث آخر “ أمتى كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره “ .
ومن هنا فنحن نعتقد أن المستقبل لدين الله الحق لا للنظم الأرضية الأخرى، وإذا كان مسلمو اليوم ضياعاً فلأنهم ينتمون إلى الإسلام انتماء مزوراً، وهم عبء عليه لا عون له !
وإذا انتهى دور الإسلام فى الأرض فذلك إيذان بانتهاء الإنسانية على سطح هذا الكوكب، وبدء حساب الأولين والآخرين على ما اقترفوا من خير وشر !

**السؤال الرابع
تثور نزعات نحو وحدة أو اتحاد فى منطقتنا تحت شعار القومية العربية أو القوى التقدمية أو تطالب بتجمع إقليمى كالمغرب الكبير مثلاً، فما رأيكم فى هذا اللون من التفكير ؟ وهل عندكم بديل أو صبغة أخرى تقدمونها للمجتمع المسلم ؟
*الجواب:
التجمعات الإقليمية فى إطار التكامل الاقتصادى والعمرانى أمر لا حرج فيه، بل قد يكون من المصلحة العامة دراسة أقطار العالم الإسلام الرحب لإنشاء تجمعات كثيرة تنتظمه شرقاً وغرباً وتكفل تقدمه المادى والاجتماعى، والمغرب الكبير أو وادى النيل أو الجزيرة العربية أو جزائر أندونيسيا أو غير ذلك من الوحدات الاقتصادية المتناسقة يمكن أن تولد وتنمو داخل الكيان الإنسانى الموحد الذى يجب أن يعود إلى الحياة الدولية مرة أخرى .
إن الصعوبات التى تتوهم أمام أى تجمع إسلامى أقل من الصعوبات التى انتصبت بالفعل أمام أى تجمع عربى ..
ولكن أمام المناضلين المسلمين مراحل طويلة حتى يستطيعوا أن يقيموا جامعة إسلامية ضخمة تلم شمل المسلمين، وتداوى جراحاتهم، وتحرر مستعبديهم، وترد العدوان عنهم .
ولا أدرى لماذا يكون الوجود الصينى واقعاً عادياً فيصبح 800 مليون إنسان دولة موحدة ويكون الوجود الإسلامى خيالاً مستبعداً ؟ ولو كان اتحاد ولايات أو تحالف دول متآخية !!
إن شئون المسلمين لا تعالج للأسف بالعقل العادى، فالتأثر بالاستعمار والتبعية الذليلة للغزو الثقافى هما أساس التجهم الغريب لكل كلام عن الإسلام وأمته الكبرى ووحدته المنشودة ..
إن القارة الاستعمارية التى شنتها أوربا على الإسلام وأتباعه منذ قرنين تقريباً استهدفت أمرين رهيبين:
ـ الأول: رفض أى تلاق على الإسلام بين الشعوب المنتسبة له، وتمزيق الولاء الموروث نحو الجامعة الإسلامية وإحياء نزعات قومية حقيقية ومفتعلة، تجعل أبناء الأسرة الواحدة متناكرين لا يلوى أحدهم على الآخر ولا يحترم آصرة الدين المشترك .. وبذلك أصبح المسلمون أوزاعاً بين 60 أو 70 جنسية فى المجال الدولى .
ـ الثانى: تمويت الإيمان فى ضمائر الأفراد بحيث ينفصل السلوك عن العقيدة، فينحرف هذا وتنكمش تلك، ويصبح المجتمع مسرحاً للمباذل المستقرة والأهواء المطاعة والتيارات الطائشة، ثم يتحول ما بقى من دين على أشكال فارغة وبدع حقيرة لا تغنى عن أصحابها شيئاً .
وبكلا الأمرين نجح الاستعمار الحاقد فى بلوغ أهدافه منا وكان وصوله إلى إقامة إسرائيل سهلاً بعد التمهيد المزدوج الذى شرحناه آنفاً، وهو إبعاد الولاء للإسلام فى المجال العام، وتوهين الرباط بالعقيدة فى مجال العبادة والخلق وأنواع المعاملات الأخرى .
ونستطيع أن نقول دون مواربة أو مداهنة إن كل نزعة ترمى إلى إنصاف الإسلام ـ من حيث هو جامعة عامة أو من حيث هو ضمير ـ ليس إلا امتداداً للزحف الاستعمارى والتفافاً خسيساً حول بقايا الإيمان فى قلوبنا وصفوفنا .
ولن تجد إسرائيل خيراً من هذه النزعات بعينها على البقاء، ويضاعف انتصاراتها علينا .
ولا أدرى كيف فشت هذه الخيانات الدينية فى أرجاء الأمة العربية ! إن هناك معادلة يجب أن يحفظها كل عربى عن ظهر قلب هى “ عرب - إسلام = صفر “ .
نعم، العرب بدون دينهم لا يساوون شيئاً ..
وقد كنا نحن مسلمى أفريقيا لا نفرق بين العروبة والإسلام، كما أن مؤرخى أوربا لا يعرفون هذه التفرقة حين قال جوستاف لوبون: إن العالم لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب .
حتى البدعة المهينة التى اختلقها ميشيل عفلق واقترح فيها البعد عن الإسلام طريقاً للبعث العربى !
والواقع أن الرجل بنصيحته تلك كان يحفر القبر العربى ليدفن فيه أمة ورسالة .
وليس غريباً من مثله أن يصنع ما صنع ! إنما الغريب أن يفتتن بنعرته بعض الناس فيسارعوا إلى الارتداد عن الإسلام والكفر بالله والمرسلين .
فماذا أفادوا ؟ إنه لم تظهر دعوة أشأم على قومها وأبين فشلاً وأسوأ عقبى من هذه الدعوة المرتدة .
ولعل العرب يعقلون بعد أن مس جلدهم لهب الأحداث ويعرفون إلى أين قادتهم هذه الخدع، وكيف عفرت وجوههم بالتراب ؟
وفرية أخيرة نريد دحضها .. إن الإسلام لا يعرف التعصب ضد أديان أخرى، ولا يجعل الاختلاف الدينى ذريعة قتال وخصام، ولو أن البضعة عشر مليوناً من يهود العالم عاشوا بين ظهرانى المسلمين ما أحسوا غبناً ولا شكوا اضطهاداً مثل ما وقع عليهم فى أوربا . إن أوربا رمتنا بدائها وانسلت، إنها كانت ولا زالت تجعل الخلاف الدينى والمذهبى مثار حروب وعداوات، وهى بهذه العقلية تحاول تمزيق الكيان العربى الذى عاش فيه المسيحيون دهراً طويلاً مواطنين مكافئين للمسلمين فى الحقوق والواجبات، وهدفها إما قتل الإسلام وإما خلق فتن طائفية فى كل مكان .
والخطة معروفة، وعلى المسلمين أن يزدروها ويزدروا مروجيها ويفضحوا من وراءهم .
إن مطالبة العرب بالتخلى عن الإسلام سفالة لا قرار لها، وإنى أقول لقومى: لا خيار لكم أمام مؤامرات عالمية واسعة .. مطلوب منكم أن ترتدوا عن دينكم وأن تتنازلوا عن أوطانكم وهذه وتلك طريق العار والنار ..
وتستطيعون أن تستندوا إلى ربكم وتجاهدوا دون وجودكم المادى والمعنوى .
واسمعوا قول رسول الله لكم: “ إن ربى قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإنى أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها”.
أى أن قوى الشر لو تألبت كلها ضدنا ما نالت منا شيئاً إذا توحدت كلمتنا وتجمع شملنا وتماسك صفنا، أما إذا تفرقنا شيعاً وانقسمنا أحزاباً فسيأكل بعضنا بعضاً ويخلو الطريق للمتربصين .

**السؤال الخامس
الناس يقولون إن التشريع الإسلامى مثالى للغاية، ولكن لا يصلح للتطبيق فى زماننا هذا لتداخل الظروف وتعقد الحياة الاجتماعية، فما رأيكم ؟
*الجواب:
التشريع الإسلامى تراث ربانى وإنسانى ضخم، والحكم عليه بكلمات عابرة ضرب من الطيش يتنزه عنه العقلاء .. ولما كان هذا التشريع يتناول شئون الأسرة، وأشتات المعاملات المالية والتجارية، ويبت فى عقوبات لطائفة من الجنح والجنايات ويجه فى أخرى، بل إن هذا التشريع يتناول دستور الحكم فى الدولة ويتعرض للعلاقات بينها وبين الدول الأخرى فى حالتى السلم والحرب .. لما كانت دائرة هذا التشريع رحبة إلى حد بعيد فإن المرء يحار فى تفسير كلمة “ مثالية “ هذه التى يرمى بها الإسلام فى جانب رائع من تعاليمه .
وسأمشى مع الحدس فى تلقى هذا الاتهام وتحديده !
لعل الإسلام مثالى فى رجمه الزانى أو جلده .
إن بعض الناس إذا ذكر الشرع الإسلامى وثبت إلى ذهنه هذه القضية الخطيرة جداً (!)
وعجيب أن يذهل الفكر البشرى عن آيات الإبداع القانونى فى أزكى ميراث حضارى وعته الإنسانية فى تاريخها الطويل فلا ينزعج إلا لرجم الزانى أو جلده، أو بعض صور الحدود والقصاص الأخرى .
إن قصة الرجم يوم تكون سوأة تشريعية ـ كما يتصور البعض ـ فستكون سوأة الأديان كلها لأن الرجم هو حكم التوراة كما لا يزال مقرراً فى العهد القديم، وكذلك أحكام القصاص الأخرى !
وغريب أن يكون هذا الحكم شديداً وأن هذه الغرابة تنقطع يوم يبيح القانون العصرى الزنا، ما دام بالتراضى واللواطة أيضاً (!) ما دام الطرفان متفاهمين !!
ويمضى الاتجاه الواقعى فى مجراه المقبول (!) فيندد قاض أمريكى برجل ضرب زوجته لأنها زنت مع صديق له، وينصحه أن يطرح رجعيته أو مثاليته ويعيش فى هذا العصر المتقدم !!
إذا كانت المثالية تعنى الشرف والتسامى وإرضاء الله وضبط النفس وتهذيب الغرائز فيجب أن يكون التشريع مثالياً، ومن السماجة أن يعاب الإسلام فى هذا المضمار ..
أما الواقعية التى تعنى إقرار الفسوق والعصيان، فلا أدرى لماذا تسمى قانوناً ؟
إن المسالة ليست قتل مجرم أو قطع يده أو جلد بدنه .. إن المسالة أكبر من ذلك، والشريعة الإسلامية أكبر قدراً من أن تتناول بهذا الصغار الفكرى .. الأمر يتصل أولاً بحقيقة العلاقة بين الناس وربهم، وطبيعة الدين الذى نزل يحكم فيما شجر بينهم ..
هذا موضع الخلاف بيننا نحن المؤمنين، وبين غيرنا ممن وهت صلتهم بالله .
نحن نعتقد أن الوحى كل لا يتجزأ، وأن حق الله فى الحكم على عباده فوق الجدل، وأن شريعته تحقق العدالة والمصلحة، وأن تكذيب آية فى الميراث كتكذيب آية فى التوحيد أو فى الصلاة، لا معنى لها إلا رفض الخضوع لله والرد لأمره ونهيه .
أما بالنسبة إلى قصة المثالية والواقعية التى قد ترد على بعض الأذهان فنسوق فى دحضها كلمات مبينة للأستاذ العقاد من كتابه (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) [ص 115]:
“ وعلى هذه السنة من المساواة بين حقوق الدين فى نشر العقائد، وحقه فى فرض الشرائع والمعاملات ننظر إلى معاملات الدين الإسلامى كما ننظر إلى عقائده فلا نرى فيها ما يعوقه عن أداء رسالته العالمية الإنسانية التى توافرت له بدعوى إلى إله واحد هو (رب العالمين أجميعن، وخالق الأمم بلا تمييز بينها فى الحظوة عنده غير ميزة التقوى والصلاح .. رب المشرقين ورب المغربين، يصلى اله المر حيث كان: “ وأينما تكونوا فثم وجه الله “) ..
“ فما منع الإسلام قط معاملة بين الناس تنفعهم وتخلو من الضرر بهم، والغبن على فريق منهم ..
“ وأساس التحريم كله فى الإسلام أن يكون فى العمل المحرم ضرر أو إجحاف، أو حطة فى العقل والخلق ..
“ وما فرض الإسلام من جزاء قط إلا وهو (حدود) مقدرة بقدرها، وشروطها وقيودها صالحة على موجب تلك القيود والشروط للزمان الذى شرعت فيه، ولكل زمان يأتى من بعده، لأنها لا تجمد، ولا تتحجر، ولا تتحرى شيئاً غير مصلحة الفرد والجماعة، وكفى باسم (الحدود) تنبيهاً إلى حقائق الجزاء والعقاب فى الإسلام، فإنها (حدود) بينة واضحة تقوم حيث قامت أركانها ومقاصدها، وتحققت حكمتها وموجباتها، وإلا فهى حدود لا يقربها حاكم ولا محكوم إلا حاقت به لعنة الله ..
“ والشبهة المتوافرة فى العصر الحاضر إنما ترد على المعاملات الإسلامية من قبل الناقدين والمبشرين، لأنها تمس ضرورات الحياة المتجددة كل يوم، وترصد للمسلم فى طريقه حيث سار فيتحر الناقد الموطن الحساس من نفس المسلم حتى يلقى فى روعه أن شيئاً فى دينه يتقهقر به إلى الوراء ولا يصلح للتطبيق فى عصر النظم الحكومية التى تجرى القضاء والجزاء على أصول العلم والتهذيب ..
“ وليس فى المصارف والشركات شىء نافع برىء من الضرر والغبن يحرمه الإسلام “.
إن أساطين القانون اعترفوا فى مجامعهم العلمية ومؤتمراتهم الدولية بما للشريعة الإسلامية من قدر رفيع.
والواقع أن أئمة الفقه عندنا ـ على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم ـ ورثونا تركة فنية لا نظير لها فى أزهى المدنيات القديمة والحديثة، ولا تزال بحوثهم الفنية المترفة مفخرة للفكر الإنسانى المجرد .. ثم جاءت هذه الأجيال الهابطة من ذرارى المسلمين المتخلفين تنظر إلى ما لديها من كنوز نظرة بلهاء، ثم تردد مع عملاء الصهيونية والاستعمار أن الإسلام مثالى وأن تشريعه لا يصلح للمجتمع !
إذا محاسنى اللاتى أدل بها
كانت عيوباً فقل لى: كيف أعتذر؟!

**السؤال السادس
قضية الجنس استبدت بتفكير الناس وفرضت نفسها على المجتمعات متحضرة ومتخلفة، فما العلاج عندكم ؟
*الجواب:
استشراء الفساد الجنسى أمسى حقيقة لا ريب فيها، ولكنى أعد التقاليد الإسلامية البالية شريكة فى المسئولية الجنائية مع الانحلال الذى وفدت به المدنية العصرية ..
إن هذه التقاليد لا تعرف الأحكام الإسلامية الصحيحة فى كثير من القضايا، وإذا عرفتها لم تقف مع بواعث التقوى وخشية الله فى تنفيذها ..
ومن مقررات هذه التقاليد المريضة جعل الزواج مشكلة اقتصادية رهيبة .
ثم فساد الصورة الإنسانية لوظيفة المرأة قبل الزواج وبعده .. والجهل التام بدور الأسرة فى التربية على امتداد مراحل العمر وهذه التقاليد التى تنهض على الرياء والتظاهر والتكلف كانت ولا زالت من أسباب انهيار الحضارة الإسلامية وتوالد أجيال حقيرة الفكر والسيرة والأمانى والهمم .
ولكى نعود إلى ديننا ونتصل بسيره الأول، ونتحصن ضد العلل النفسية والاجتماعية التى زحفت علينا مع الغزو الأجنبى لا بد من رعاية أمور شتى:
أولاً: توثيق الصلة بين المرأة وينابيع الثقافة الدينية والمدنية .
ثانياً: إعادة الحياة للعلاقة بين النساء وبيوت الله فى الصلوات .
ثالثاً: تدريس الوظائف التربوية للبيت المسلم حتى نستطيع تخريج أجيال تعرف ربها ودينها ومعاشها ومعادها على قواعد مغروسة فى اللحم والدم، وفضائل يرضعها النشء مع اللبن .
رابعاً: الحكم بإعدام ما تواصى المسلمون به فى تقاليد الزواج من مغالاة فى المهور وإسراف فى الحفلات وتكديس للأثاث وتنافس فى الكماليات، وإعادة الزواج إلى معناه السهل القديم ليكون عصمة وسياجاً للدين والدنيا.
خامساً: وصل ما بين البيت المسلم وقضايا المجتمع الكبرى حتى لا يحيا بيت فى جو منافعه الخاصة جاهلاً أو جاحداً ما وراءها ولو أن كل دولة مسلمة أنشأن وزارة للأسرة والشباب كى تضمن ما ذكرنا ما كان ذلك كثيراً، بل لعله يكون أقرب إلى حياتنا الإسلامية الصحيحة .
لقد راقبت وضع المرأة فى شتى البيئات فوجدت إنسانة محكوماً عليها بالجهل والقصور، مفروضاً عليها التفريط فى حقوق الله وتعاليم دينه فلِم ذلك ؟ وكيف يقع ذلك باسم الإسلام ؟
ورأيت جماهير المسلمين وكأنها متفقة على جعل الزواج مشكلة تقصم الظهور دون مبالاة بما ينشأ عن ذلك من شيوع الفسق والفجور، فأى تدين هذا ؟ وبأى حق يستولى بعض الآباء على المهور ؟
وبأى حق يكلف بعض آخر بالاستدانة ليعين على زواج ابنته ؟ ولماذا تطلب البنت عندنا أثاثاً لا تطلبه لنفسها المرأة الغربية ولا المرأة الشرقية ؟
إن المرأة العربية العادية ربما فرضت لنفسها بيتاً لا تحلم به امرأة من رواد الفضاء، فلِم بالله هذا الترف؟
لماذا نرتضى إغلاق البيوت على ألوف العوانس إذا لم يتزوجن وفق هذه التقاليد السفيهة ؟
وإلى أين تقودنا تقاليد الرياء التى تواضعنا على الاحتكام إليها ناسين ديننا ودنيانا على السواء ؟
إذا كان الإسلام دين الفطرة فإن العالم الإسلامى يكذب على فطرته، ويفتح أقطاره لفساد جنسى زاحف من كل ناحية يجعل الزنا عملة متداولة دون حرج، ويعطى كل أنثى وذكر حق الاتصال الحرام كلاً أو بعضاً حسب ما يشتهى .
والذين يفتعلون الأزمات والضوائق فى الطعام الحلال لا ينتظرون إلا إقبال الناس على الحرام الرخيص يعبون منه عباً .
وقد رأيت بنفسى ـ للأسف ـ ناساً يأخرون زواجهم إلى سن معينة حتى يتموه وفق تقاليده المقررة .. وإلى بلوغ هذه السن لا مانع من الزنا، وغير الزنا !!
ورأيت ناساً يستدينون بالربا ليقيموا الأحفال المطلوبة !
ومن هؤلاء من يقتل المرأة إذا زنت ويترك الشاب دون غضب !
فعلمت أن المسلمين فى هذا المجال وغيره لا يكترثون بحدود الله ولا يبالون سخطه، وأنهم كما يهوون، وقد يتبجح بعضهم فيصف هواه بأنه دين، وما هو إلا الكذب على رب العالمين .
ويجب تسهيل الزواج وأحكام التطبيق الدينى فى شئون الرجال والنساء على سواء .

**السؤال السابع
مناهج التربية فى مدارسنا وجامعاتنا صارت وسيلة للتوظيف وكسب العيش، وخلت من كل توجيه ونحن نحب أن نستنير برأيكم فى الوسيلة المثلى لمناهج التربية حتى يتخرج جيل مسلم ..
*الجواب:
توجد فى مدارسنا وجامعاتنا برامج دراسية حسنة تقدم أنصبة من العلم تشبه ما تقدمه نظائرها فى أعظم الأقطار، ويمكن أن تكون بعض المراحل الدراسية عندنا مساوية فى تقدمها العلمى لما يقابلها فى الشرق والغرب .
أما مناهج التربية تواكب مناهج للتعلم فالأمر يحتاج إلى نظر وتأمل .. !
إن العلم شحن الأذهان بألوان لا حصر لها من المعرفة .
أما التربية فهى الإفادة من هذا التقدم لتزكية الشخصية وتهذيب سلوكها ..
والتربية الدينية نوع خاص من البناء المعنوى يجعل المرء متجهاً بقواه كلها إلى غاية معلومة وضابطاً لحياته وفق نظام مرسوم ..
وهذا النوع من التوعية الدينية معدوم فى بعض الجامعات محارب فى بعضه، معترف به ومعترف بغيره فى بعض ثالث، وربما قدم نصيب محدود منه فى جامعة الأزهر ! والأصل فى التربية تعهد الأخلاق، ولما كان الخلق ـ بالتعريف العلمى ـ هو عادة الإرادة فإن المفروض فى برامج التربية:
أولاً: أن ترسم الوجهة للسلوك المنشود .
ثانياً: أن تدرب الأفراد على هذا السلوك، وتأخذهم به أخذاً مستمراً حتى يصبح طبعاً لهم وصبغة ثابتة فيهم، فالمربى أشبه بالزارع الذى يتولى البذر والحرث والسقيا والحماية والإخصاب والانتقاء حتى تنضج الثمرة وتؤتى أكلها كل حين بإذن ربها .
والطالب الذى يمر بهذه الأدوار، يصاغ فى قوالب معروفة الشكل والصورة، فإذا ربى على الصدق صعب عليه الاختلاق والتخريف، وإذا ربى على الأمانة انزعج من العوج والغدر .
وفى أثر التعود واستقامة الوجهة يقول الشاعر:
تعود بسط الكف حتى لو أنه
ثناها لبخل لم يتطعه أنامله !

ويقول آخر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوده أبوه !

وقد ربى الله محمداً صلى الله عليه وسلم ليربى به العرب، وربى العرب ليهذب بهم العالم أجمع “ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين “ .
وكلمة التزكية تعنى التربية والتسامى بالنفس وامتلاك الهوى .
وذلك معنى الآية “ ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها”.
والتربية الإسلامية مذ دخل الاستعمار بلادنا تمر بمحنة شديدة، فلما خرج ووقعت البلاد فى الأيدى التى تتلمذت عليه مرت التربية الإسلامية بمحنة أشد ..
وذلك هو السر فى أننا نجد أصحاب محاصيل علمية كبيرة وكلفها قليلة الجدوى، إن لم تكن قريبة الضرر .
فإن العلم عند هؤلاء وقف عند حدود التصور الذهنى وحشو الأدمغة بجمل من القوانين والأحكام .
أما التربية التى تتوسل بهذا العلم إلى رفع المستوى النفسى والاجتماعى والتى تحول الشخص إلى صاحب مبادئ ومثل يعيش لها وقد يضحى من أجلها ..
هذه التربية لم توجد لها بعد مناهج واضحة ومؤسسات مسئولة .
والسبب فى ذلك هو الكره الخفى أو الجلى للإسلام وتاريخه ومطالبه ووصاياه ..
التعليم فى روسيا يكرس لخدمة الشيوعية، والتعليم فى بلاد كثيرة يربط بأهداف شتى ..
وكان مفروضاً أن يصحب برامج التعليم عندنا برامج للتربية الإسلامية اليقظى تشرف على السلوك الفردى والجماعى، وتجعل الحياة الخاصة والعامة محكومة بآداب الإسلام وتوجيهاته . [راجع فى هذا الباب: هذه المقررات لا نريد أن تنسى ]
ولكن الإسلام دين مهزوم فى المجالات الدولية، وقد انسحبت آثار هزيمته على مطالبه فى بلاده نفسها فأضحت كما نرى:
متعلمين يريدون بشهاداتهم العلمية مستوى معيناً من المعيشة، وسعراً خاصاً لما نالوه من دراسات وكفى!
فإذا ذهبت تفحص سلوكهم وجدت العلم قد أفاد فى تغيير الوسائل فقط، أما المآرب الدنيا فهى هى عندهم وعند الجهال !
ويستحيل أن تنهض أمتنا إلا يوم يكون العلم والتربية قرينين، ويوم تتقرر آداب الإسلام ومثله دون حرج أو دجل .

* * * * *
انتهى شيخنا ـ رحمه الله ـ من تحرير “ قذائف الحق “ فى رحلته الرمضانية إلى “ المغرب “ عام 1393 هـ، وكان الفراغ من تصحيحه فى غرة ذى الحجة من نفس العام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجزء : الأول   الثاني   الثالث   الرابع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates