الإسلام وجماعة الإخوان


ضمن سلسلة إقرأ كتاب التي تقدمها لكم مدونة واحة أفكاري
نقدم لكم اليوم الفصل الرابع من كتاب قذائف الحق للشيخ محمد الغزالي
وهو بعنوان / الإسلام وجماعة الإخوان
كما نقدم الباب الخامس
وهو بعنوان / شبهات أخري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قذائف الحق 
محمد الغزالي
الباب الرابع: الإسلام وجماعة الإخوان 

 انتسبت لجماعة الإخوان فى العشرين من عمرى، ومكثت فيها قرابة سبع عشرة سنة، كنت خلالها عضواً فى هيئتها التأسيسية، ثم عضواً فى مكتب الإرشاد العام ..
وشاء الله أن يقع نزاع حاد بينى وبين قيادة الجماعة، انتهى بصدور قرار يقضى بفصلى وفصل عدد آخر من الأعضاء .
وبعد عدة شهور من ذلك الحدث صدر قرار حكومى بحل الجماعة كلها والإجهاز على جميع أنشطتها.
وأريد أن أكون منصفاً، فإن الزعم بأن جميع الإخوان أشرار سخف وافتراء، والزعم بأن الجماعة كلها كانت معصومة من الخطأ غرور وادعاء ..
وليس ذلك ما يعنينى هنا، إنما الذى يعنينى أمر آخر هو الأهم والأخطر، عند الله وعند الناس، أمر الإسلام نفسه .

قال لى أحد الناس: ليذهب الإخوان إلى الجحيم !
قلت له: اسمع، مصاير الناس بيد الله وحده، وليذهب من شاء إلى الجحيم .. لكن هل يذهب الإسلام إلى الجحيم معهم ؟
قال: لا .
قلت: دعنى من العناوين ولنتحدث فى الموضوع . هل نترك كتاب ربنا وسنة نبينا أم نتشبث بهما ونحرص عليهما ؟
فأجاب بعد تريث: لا نترك ديننا !
قلت: هل ننفذ من ديننا ما نحب ونهمل ما نكره، أم نطيع الله فى كل ما أمر به ونهى عنه ؟ إن هناك نصوصاً فى الكتاب والسنة معطلة محكوماً عليها بالموت، ونصوصاً أخرى تنفذ جزئياً ولا يؤذن بتطبيقها على وجه كامل، فهل تبقى هذه الأوضاع أم ينبغى إصلاحها ؟
قال: لكن هذا ما يقوله الإخوان المسلمون !!
قلت له: دعنى من جماعة الإخوان، فقد نفضت يدى من العناوين، أنا أتحدث عن الإسلام نفسه، وعن المنحدر الذى وقع فيه، وعن الأمة الكسيرة التى تنتمى إليه، ألم نتفق على ضرورة التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا ؟
قال: بلى !!
قلت: وذاك ما نريد أن نتعاون على بلوغه، ونرسم الخطة المثلى لتحقيقه !
ولعلك ترى معى بعد ذلك أن الانتساب للإسلام ليس جريمة، وأن الجريمة هى تشويه نهجه وإنكار هديه وترك أعدائه أحراراً فى النيل منه ..
قال: أشعر أنك تجرنى بدهاء إلى جماعة الإخوان !!
قلت له: يا أخى تخل عن هذه العقدة التى تحكمك .. إننى أريد أن أعمل للإسلام الذى رفع علمه خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وخلفه على مواريثه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى .. هذا المصحف المهجور فى دواوين السلطة، وفى أرجاء المجتمع، نريد أن نؤنس وحشته ونرفع شعاره .
دعنى من أى تجمع حدث فى هذا العصر، ولننس الأشخاص الذين اشتهروا، ولنطو صحائفهم بما فيها من خطأ وصواب ولنعمل للإسلام وحده ..
فسكت متردداً حائراً .
قلت له: اسمع، إن هناك قوماً يكرهون الإسلام ذاته ويخدمون بكراهيته القوى الثلاث التى تجمعت ضده اليوم:
الشيوعية، الصهيونية، الصليبية، وهؤلاء يريدون أن يجعلوا من كلمة “ الإخوان “ سيفاً مصلتاً على عنق كل مخلص له عامل فى حقله، وأنا أرفض هذا الخلط ..
إن إرهاب المجاهدين فى سبيل الله بوصفهم إخواناً، ووضع العوائق أمام النهضة الإسلامية بزعم أن ذلك منع لعودة الجماعة المنحلة، إن هذا وذاك خيانة عظمى، وارتداد عن الملة ..
لقد أصبح التجمع على الإسلام ضرورة حياة فى وجه اليهود الذين احتلوا أجزاء حساسة من أرضنا، ويوشك أن تكون لهم وثبة أخرى ربما كانت نحو عواصمنا وبقية مقدساتنا، فاصطياد الريب لهذا التجمع لا أستطيع وصفه إلا بأنه عمل لمصلحة بنى إسرائيل ..
إن الخطة التى وضعت لمحاربة جماعة الإخوان لا يسوغ أن تستفل لمحاربة الله ورسوله .
ويسوءنى أن الذين رسموا هذه الخطة يحاولون أن يقضوا بها على الدين نفسه، والفرق واضح بين دين له قداسته ونفر من الناس لهم خطؤهم وصوابهم .

تقرير يفضح النيات المبيتة للإسلام

اقرأ معى هذا التقرير ..:
تقرير اللجنة المؤلفة برياسة السيد “ زكريا محيى الدين “ رئيس الوزراء فى حينه، بشأن القضاء على تفكير الإخوان، بناء على أوامر السيد الرئيس بتشكيل لجنة عليا، لدراسة واستعراض الوسائل التى استعملت، والنتائج التى تم التوصل إليها، بخصوص مكافحة جماعة الإخوان المسلمين المنحلة، ولوضع برنامج لأفضل الطرق التى يجب استعمالها فى مكافحة الإخوان بالمخابرات، والمباحث العامة، لبلوغ هدفين:
أ ـ غسل مخ الإخوان من أفكارهم .
ب ـ منع عدوى أفكارهم من الانتقال إلى غيرهم .
اجتمعت اللجنة المشكلة من:
1 ـ سيادة رئيس مجلس الوزراء
2 ـ السيد / قائد المخابرات العامة
3 ـ السيد / قائد المباحث الجنائية العسكرية
4 ـ السيد / مدير المباحث العامة
5 ـ السيد / مدير مكتب السيد المشير عبد الحكيم عامر
وذلك فى مبنى المخابرات العامة بكوبرى القبة، وعقدت عشرة اجتماعات متتالية وبعد دراسة كل التقارير والبيانات والإحصائيات السابقة، أمكن تلخيص المعلومات المجتمعة فى الآتى:
1 ـ تبين أن تدريس التاريخ الإسلامى فى المدارس للنشء بحالته القديمة يربط السياسة بالدين فى لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ويتتابع ظهور معتنقى الأفكار الإخوانية .
2 ـ صعوبة واستحالة التمييز بين أصحاب الميول والنزعات الدينية وبين معتنقى الأفكار الإخوانية، وسهولة وفجائية تحول الفئة الأولى إلى الفئة الثانية بتطرف أكبر .
3 ـ غالبية أفراد الإخوان عاش على وهم الطهارة، ولم يمارس الحياة الجماعية الحديثة، ويمكن اعتبارهم من هذه الناحية “ خام “ .
4 ـ غالبيتهم ذوو طاقة فكرية وقدرة تحمل ومثابرة كبيرة على العمل، وقد أدى ذلك إلى اطراد دائم وملموس فى تفوقهم فى المجالات العلمية والعملية التى يعيشون فيها وفى مستواهم الفكرى والعلمى والاجتماعى بالنسبة لأندادهم رغم أن جزءاً غير بسيط من وقتهم موجه لنشاطهم الخاص بدعوتهم (المشئومة) .
5 ـ هناك انعكاسات إيجابية سريعة تظهر عند تحرك كل منهم للعمل فى المحيط الذى يقتنع .
6 ـ تداخلهم فى بعض، ودوام اتصالهم الفردى ببعض وتزاورهم، والتعارف بين بعضهم البعض يؤدى إلى ثقة كل منهم فى الآخر ثقة كبيرة .
7 ـ هناك توافق روحى، وتقارب فكرى وسلوكى يجمع بينهم فى كل مكان حتى ولو لم تكن هناك صلة بينهم .
8 ـ رغم كل المحاولات التى بذلت منذ عام 1936 لإفهام العامة والخاصة بأنهم يتسترون وراء الدين لبلوغ أهداف سياسية إلا أن احتكاكهم الفردى بالشعب يؤدى إلى محو هذه الفكرة عنهم، رغم أنها بقيت بالنسبة لبعض زعمائهم .
9 ـ تزعمهم حرب العصابات سنة 1948 والقتال سنة 1951 رسب فى أفكار بعض الناس صورهم كأصحاب بطولات وطنية عملية، وليست دعائية فقط، بالإضافة إلى أن الأطماع الإسرائيلية والاستعمارية والشيوعية فى المنطقة لا تخفى أغراضها فى القضاء عليهم .
10 ـ نفورهم من كل من يعادى فكرتهم جعلهم لا يرتبطون بأى سياسة خارجية سواء كانت عربية أو شيوعية أو استعمارية، وهذا يوحى لمن ينظر فى ماضيهم أنهم ليسوا عملاء .
وبناء على ذلك رأت اللجنة أن الأسلوب الجديد فى المكافحة يجب أن يشمل أساساً بندين متداخلين وهما:
أ ـ محو فكرة ارتباط الدين الإسلامى بالسياسة .
ب ـ إبادة تدريجية مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم فصلاً من معتنقى الفكرة .
ويمكن تلخيص أسس الأسلوب الواجب استخدامه لبلوغ هذين الهدفين فى الآتى:
أولاً: سياسة وقائية عامة:
1 ـ تغيير مناهج تدريس التاريخ الإسلامى والدين فى المدارس وربطها بالمعتقدات الاشتراكية كأوضاع اجتماعية واقتصادية وليست سياسية . مع إبراز مفاسد الخلافة خاصة زمن العثمانيين وأن تقدم الغرب السريع إنما كان عقب هزيمة الكنيسة وإقصائها عن السياسة .
2 ـ التحرى الدقيق عن رسائل وكتب ونشرات ومقالات الإخوان المسلمين فى كل مكان ثم مصادرتها وإعدامها .
3 ـ يحرم بتاتاً قبول ذوى الإخوان وأقربائهم حتى الدرجة الثالثة فى القرابة من الانخراط فى السلك العسكرى أو البوليس أو السياسة، مع سرعة عزلة الموجودين من هؤلاء الأقرباء من هذه الأماكن أو نقلهم إلى الأماكن الأخرى فى حالة ثبوت ولائهم .
4 ـ مضاعفة الجهود المبذولة فى سياسة العمل الدائم على إفقاد الثقة بينهم وتحطيم وحدتهم بشتى الوسائل، وخاصة عن طريق إكراه البعض على كتابة تقارير عن زملائهم بخطهم، ثم مواجهة الآخر بما معها مع العمل، على منع كل من الطرفين من لقاء الآخر أطول فترة ممكنة لنزيد هوة انعدام الثقة بينهم .
5 ـ بعد دراسة عميقة لموضوع المتدينين من غير الإخوان، وهم الذين يمثلون “ الاحتياطى “ لهم وجد أن هناك حتمية طبيعية عملية لالتقاء الصنفين فى المدى الطويل، ووجد أنه من الأفضل أن يبدأ بتوحيد معاملتهم بمعاملة الإخوان قبل أن يفاجئونا كالعادة باتحادهم معهم علينا .
ومع افتراض احتمال كبير لوجود أبرياء منهم إلا أن التضحية بهم خير من التضحية بالثورة فى يوم ما على أيديهم .
ولصعوبة واستحالة التمييز بين الإخوان والمبتدئين بوجه عام فلا بد من وضع الجميع ضمن فئة واحدة ومراعاة ما يلى:
أ ـ تضييق فرص الظهور والعمل أمام المتدينين عموماً فى المجالات العلمية والعملية .
ب ـ محاسبتهم بشدة وباستمرار على أى لقاء فردى أو زيارات أو اجتماعات تحدث بينهم .
جـ ـ عزل المتدينين عموماً عن أى تنظيم أو اتحاد شعبى أو حكومى أو اجتماعى أو طلابى أو عمالى أو إعلامى.
د ـ التوقف عن السياسة السابقة فى السماح لأى متدين بالسفر للخارج للدراسة أو العمل حيث فشلت هذه السياسة فى تطوير معتقداتهم وسلوكهم، وعدد بسيط جداً منهم هو الذى تجاوب مع الحياة الأوربية فى البلاد التى سافروا إليها . أما غالبيتهم فإن من هبط منهم فى مكان بدأ ينظم فيه الاتصالات والصلوات الجماعية أو المحاضرات لنشر أفكاره .
هـ ـ التوقف عن سياسة استعمال المتدينين فى حرب الشيوعيين واستعمال الشيوعيين فى حربهم بغرض القضاء على الفئتين، حيث ثبت تفوق المتدينين فى هذا المجال، ولذلك يجب أن نعطى الفرص للشيوعيين لحربهم وحرب أفكارهم ومعتقداتهم، مع حرمان المتدينين من الأماكن الإعلامية .
و ـ تشويش الفكرة الشائعة عن الإخوان فى حرب فلسطين والقتال وتكرار النشر بالتلميح والتصريح عن اتصال الإنجليز بالهضيبى، وقيادة الإخوان، حتى يمكن غرس فكرة أنهم عملاء للاستعمار فى أذهان الجميع .
ز ـ الاستمرار فى سياسة محاولة الإيقاع بين الإخوان المقيمين فى الخارج وبين الحكومات العربية المختلفة وخاصة فى الدول الرجعية الإسلامية المرتبطة بالغرب، وذلك بأن يروج عنهم فى تلك الدول أنهم عناصر مخربة ومعادية لهم وأنهم يضرون بمصلحتها، وبهذا تسهل محاصرتهم فى الخارج أيضاً .
ثانياً:
استئصال السرطان الموجود الآن، وبالنسبة للإخوان الذين اعتقلوا أو سجنوا فى أى عهد من العهود يعتبرون جميعاً قد تمكنت منهم الفكرة كما يتمكن السرطان فى الجسم ولا يرجى شفاؤه، ولذا تجرى عملية استئصالهم كالآتى:
المرحلة الأولى:
إدخالهم فى سلسلة متصلة من المتاعب تبدأ بالاستيلاء أو وضع الحراسة على أموالهم وممتلكاتهم، ويتبع ذلك اعتقالهم وأثناء الاعتقال تستعمل معهم أشد أنواع الإهانة والعنف والتعذيب على مستوى فردى ودورى حتى يصيب الدور الجميع ثم يعاد وهكذا .
وفى نفس الوقت لا يتوقف التكدير على المستوى الجماعى بل يكون ملازماً للتأديب الفردى .
وهذه المرحلة إذا نفذت بدقة ستؤدى إلى:
بالنسبة للمعتقلين:
اهتزاز الأفكار فى عقولهم وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض بينهم .
بالنسبة لنسائهم:
سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات فسوف يتحررن ويتمردن لغياب عائلهن، وحاجتهن المادية قد تؤدى لانزلاقهن .
بالنسبة للأولاد:
تضطر العائلات لغياب العائل ولحاجتها المادية إلى توقيف الأبناء عن الدراسة وتوجيههم للحرف والمهن، وبذلك يخلو جيل الموجهين المتعلم القادم ممن فى نفوسهم أى حقد أو أثر من آثار أفكار آبائهم .
المرحلة الثانية:
إعدام كل من ينظر إليه بينهم كداعية، ومن تظهر عليه الصلابة سواء داخل السجون أو المعتقلات أو بالمحاكمات، ثم الإفراج عنهم بحيث يكون الإفراج عنهم على دفعات، مع عمل الدعاية اللازمة لكى تنتشر أنباء العفو عنهم ليكون ذلك سلاحاً يمكن استعماله ضدهم من جديد فى حالة الرغبة فى إعادة اعتقالهم .
وإذا أحسن تنفيذ هذه المرحلة مع المرحلة السابقة فستكون النتائج كما يلى:
1 ـ يخرج المعفو عنه إلى الحياة فإن كان طالباً فقد تأخر عن أقرانه، ويمكن أن يفصل من دراسته ويحرم من متابعة تعليمه .
2 ـ إن كان موظفاً أو عاملاً فقد تقدم زملاؤه وترقوا وهو قابع مكانه .
3 ـ إن كان تاجراً فقد أفلست تجارته، ويمكن أن يحرم من مزاولة تجارته .
4 ـ إن كان مزارعاً فلن يجد أرضاً يزرعها حيث وقعت تحت الحراسة أو صدر قرار استيلاء عليها .
وسوف تشترك الفئات المعفو عنها جميعها فى الآتى:
1 ـ الضعف الجسمانى والصحى، والسعى المستمر خلف العلاج والشعور المستمر بالضعف المانع من أية مقاومة .
2 ـ الشعور العميق بالنكبات التى جرتها عليهم دعوة الإخوان وكراهية الفكرة والنقمة عليها .
3 ـ انعدام ثقة كل منهم فى الآخر، وهى نقطة لها أهميتها فى انعزالهم عن المجتمع وانطوائهم على أنفسهم .
4 ـ خروجهم بعائلاتهم من مستوى اجتماعى أعلى إلى مستوى اجتماعى أدنى نتيجة لعوامل الإفقار التى أحاطت بهم .
5 ـ تمرد نسائهم وثورتهن على تقاليدهم، وفى هذا إذلال فكرى ومعنوى لكون النساء فى بيوتهن يخالف سلوكهن أفكارهم، ونظراً للضعف الجسمانى والمادى لا يمكنهم الاعتراض .
6 ـ كثرة الديون عليهم نتيجة لتوقف إيراداتهم واستمرار مصروفات عائلاتهم .
النتائج الإيجابية لهذه السياسة هى:
1 ـ الضباط والجنود الذين يقومون بتنفيذ هذه السياسة سواء من الجيش أو البوليس سيعتبرون فئة جديدة ارتبط مصيرها بمصير هذا الحكم القائم حيث يستشعرون عقب التنفيذ أنهم (أى الضباط والجنود) فى حاجة إلى نظام الحكم القائم ليحميه من أى عمل انتقامى قد يقوم به الإخوان للثأر .
2 ـ إثارة الرعب فى نفس كل من تسول له نفسه القيام بمعارضة فكرية للحكم القائم .
3 ـ وجود الشعور الدائم بأن المخابرات تشعر بكل صغيرة وكبيرة وأن المعارضين لن يستتروا وسيكون مصيرهم أسوأ مصير .
4 ـ محول فكرة ارتباط السياسة بالدين الإسلامى .
انتهى ويعرض على السيد الرئيس جمال عبد الناصر
إمضاء
السيد / رئيس مجلس الوزراء
السيد / قائد المخابرات
السيد / قائد المباحث الجنائية العسكرية
السيد / مدير المباحث العامة
السيد / شمس بدران
أوافق على اقتراحات اللجنة .
جمال عبد الناصر

هذا تقرير ردىء، وقع فى الخلط الذى حذرنا منه، ونلاحظ عليه ثلاثة أمور:
ـ أن الخصومة بلغت حد اللدد والعنت، وسنؤخر الحديث فى حقيقة ما وقع إلى آخر هذا الفصل .
ـ أن عاطفة التدين أمست موضع اتهام، وأن المتدينين جملة لا يرتاح إليهم .
ـ أن باب المسخ والتحريف الإسلامى نفسه انفتح على مصراعيه، والمتأمل فى أسماء واضعى التقرير يرى أن أغلبهم يسارى النزعة، وهم فى السجون الآن لمحاولات آثمة ارتكبوها ضد حركة التصحيح التى قادها الرئيس أنور السادات ..
لقد اتجه الهدم إذن إلى أعمدة الفكر الإسلامى نفسه، وانفسح المجال أمام كل أفاك ليقول ما عنده وهو آمن، على حين احتبست أصوات المؤمنين فى حلوقهم .
ولم يتحرك فى ميدان الدين كله إلا واحد من رجلين: إما مسلم منحرف يضر الإسلام ولا ينفعه، أو نصرانى ذكى اهتبل الفرصة فامتد إلى ما قصرت عنه آمال أسلافه من ألف عام ..
وظهر المسلمون وكأنهم فى أعقاب غارة عاتية أكلت الأخضر واليابس .
ولنشرع فى إيضاح الأمور التى لاحظناها على التقرير الآنف بادئين بآخرها الذى يمس التاريخ الإسلامى.

صور من الهجوم على الإسلام ذاته، تحقير الماضى، تزوير التاريخ

ظهرت حركة تحقير “ للماضى “ وصرف للشباب عنه وعن القيم التى يحتويها .
ترجم الدكتور زكى نجيب محمود عن ذلك فى مقال نشرته جريدة “ الأهرام “ جاء فيه أن بناء الإنسان العربى فى العصر الحديث لا يجوز أن يعتمد على ما كان أى على قال فلان وروى علان ..!!
من المقصود بهذا الكلام المرسل ؟
من الذين يعتمدون على القول والرواية فى مجتمعنا ؟
إن الرجل يطلب فى إجمال ترك القرآن والسنة، وإذا لم يصرح بذلك فلأنه حدد هدفه وصرح به فى مقال آخر عندما أوصى بقراءة كتاب “ رأس المال “ لكارل ماركس .
ونحن المسلمين تعلمنا فى كتابنا احترام “ الحقيقة “ بغض النظر عن زمان ماض أو قادم، فلا الحقيقة يشينها أنها من نتاج الأوائل، ولا الخرافة يزكيها أنها من إنتاج المعاصرين ..
ومن بيع الماء للسقائين ـ كما يقول العامة ـ أن ينصح ناصح الإسلام والمسلمين بعدم التعويل على الماضى عند وزن الحقائق، كيف والقرآن الكريم يعيب المقلدين الجامدين فيقول:
“ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون “ (المائدة: 104)
ولكن الماضى يعاب يوم يكون أمجاد الإسلام وهداياته، ويترك ليؤثر فى الكيان الدولى يوم يكون إقامة لإسرائيل وإحياء لترهات العهد القديم !!
أما الدكتور “ فؤاد زكريا “ فيربط بين تقديس الماضى والنظام الإقطاعى فيقول: “ إن زمام السيطرة فى هذا المجتمع يقع فى قبضة أناس يتجهون بحكم وضعهم الاجتماعى إلى تكريم الأسلاف والإشادة بماضيهم، فلذلك الإقطاعى الكبير يدين بثروته ونفوذه فى معظم الأحيان للوراثة ..
“ وهكذا فإن أمجاده كلها مرتبطة بالماضى، وكل قيمة للحاضر إنما تستمد ـ فى نظره ـ من علاقته بهذا الماضى . ولما كان الأعيان الإقطاعيون هم المسيطرين فى هذا المجتمع فإن طرق تفكيرهم وقيمهم الأخلاقية هى التى تنتشر وتطبع صورتها على المجتمع ككل ! ..
“ ومن هنا تتعلق الأذهان فى مثل هذا المجتمع بالماضى، وتنظر إلى المستقبل بعين الارتياب، بل إنها لا ترضى عن الحاضر ذاته إلا بقدر ما يكون انعكاساً للماضى .. “ .
إننى تحيرت فى بواعث هذا الكلام، هل الشكوى من التعلق بالماضى تعود إلى تشبث الملاك الكبار والصغار بوسائل عقيمة فى الإنتاج ؟
واقع بلادنا ينطق بغير هذا .
إذن ما القصد من مهاجمة الماضى ورفض امتداده فى الحاضر ؟
ومضيت فى قراءة كتاب “ الجوانب الفكرية للنظم الاجتماعية “ الذى ألفه الدكتور “ فؤاد زكريا “ فإذا هو يتحدث عن تأثير المصالح الإقطاعية فى التصورات الدينية فيقول إنها “ أسهمت بدورها فى تشكيل عقول الأفراد بصورة مميزة: تلك هى إدخال نوع من التفاوت أو التسلسل فى المراتب فى المجال الروحى ذاته . فهناك مجتمعات تتصور الألوهية عالية مترفعة عن عالم البشر، وتقيم نوعاً من تدرج المراتب بين هذه الألوهية وعام الناس، فبعد الله يأتى الأنبياء والقديسون، ثم كبار الكهنة ورجال الدين، ويندرج الترتيب بعد ذلك حتى يصل آخر الأمر إلى الإنسان العادى . ولا بد فى الارتقاء إلى كل مرحلة من هذه المراحل من المرور بالمراحل السابقة، أى أن الإنسان العادى لا يستطيع مثلاً أن يتقرب إلى الله أو يحظى بالشفاعة من أحد القديسين إلا عن طريق الكاهن الذى يتوسط بينه وبينهم ..
“ بالتدرج وتفاوت المراتب أن هناك نظرات أخرى إلى الدين تختفى فيها هذه الحواجز، ويشيع فيها التقارب بين الله والإنسان !! إذ يعد الله قريباً من البشر مستجيباً ومعيناً لهم، بل إن بعض المذاهب الدينية تؤكد حلول الله فى العالم، وإمكان اتحاد الإنسان به إذا هو ارتقى إلى مستوى معين من الروحانية !! هذه الفكرة الأخيرة ترتبط بنظرة أكثر ديمقراطية إلى المجتمع ..
“ والدليل على أن هذه النظرة إلى الدين انعكاس لنظام اجتماعى يتسم بالديمقراطية على حين أن فكرة تسلسل المراتب من الأعلى إلى الأدنى كانت البشرى لأنها لا ترتكز على تأكيد الفوارق فى المرتبة بين الموجودات .. وبالفعل سادت هذه النظرة فى العصور التى كانت أقرب إلى روح مقترنة بالفوارق التى هى أولى خصائص المجتمع
الإقطاعى .. “ .
أى أن الدين قد يكون إنتاجاً إقطاعياً أو إنتاجاً ديمقراطياً !! فحيث توجد فوارق بين الله والناس فالدين اختراع الإقطاعيين، أما حيث تقل الفوارق ويمكن أن يتحد الإنسان مع الله فالدين اختراع الديمقراطيين !!
هذه هى فكرة أستاذ فلسفة عن الدين يقدمها لطلابه فى كلية آداب عين شمس .
فما تكون إذن تصورات الأطفال والبله عن حقائق الأديان ؟؟
ظاهر أن الدكتور شيوعى، وأن حديثه الغامض عن الماضى وتقديس الأسلاف إنما هو لصرف الطلاب المسلمين عن النهر الذى يستقون منه، لأن منابعه هناك فى الماضى القديم .
هل الأمانة العلمية تقتضى تدريس الباطل وحده ؟ أم يدرس الحق والباطل معاً ويترك للطلاب حرية الموازنة والاختيار .
لكن أساتذة الفلسفة الذين ذكرناهم هنا لم يجشموا أنفسهم عبء الاطلاع على الفكر الإسلامى فى مظانه المعروفة وانطلقوا فى طريقهم يدمرون مستقبل أمة وهم آمنون .
بل لعلهم كانوا يفعلون ذلك وهم ينفذون خطة مرسومة، ويرقبون من ورائها الرضا والانتفاع .
وشعبة أخرى حاذت هذه الشعبة الفلسفية فى نبذ الماضى . علام تقوم ؟ تقوم على تزوير التاريخ الإسلامى والسيرة النبوية أجمع ابتداء من دولة الخلافة إلى يوم الناس هذا ..
وهدف هذه الشعبة الفكرية إبراز “ محمد “ إنساناً عادياً، أو قائد انقلاب اقتصادى يسارى على نحو ما صنع أو حاول أن يصنع “ جيفارا “ .
وقد كتب السيد عبد الرحمن الشرقاوى ـ وهو شيوعى معروف ـ سيرة على هذا النسق حشاها بالدس والتدليس العلمى وتوجيه الأحداث بعنف فى غير مسارها .
وأصدرت مجلة الأزهر عدداً يحتوى جملة مقالات فضحت هذه السيرة السيئة، وحذرت منها دون جدوى .
وقد تعرض السيرة الشريفة من خلال نظرات استشراقية واتهامات تبشيرية من غير كشف لتهافت هذه النظرات والاتهامات .
ولا بأس أن يعرض الفتح الإسلامى، وكأن العرب أسراب جراد منطلق فى الأودية اليانعة ليأتى على ما فيها .. أما تحريرهم للشعوب المسترقة وتحطيمهم للقوتين العظيمتين المنتفختين بالجبروت والاستعلاء فهذا ما لا يقال ؟!
وقد ينسب للعرب ـ امتناناً عليهم ـ أنهم نقلوا حضارة الأقدمين إلى العصور الوسطى، أما أنهم أصحاب حضارة مقدورة ورسالة هادية ومدنية راقية فلا ..
وفى كلية آداب عين شمس كان التاريخ يدرس على هذا النحو !!
مساكين طلابنا الذين راحوا ضحية هذا الإرهاب الفكرى فى مرحلة “ جأر “ فيها الضلال “ وخرس “ فيها الحق !!
كتب أخونا “ على عبد العظيم “ هذا التقرير عن كتاب ألفه الدكتور “ عبد المنعم ماجد “ وأسماه “ التاريخ السياسى للدولة العربية “ ننشر نصه كاملاً لما له من دلالة . قال:
“ المؤلف من أعضاء هيئة التدريس بكلية الآداب بجامعة عين شمس، وكان عليه أن يقدر المسئولية وأن يرعى الأمانة العلمية، وأن يعتمد فى أبحاثه ودراساته على المراجع التاريخية الأصلية التى عاصر مؤلفوها الأحداث أو نقلوها بأمانة عمن عاصرها وشارك فى أحداثها، ولكنه اعتمد على المبشرين والمستشرقين المتعصبين الذين تمتلئ قلوبهم بالأحقاد المتوارثة على الإسلام والمسلمين والذين أعمتهم العصبية الحمقاء فأضلتهم سواء السبيل ..
“ ومن الغريب أنه يسرد آراءهم دون مراجعة أو تمحيص، وينقلها كأنها حقائق ثابتة، ويلقنها لتلاميذه ويلزمهم بها كأنها أحكام صحيحة لا تحتمل البحث أو الجدال، وليس هذا شأن الأساتذة الجامعيين الذين يرعون الأمانة ويقدرون المسئولية ويتحرون الحقائق من مصادرها الأصيلة، ويراجعون أنفسهم مراجعة دقيقة قبل إصدار الأحكام الحاسمة التى تشوه التاريخ العربى وتلطخ القيم الإسلامية العليا بأبشع الأكاذيب والمفتريات ..
“ ولو كان الأمر مقصوراً على كتاب يؤلفه صاحبه ويحشوه بما يشاء من آراء المنحرفين المتعصبين لهان الأمر، ولكنه كتاب جامعى مفروض على طلبة الكلية فرضاً منذ سنوات يتلقاه الطلبة عن أستاذهم واثقين به ليرددوا ما فيه ـ بعد ذلك ـ على عشرات الآلاف من تلاميذهم فى التعليم العام عاماً بعد عام “ .
والمؤلف يعلم أن هناك مستشرقين منصفين، درسوا الحضارة الإسلامية والتاريخ العربى دراسة علمية عميقة بعيدة عن الهوى والتعصب، وأنصفوا العرب والمسلمين، وعززوا آراءهم بالأدلة الحاسمة والبراهين القاطعة معتمدين على الآثار الإسلامية الباقية والتراث العربى الخالد، ولكن المؤلف تحاماهم جميعاً واستباح لنفسه أن يسرد آراء المتعصبين الحاقدين دون دليل أو برهان كأنه يشفى غليلاً فى نفسه أو يشيع ما حملته طبيعته من بواعث الهدم والتدمير، ومن الخير أن نسوق بعض الأحكام التى ملأ بها الكاتب صفحات كتابه دون نقد أو تمحيص:
أولاً:
صفحة 60، 61 من الجزء الأول: “ كان بعض الأعراب يذبحون الكلاب كقبيلة أسد أو يأكلون لحوم الناس كقبيلة هذيل .. كما أن بعض الأعراب كانوا يأكلون الحيات والعقارب والجعلان والخنافس أو حتى القمل “ .
ثانياً:
يذكر المؤلف فى صفحة 94، 95 أن تاريخ ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم غير معروف بالضبط، ويتشكك فى ربطه بعام الفيل، ويوحى بأن ذلك ناشىء عن محاولة الربط بين مولده وهذا الحادث القومى بالنسبة لقريش، ومن الغريب أن يعتمد فى ذلك على معجم البلدان لياقوت، وهو كتاب متأخر ويعتبر من الكتب الجغرافية لا التاريخية، كما يعتمد على ثلاثة مراجع فرنسية، يفعل هذا على حين يترك المصادر التاريخية المتقدمة الأصيلة مثل تاريخ الطبرى وسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وفتوح البلدان والروض الأنف ..
ثالثاً:
فى صفحة 198 من الجزء الأول يقول المؤلف: “ وفجأة فى سن الأربعين يملك محمد موهبة النبوة “ وهذا التعبير غير لائق بجلال النبوة، فإنها ليست موهبة فطرية كالمواهب الأخرى، ولكنها اصطفاء من الله للأخيار الذين اجتباهم من عباده المخلصين .
رابعاً:
يستبيح المؤلف لنفسه أن يسرد عبارات تصف القرآن بأنه من صياغة محمد صلى الله عليه وسلم مثل قوله فى صفحة 99 من الجزء الأول: “ ومع ذلك فلم يرد على لسان النبى فى القرآن .. “ ويقول فى صفحة 125: “ وقد أناب فيه أبا بكر صديقه ليقرأ عليهم سورة براءة التى يتبرأ فيها محمد ممن يحج من المشركين “ وكأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذى ألف هذه السورة ليتبرأ فيها من المشركين مع أن أول السورة “ براءة من الله ورسوله “ .
خامساً:
فى صفحة 250 يصدر المؤلف حكماً غريباً يهدم الشريعة الإسلامية من أساسها، حيث يقرر أن الوحى كان يتم فى المنام، وكأنه أضغاث أحلام فيقول عن الوحى: “ إنه كان ينزل عليه وهو نائم “ .
سادساً:
يدعى فى صفحة 250 أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ “ كان ينسخ بعض الآيات ويأتى بأخرى محلها “ وكأنه هو الذى ألف القرآن ثم أجرى فيه بعض المحو والأثبات، وكأنه ليس وحياً سماوياً منزلاً .
على أن موضوع النسخ فى القرآن محل جدل بين علماء المسلمين، وعلى فرض ثبوته فهو من عند الله وحده وهو تدرج فى التشريع موحى به من عند الله لا من عند محمد ـ صلى الله عليه وسلم . قال تعالى: “ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين “[الحاقة: 44ـ47]
سابعاً:
يذكر المؤلف فى صفحة 127، 128 من الجزء الأول عن رسالة النبى صلى الله عليه وسلم فيقول: “ وهو وإن كان أرسل إلى العرب إلا أنه اعتبر نفسه أنه مرسل إلى العرب وحدهم ولكنه تجاوز حده واعتبر نفسه رسولاً إلى كافة الناس “ .. وكأنما الأمر متروك إليه يقرر فيه ما يشاء من دلالة النصوص القرآنية وتواتر الأحاديث النبوية على رسالته إلى جميع الناس “ ليكون للعالمين نذيراً “ (الفرقان: 1) .
ثامناً:
فى صفحة 127 يذكر المؤلف أن رسالة المسيحية عامة وليست خاصة كاليهودية، والمؤلف هنا يخالف القرآن الكريم فى قوله تعالى: على لسان عيسى عليه السلام “ ورسولاً إلى بنى إسرائيل “ (آل عمران: 49) كما يخالف العهد الجديد حيث جاء فى إنجيل متى “ لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة “ (الاصحاح 15: 24) فالمؤلف ينقل آراء المستشرقين والمبشرين دون نقد أو تمحيص ولو خالفت القرآن الكريم والحديث الشريف .
تاسعاً:
يتحدث المؤلف فى صفحة 128 وما بعدها عن قضية البعث والحساب فيصوغها فى عبارات توحى بالسخرية والشك فيما رواه القرآن الكريم فيقول مثلاً: “ ويخرج الأموات من قبورهم ليقفوا أمام الله والملائكة ليحاكموهم “ وكأنها محكمة جماعية يتبادل فيها القضاة الآراء ويحكمون برأى الأغلبية، ولنا أن نتساءل ما علاقة هذا بالدراسة التاريخية ؟
والمؤلف متأثر بما كتبه صاحب كتاب “ الفن القصصى فى القرآن الكريم “ الذى رفضت جامعة القاهرة قبوله رسالة للدكتوراه، وكأنه مولع بنقل آراء الحائدين عن الصواب من شرقيين وغربيين .
عاشراً:
يقول المؤلف فى صفحة 123 أن الزكاة فى الإسلام ليست نوعاً من التضامن الاجتماعى كما فى وقتنا، وإنما هى حث على الشفقة والرحمة واستغلال فى الجهاد ونشر الدين، فهل الشفقة تتعارض والتضامن الاجتماعى ؟
إن القرآن الكريم لم يعتبر الزكاة إحساناً وإنما جعلها حقاً مفروضاً للسائل والمحروم، وقد حدد الإسلام مصارف الزكاة وليس فيها نص على الجهاد وحده ونشر الدين فحسب، وإنما هما يدخلان فى أحد وجوه الصرف الثمانية كما ذهب إليه بعض المفسرين .
حادى عشر:
ينفى المؤلف فى صفحة 134 أن “ الدين الإسلامى عالج نظم الحياة بنصوص صريحة “ وكل من له العلم بالتشريع الإسلامى يدرك بأدنى ملاحظة النصوص الصريحة التى تناولت جميع شئون الحياة من بيع وشراء وهبة ودين ووصية وزواج وميراث كما حددت الفضائل والرذائل والعلاقات الاجتماعية والنظم السياسية وشئون الحرب والسلام، كما تناولت أساليب الحكم والقضاء وحددت الجرائم والقصاص والحدود .. كما تناولت حقوق الإنسان قبل أن تحدده هيئة الأمم بأكثر من 13 قرناً .
ثم يكرر هذا الاتهام فى صفحة 138 فيقول: “ والواقع أن الإسلام لم يدع أنه بنى مجتمعاً فى غاية التنظيم “ !!! لقد كان العرب قبائل متناحرة متنافرة يحارب بعضها بعضاً لأتفه الأسباب، وما كان يمكن أن تتألف منها وحدة تامة، وما كان القرآن الكريم ينفذ إلى قلوب أفرادها حتى أصبحت أمة قوية متماسكة كالجسد الواحد أو البنيان المرصوص، قال تعالى: “ وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف
بينهم “ وما تفرق شملهم إلا بعد أن تهاونوا فى التمسك بدينهم القويم وكتابهم الكريم .
ثانى عشر:
سرد المؤلف فى صفحة 134 ما يلوكه المبشرون من تعدد الزوجات دون مراجعة أو مناقشة أو تمحيص، وكأنه بوق يردد أصداء الحاقدين .
ثالث عشر:
فى صفحة 136 يذكر أن الإسلام حرم الربا لأن معظم القائمين به هم اليهود وكأن التشريع الإسلامى يقوم على الأغراض الشخصية وليس وحياً سماوياً يستهدف الصالح العام لجميع العالمين، ومن العجيب أن المؤلف يتناول الآيات القرآنية ويفسرها تفسيراً يدل على عدم فهمه لأسلوب القرآن العربى المبين فقد فسر المؤلف قوله تعالى: “ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس “ (البقرة: 275) وقد فسرها المؤلف بأن الآية تشبه “ آكل الربا بالشيطان “ (جزء 2، ص 275) مع أن الآية الكريمة واضحة بينة يفهمها العامة قبل الخاصة، ولكن سوء الفهم حجبه عن أنوار القرآن الكريم .
رابع عشر:
فى صفحة 145 يقول المؤلف: “ ولا ريب أن النبى نفسه تعب من استهتار العرب بالدين وعدم ميلهم إليه “ وهو تعبير يجافى الذوق السليم إزاء النبى صلى الله عليه وسلم الذى قضى حياته مكافحاً مناضلاً يتقدم الصفوف ويقود المسلمين فى مواطن الخطر دون أن يدركه ملل أو كلل ودون أن يخشى فى الله لومة لائم فكيف يتعب من الدعوة إلى الله .
خامس عشر:
لاحظنا أن المؤلف يلتزم نقل آراء المستشرقين ويتحمس لها، ولكنهم إذا أنصفوا الإسلام فى موقف ما أسرع إلى مخالفتهم وكأنه موكل بتشويه صفحة الإسلام الوضاءة وتلويث تراثه المجيد فنجده فى صفحة 163 يقول: “ لا نوافق بعض المستشرقين فى قولهم أن العرب كانوا مدفوعين نحو الفتوح بالحماس الدينى .. ولكن من غير المعقول أن يخرج البدوى ـ وهو الذى لا يهتم بالدين (!) ـ لنشر الإسلام “ .
ومن العجيب أن يقرر المستشرقون الحقيقة وينصفوا الفتوحات الإسلامية، ولكن المؤلف المسلم يخالفهم على غير عادته فيزعم أن الصحابة لا يهتمون بالدين، وأن الفتوحات الإسلامية كانت قائمة على النهب والسلب لا على نشر الإسلام .
سادس عشر:
ينكر المؤلف كعادته آثار التسامح الإسلامى فى تحرير الشعوب من أغلالها فيخالف آراء جميع المؤرخين العرب كما يخالف آراء جمهرة المستشرقين، ويكتفى برأى يوحنا النقيوس الذى انفرد بذكر مقاومة الأقباط فى مصر للفتح الإسلامى مدة 12 عاماً دون مناقشة أو دليل ليخلص من هذا إلى أن الفتوح الإسلامية كانت قائمة على النهب والسلب وإشباع شهوة سفك الدماء (ص 221 ـ 223) .
سابع عشر:
يذكر فى صفحة 180 أنه “ كان لانتصار المسلمين فى أجنادين وقع عظيم بحيث اعتقد المسلمون أن هذا النصر من عند الله “، وهى عبارة تصدم العقيدة الإسلامية فى الصميم، لقد انتصر المسلمون قبل أجنادين، فهل كانوا يعتقدون أن هذا النصر من عندهم لا من عند الله ؟
ولقد كانوا يحفظون القرآن الكريم وفيه قوله تعالى: “ وما النصر إلا من عند الله “ (الأنفال: 10)، ولو كان للمؤلف الأغر أدنى معرفة بالعقيدة الإسلامية لعلم أن النفع والضر بيد الله وحده وأن الإنسان لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، فهل كان الصحابة ينكرون هذا ولم يعتقدوه إلا بعد انتصارهم فى أجنادين !!
ثامن عشر:
فى صفحة 227، 230 يرمى المؤلف الصحابة بالوحشية والإجرام فى فتوحاتهم الإسلامية، ويزعم أنهم كانوا قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يكتفون بحرق المزارع وهدم البيوت، وإنما يحاولون قهر الشعوب المفتوحة، وإرغامهم على دفع الجزية حتى ولو أسلموا، مخالفاً بذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع المؤرخين، ثم يشتط فى أحكامه فيزعم أن العرب فى فتحهم لبرقة وطرابلس اكتفوا بفرض الجزية وأجازوا لأهلها بيع أبنائهم ليدفعوا الجزية، ولو رجع إلى المصادر الوثيقة لعلم أن الجزية لا تفرض إلا على القادرين ـ من غير المسلمين ـ على دفعها، وأنها تقابل فريضة الزكاة عند المسلمين، وأنها تنفق لتحقيق الصالح العام للجميع لا للغزاة الفاتحين، ولكنه لا يريد أن يعلم وإنما يلتزم الباطل التزاماً . ومن هذا ما زعمه من أن المسلمين “ أرغموا أهل النوبة على أن يحملوا كل سنة إلى ولاة مصر 260 رأساً من الرقيق غير المعيب المتوسط العمر !! ولو كان للمؤلف الأغر أدنى إلمام بالثقافة الإسلامية لعلم حرص الإسلام الشديد على تحرير الرقاب وأنه أهاب بالمسلمين أن يتقربوا إلى الله بتحرير الرقيق أى الرقاب، وأنه جعل هذا العتق كفارة بعض الذنوب وأنه رصد جزءاً من صدقات المسلمين لإنفاقها فى تحرير الرقاب قال تعالى: “ فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة: فك رقبة .. “ (البلد: 11 ـ 13) ولكن المؤلف يجهل أحياناً ويتجاهل فى معظم الأحيان .
المؤلف مولع بتشويه صفحات الفتوحات الإسلامية بكل الوسائل، وهو يستبيح فى سبيل إشباع شهوته نقل الأساطير الوهمية، وهو يسوقها دون مناقشة أو جدال كما قال فى صفحة 204 من الجزء 2 عن فتح المسلمين للأندلس “ قيل إنهم طبخوا أول من قتلوه فى القدور “ ولو كان المؤلف مؤرخاً حقاً لدرس الفتح الأندلسى دراسة جادة، فعلم أن الأهالى ساعدوا العرب مساعدة قيمة للتخلص من حكم طاغيتهم المستبد لذريق، ولو كان المؤلف جاداً فيما يكتب ما اعتمد على الأساطير والخرافات، ولعلم أن المسلمين حريصون على تحرير الشعوب، ولكنه حريص على أن يصور المسلمين وحوشاً مفترسة من آكلى البشر، ولو كان المؤلف قد نال قسطاً يسيراً من الثقافة الإسلامية لتذكر وصية النبى صلى الله عليه وسلم للمجاهدين من الصحابة ومن تلاهم: “ لا تقطعوا شجراً ولا تقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً ولا تهدموا بيتاً “ ويظهر أن المؤلف الأغر لا يأخذ بالقرآن الكريم ولا بالحديث الشريف وإن ذكرهما فى مصادره للتمويه والتضليل .
عشرون:
المؤلف مهتم كل الاهتمام بتشويه سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، فهو يرمى عمر بأنه كان يخشى الرجال الأشداء فينحيهم عن مناصب القيادة (صفحة 183) ويكرر هذا فى صفحة 200 ليبرر عزله خالداً أو المثنى بن حارثة، ونسأل المؤلف الأغر: هل نحى عمر أبا عبيدة وسعد بن أبى وقاص وعمرو بن العاص وغيرهم من كبار القادة الأقوياء عن مناصبهم ؟
وشبيه بهذا ما ذكره عن الإمام الحسن رضى الله عنه ناقلاً ما ذكره خصومه من الأمويين وطائفة من المبشرين والمستشرقين حيث يقول فى صفحة 2 من الجزء الثانى: “ فلعل وفاة الحسن كانت بسبب إسرافه فى حياة
اللهو .. “ ويتناسى أنه سبط الرسول صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة، وأن الله سبحانه وتعالى أنزل فيه وفى أسرته: “ يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً “، نعم يتناسى أن هناك رأياً قوياً فى التاريخ الإسلامى مؤداه أن معاوية أغوى امرأة الحسن بسمه على أن يزوجها ابنه يزيد فلما أقدمت على فعلتها النكراء واتته تستنجزه وعده راغ منها وأرضاها ببعض المال، فالحسن على هذه الرواية قتيل السياسة الأموية الدنيوية لا قتيل الشهوات الدنية . لكن مصادر الإسلام الصحيحة والراجحة من قرآن وسنة وخبر صادق وراجح لا ترقى لمستوى مطاعن المبشرين والمستشرقين عند هذا المؤرخ “ المسلم “ !
واحد وعشرون:
يستبيح المؤلف لنفسه أن يهب النبوة لمن يشاء ويسلبها ممن يشاء، فهو يمنح “ زرادشت “ النبوة دون سند حيث يقول فى صفحة 194 من الجزء الأول “ وكان رسول هذه الديانة نبى اسمه زرادشت “ على حين ينكر النبوة على إدريس عليه السلام جاهلاً أو متجاهلاً قوله تعالى: “ واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً “ (مريم: 56) .
اثنان وعشرون:
المؤلف يلتزم التعبير المجافى للذوق السليم، فضلاً عن مجافاته للتعبير، فهو يذكر “ الفتح العربى “ بدلاً من الفتح الإسلامى، ويذكر “ الدين العربى “ بدلاً من الدين الإسلامى، وكأن الفتح الإسلامى كان مقصوراً على العرب وحدهم ولم يكن موجهاً إلى العالمين، وما سمح لنفسه قط أن يتبع ذكر محمد بالعبارة المأثورة “ صلى الله عليه وسلم “ والله تعالى يقول: “ إن الله وملائكته يصلون على النبى، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً “ (الأحزاب: 56) وإذا كان المؤلف لا يعد نفسه من “ الذين آمنوا “ فهو يخاطب قوماً مؤمنين، فإن فاته أدب الإيمان فلا يفوتنه أدب الخطاب !
وقد حرص المؤلف الأغر على طبع كتابه فى بيروت خشية أن يلاحقه الرقيب فى مصر، وفرضه على تلاميذه منذ خمس سنوات، وفاته أن عين الله لا تغفل وأن الذين يلحدون فى آياته لا يخفون عليه .
ولعل هناك صلة بين كتابه وكتب التبشير الصادرة فى بيروت، ولو اجتهد المؤلف فأخطأ مرة وأصاب مرات لالتمسنا له العذر ولكنه ـ وا أسفاه ـ لا يجتهد ولا يبحث، وإنما هو ناسخ فحسب، يتعمد نقل ما يشوه القيم الإسلامية المثالية ويرتمى على أقدام المبشرين والمستشرقين المتعصبين، ويمعن كل الإمعان فى التفاهة والضلال .
وكأنه يعيش فى دولة غير إسلامية ينص دستورها على أن دينها هو الإسلام وينادى رئيسها بشعار “ دولة العلم والإيمان “ .
إن بقاء هذا المؤلف بين أعضاء هيئة التدريس بكلية آداب عين شمس خطر على البحث العلمى والأمانة التاريخية والفضائل الخلقية والتراث الإسلامى المجيد “ .
“ على عبد العظيم “

وندع هذا التحامل الجهول على تراثنا وتاريخنا، ونستعرض لوناً آخر من تزوير الحقائق وتضليل الأجيال وتحريف الكلم عن مواضعه لخدمة الإلحاد والاستعمار بدعوى القومية العربية أو الوطنية المصرية .

القومية العربية ومعناها

عندما أغار الاستعمار الحديث على العالم الإسلامى كان عقله الباطن والواعى طافحاً بالحقد على الإسلام وأمته المترامية الأطراف .
كان عقله الباطن والواعى مستغرقاً فى المكر بهذا الدين والقضاء عليه، وكان اتجاهه إلى الاغتيال شاملاً للعقيدة والشريعة على سواء أو للقلب النابض والمظاهر المتحركة جميعاً .
إلا أن عمله لثقب الصدور وتفريغ الإيمان منها وإبقائها جوفاء فارغة كان أحظى وأسرع لإبلاغه مأربه من أى تغيير آخر لأنماط الحياة وأشكالها، ومن ثم استمات فى محاربة الإيمان، وإنشاء أجيال جاهلة بربها ورسولها أى بكتابها وسنتها .
يقول شوقى مناجياً النبى صلى الله عليه وسلم وباكياً تلك الحال:
شعوبك فى شرق البلاد وغربها
كأصحاب كهف فى عميق سبات

بأيمانهم نوران: ذكر وسنة
فما بالهم فى حالك الظلمات ؟

والحقيقة أن الاستعمار جرد أيدى المسلمين من الذكر الحكيم والسنة المطهرة، وبنى الثقافات التى احتضنها والنضهات التى أقرها على أن تكون بعيدة كل البعد عن الكتاب والسنة .
وبناء الأمم على غير عقيدة لا يساوى شيئاً .. إن العقيدة فى الكيان الاجتماعى كالقلب فى الجسد الإنسانى، وكالتيار فى المصباح الكهربائى وكالوقود فى الآلة الدوارة .
واجتياح عقيدة فى أمة ما، معناه إبقاؤها على الأرض مجموعة من الناس لا تصلح فى سلم ولا حرب، ولا تكترث إلا لملذاتها الفردية، ولا تصير فى الأسرة الدولية إلا عضواً زرياً يحسن الأكل والسفاد وحسب .
وقد اجتهد الاستعمار أن يوقع بالمسلمين هذه النكبة الماحقة عندما هبط أرضهم، واستباح عرضهم، وقرر سراً وعلناً أن يفتنهم عن دينهم، وألا يسمح لهم بالعيش فى ظله .
يقول الأستاذ أحمد موسى سالم فى كتابه “ الإسلام وقضايانا المعاصرة “ أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وإلى اليوم ظهرت دعوات وصيغ كثيرة فى بناء القومية العربية، أو فى العمل على تقويضها وتفتيت فكرتها، بعض هذه الدعوات أوحى به الاستعمار، وبعضها أفرزه التخلف وشجعه الشعور المهين بالتبعية الثقافية للغرب، وبعضها يمكن أن يصحح نفسه ويتطور ويقترب من الاتجاه الصحيح .
وفيما يلى نستعرض فى إيجاز عابر صوراً دقيقة بقدر الإمكان لهذه الدعوات أو الصيغ التى يتداولها الفكر فى المجتمع العربى من الخليج إلى المحيط، فى إطار الدعوة للقومية العربية، وذلك منذ سقط الصرح البالى للإمبراطورية العثمانية عن هذا الوليد العربى القوى الغنى الذى يصرخ بطلب الحياة، بينما تمتد مخالب كثيرة لأعدائه تدعى أمومته أو أبوته لتصنع منه عبداً، وتفرض عليه وصاية من خلال حضانتها له بفكر سياسى خاطىء وإن كان له بريق:
1 ـ دعوة قديمة حديثة ترفض الإقليمية والقومية معاً وتنادى بالفكرة العالمية الغربية، وهذه تتردد فى أفكار فردية، أو مدارس فكرية مقنعة، تتحرك هنا وهناك فى مباحث ثقافية ذات طابع تحررى، وهى دعوة تشجعها الصهيونية والاستعمار من قرب أو من بعد .
2 ـ دعوة إقليمية ترفض القومية العربية إيثاراً لوطنيات ضيقة باسم الفرعونية أو الفينيقية أو الآشورية، وهى أثر من آثار التحرك الاستعمارى العاجل عقب سقوط الدولة العثمانية لقتل أى احتمال بظهور وانتشار فكرة القومية العربية بمعناها المقبول .
3 ـ دعوة لاتحاد العالم الإسلامى ترفض القومية العربية، وهى أثر من آثار وتراكمات الوجود التركى فى الوطن العربى، ودعوة يجند لها الاستعمار الجديد كل قواه لتفتيت الصمود العربى أمام إسرائيل    (لنا رأى فى هذا الكلام سوف نذكره)، وهو يحاول من خلال جماعات إسلامية كثيرة ووسائل إعلام ملتوية أن يبث بها المخاوف من القومية العربية فى قلوب علماء الدين .
4 ـ دعوة للقومية العربية أوربية الشكل والمضمون، وهى دعوة ينفثها الاستعمار ـ مع جهوده المتنوعة لقتل القومية العربية ـ داخل الجماعات الرجعية وقيادتها المثقفة التى تؤمن بمجتمع “ الكبراء والصغراء “، وتريد أن تفرض تصورها للقومية العربية بالشكل الذى يحمى نظرية التفوق والدم وامتيازات رأس المال .
5 ـ دعوى للقومية العربية ترفض الدين وتشترط هذا الرفض، وهى دعوى تمتزج فيها المؤامرات الثقافية الخارجية بالانعكاسات المحلية لجيوب دينية وطنية .
6 ـ دعوى لاتحاد وتضامن العرب تتجاوز إرادة الشعوب إلى علاقات الحكومات وتتمثل فى جامعة الدول العربية التى تأسست سنة 1944 بهدف “ توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيهاً تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها كما جاء فى ميثاقها “ .
7 ـ دعوى للقومية العربية يتبناها التقدميون الماركسيون يضعون فى مقوماتها التجانس العقلى والثقافى ووحدة النظرة إلى الكون بدلاً من الدين، والأممية بدلاً من الإنسانية “ .

ولنا تعليق على الطيف الثالث من هذه الأطياف السبعة فإن العالم الإسلامى المركب من أجناس شتى يحترم العرب ويقدس لغتهم، ويعلم أن العرب هم دماغ الإسلام وقلبه، وأنه يستحيل وجود إسلام من غير أمة عربية سيدة ما دام القرآن عربى الآيات، وما دام النبى عربى التراث، وما بقيت مكة فى مكانها من أرض الله، فالعرب إن اكتشفوا ذاتهم واحترموا مكانتهم هم جزء من الرسالة الخاتمة، ولن يتبرم بوضعهم مؤمن أو يفتات على حقهم منصف .
ولكن يوم ينسى العرب هذه الحقيقة الدينية والتاريخية فسينطبق عليهم قول القائق:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها
هواناً بها كانت على الناس أهونا

والمؤلف الكبير ذكر أن هناك عرباً تجردوا من تاريخهم ورسالتهم، أو بتعبير أصرح جردهم الاستعمار من ذلك كله، وأغراهم برفع راية العروبة وحدها على نحو ما شرح فى الطيف الرابع والخامس والسابع، ولكى يعرف الناس حقيقة هؤلاء الخادعين المخدوعين يرجع إلى كلامهم (من كتابات “ ميشيل عفلق “ و “ ساطع الحصرى “ و “ قسطنطين زريق “ وآخرين).


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الباب الخامس/ شبهات أخرى


أتانا وافد من “ أسيوط “ بوريقات تضمنت عشرات المطاعن ضد الإسلام، كتبها شخص يدعى “ كميل جرجس “ وجمع عليها بعض طلاب الجامعة !
وتصفحت على عجل مختلف الموضوعات التى تعرض لها الكاتب، ورأيت أنها تحتاج إلى رد وبيان، وسيعرف القراء قيمتها عندما نذكرها .
وقد أسافر إلى أسيوط لأحسم العلة من جذورها، ويكفى هنا أن أسوق أمثلة لما يشاع عن ديننا، ويجد طريقه ممهوداً إلى أدمغة القاصرين !!

غلطة فلكية !

كذَّب الكاتب قوله تعالى: “ والشمس تجرى لمستقر لها “ وزعم أن ذلك يخالف العلم ..
أى علم ؟!
.. إن جريان الشمس من أسرتها المعروفة فى فضاء الله الواسع مقرر فلكياً، لم ينكره أحد قط،
 ولكن “ عبقرى أسيوط “ يريد تكذيب القرآن، فحكى دورة الأرض حول محورها، ودورتها حول أمها الشمس، ثم قال: “ من هذا يتضح أن الشمس لا تجرى ولا تذهب لتسجد تحت العرش، وأنها لا تغرب فى عين حمئة .. “ .
والاستنتاج مضحك فقد فهم العبقرى أن دوران الأرض حول الشمس يعنى أن الشمس ثابتة، وفهم من قوله تعالى: “ وجدها تغرب فى عين حمئة “ أن الشمس تغطس فى الماء يومياً ثم تخرج !!
ولم يدرك ما يعرفه الأطفال عندنا أن اختفاء قرص الشمس فى الماء إنما هو فى عين الرائى لا فى حقيقة الأمر !!
أما أن الشمس تسجد لربها، فإن الجماد والنبات والحيوان والكائنات جمعاء خاضعة لله، تسبح بحمده، وتهتف بمجده، وتلبى أمره، وهى طوع مشيئته ..
ويوم لا يأذن للشمس فى الشروق، وينهى أمر الدنيا، ويفتح يوم الحساب، فمن الذى يعصيه ؟
ويظهر أن المسكين فهم من سجود الشمس أنها تصلى ركعتين كسائر البشر !! “ ألم تر أن الله يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس. وكثير حق عليه العذاب . ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء “ (الروم: 24) .

الكسوف والخسوف

قال الكاتب: “ جاء فى سورة الروم: “ ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً، وينزل من السماء ماء فيحيى به الأرض بعد موتها، إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون “ .
“ وروى البخارى فى صحيحه عن أبى موسى الأشعرى قال: خسفت الشمس فقام النبى فزعاً يخشى أن تقوم الساعة فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله، وقال: “ هذه الآيات التى يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا حياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره “ . (البخارى) .
وبعد أن ذكر الكاتب التفسير العلمى للبرق، والكسوف، والخسوف كما هو مقرر فى الكتب المدرسية قال: “ إذن فالواضح أنه ليس الهدف من البرق أن يخوف الله البشر، أو الهدف من الكسوف ما ظنه البعض بجهالة أنه لموت إبراهيم (ابن النبى)، أو خشية قيام الساعة بل الأمر مجرد ظواهر طبيعية عادية، وهذا هو فضل العلم الحديث على البشرية جمعاء، ولكنهم لم يكونوا يدركون ذلك بعد، وكان تفسيرهم لتلك الظواهر نابعاً من استنتاجات محدودة “ .
ونقول: هذه الظواهر الطبيعية العادية كما يسميها الكاتب هى آيات الله فى منطق المؤمنين به .. فحياة الأرض بعد نزول الماء آية وإن سماها ظاهرة طبيعية، والتفريغ الكهربى الناشئ من تلاقى السحب آية سواء أحدث صوت الرعد أم ضوء البرق .
ورجاء الناس فى أن تهمى هذه السحب طمع فى محله لا يستغرب، وخوفهم أن يكون البرق وليد سحاب جهام لا خير فيه خوف فى محله لا يستنكر . ولو خشوا أن يتحول التيار الكهربائى إلى صواعق مهلكة فخشيتهم طبيعية لا نكير عليها ..
أما تصور الكاتب أن الناس تخاف البرق لأن عفريتاً يصنعه فهذا تصور أطفال، والآية التى أوردها عن البرق والمطر واحدة من ثمانى آيات متتابعة تصف ما يسميه ظواهر طبيعية وصفاً جليلاً رائعاً يحييه العلماء من قلوبهم .
أما قصة الكسوف فلا ندرى مقدار العمى الذى كان صحب الكاتب وهو يذكرها، لقد وهل الناس أن الشمس كسفت لموت إبراهيم بن النبى عليه الصلاة والسلام، فقام النبى ينفى ذلك بشدة مؤكداً أن الكسوف والخسوف آيات إلهية، أو بالتعبير الحديث ظواهر طبيعية .
وزهد صاحب الرسالة فى المجد الذى أتاحته الظروف !! وكان فى وسعه أن يسكت تاركاً هذا الظن يستقر، ولكنه أبى، وأمر أتباعه بالصلاة تحية لرب الأرض والسماء، وانحناء أمام عظمة مسير الكواكب فى الفضاء .
أهذا مسلك يعاب ؟! شاهت الوجوه ..
ومعروف فى سيرة النبى الكريم أنه كان شديد الرقابة لله، شديد الخشية منه، وربما تعصف الريح فيقلق خشية أن تكون ريحاً مدمرة يعذب الله بها المتمردين عليه، فهل قالوا: إن هبوب الريح من علامات الساعة ؟
وهل خوف النبى من أن يكون الكسوف إيذاناً باقتراب الساعة يدل على شىء أكثر من شعوره الحى بقرب لقاء الله .
ولنترك ما حكاه “ أبو موسى الأشعرى “ فى ذلك ولنتدبر ماذا قال الرسول نفسه عن الكسوف والخسوف ؟ قال عنهما: آيتان من آيات الله .. وحسب ..
فأى اعتراض علمى على هذا ؟
ويقول الكاتب: “ يحدد لنا العلم أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر “، وليس كما جاء فى الحديث: “ خسفت الشمس “ .
الجواب: ليس هذا تحديداً علمياً، وإنما هى اصطلاحات تواضع عليها بعض الناس لا تؤثر فى طبيعة اللغة العربية التى تسمح باستعمال الكسوف والخسوف للشمس على سواء .
إن كلمة “ التبشير “ شاعت فيما يفرح، ولكنها لغة تستعمل فيما يسر، وفيما يسوء .
وكلمة “ أصاب “ أو “ مصيبة “ تستعمل فى الآلام والمتاعب، ولكنها لغة تستعمل كذلك فى الأفراح
 “ ما أصابك من حسنة فمن الله “ (النساء: 79) و “ نصيب برحمتنا من نشاء “ (يوسف: 56) ولكن عبقرى أسيوط الذى لا يعرف من لغة العرب إلا نزراً يريد أن يتصيد أخطاء لغوية لرجال البلاغة العربية.

غلطة جغرافية !

وننقل هذه “ النكتة “ ليتفكه بها القراء:
روى البخارى بسنده أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر مواقيت الحج: قرناً لأهل نجد، وذا الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام، ويلملم لأهل اليمن “ وذكر العراق فقال: لم يكن يومئذ عراق .. “ .
وليس يعنينا: من سأل ولا من أجاب وبديهى أن معنى “ لم يكن يومئذ عراق “ أنه لم يكن حجيج وافدون من العراق ..
لكن أخصائى الشبه قال: “ ولكن الواقع العلمى يثبت ويؤكد أنه كان يومئذ عراق، ولكن القوم لم يكونوا قد ذهبوا إليه !! أو سمعوا عنه !! .. “ .
العرب فى الجزيرة والشام لم يكونوا يعرفون أن هناك قطراً مجاوراً لهم اسمه العراق .
لقد كان سكان العراق عرباً، وكانت علاقاتهم بسكان الجزيرة قائمة، وكان العرب إذا ذهبوا إلى فارس أو الهند مروا طبعاً بالعراق .
ولقد وصف النبى قصور “ الحيرة “ كبرى مدن العراق يومئذ للمسلمين، وهم محصورون وراء الخندق، وبشرهم بأنهم سيفتتحونها، فكيف يقول أبله: إن العرب كانوا يجهلون وجود العراق لأن “ علم الجغرافيا “ لم يكن تأسس بعد؟!!

الشهاب الراصد

ويتحدث الكاتب عن الشهب الساقطة فيكذب ما ورد فى القرآن من أنها رجوم للشياطين .
جاء فى سورة الجن: “ وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً “ (الجن: 8، 9) .. ونقول: أجمع علماء الكون على رحابته، واتساع آفاقه، والسؤال الذى نورده: هل أبناء آدم وحدهم هم العقلاء الذين يحيون فيه ؟! . أيبنى رجل قصراً من سبعين ألف طبقة ثم يسكن غرفة منه ويدع الباقى تصفر فيه الريح ؟ فلم بناه بهذه الضخامة ؟
الواقع أن هناك غيرنا يسكن هذا الكون، ومن هؤلاء “ الجن “ الذين تحدثت عنهم الأديان، فإذا حاول أحدهم التمرد، وإفساد الهداية النازلة لأهل الأرض فما المانع من إرسال شهاب وراءه يحرق كيانه ؟
ولم يقل القرآن الكريم إن “ كل “ شهاب يلمع فهو وراء شيطان سارق ! لم يرد هذا القصر فى القرآن قط، فقد تتساقط الشهب لأمور أخرى لا ندريها ولم يعرف العلم المعاصر عنها شيئاً .
ومن هنا فإن القول بأن القرآن “ أصبح يتناقض مع العلم فى قصة الشهب “ لغو لا أصل له .

خزان المياه

ويكذب الكاتب "النابغ" قوله تعالى “ وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين “ (الحجر: 22) فيقول:
أصبحنا بعد إقامة السد العالى من أكبر الخازنين لمياه الأمطار .
وبذلك تكون الآية كاذبة !!
فإن خزن المياه فى “ الأزيار “ أو فى “ الصهاريج “ أو وراء السدود لم يكن معروفاً فى الدنيا حتى بنى سد أسوان .!!!
أرأيت هذا العمى ؟؟
إن خزن مياه الأمطار على هذا النحو معروف للأولين والآخرين .
والآية تشير إلى معنى رائع فإن الزروع تحتاج إلى الماء لتنمو، والناس والدواب تحتاج إلى الماء لتحيا، وقد تكفل الله بإعداد المقادير من الماء الصالح لسد هذه الحاجات كلها، ورتب لذلك عمليات البخر وتكون السحب وسقوط الأمطار، وتفجر الينابيع أو جريان الأنهار ..
وستذوى أعواد النبات وتفنى أجساد البشر، ويعود ما فى هذه وتلك وغيرهما من ماء، ليأخذ دوره البخر والسحب والأمطار .. الخ وهكذا دواليك . [ أكدت هذا المعنى آية أخرى “ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض، وإنا على ذهاب به لقادرون “ ] .
وتوفر العذوبة للماء، وحفظ القدر الذى تحتاج الدنيا له، هما معنى الاختزان الوارد فى الآية.
وما فهم ذكى ولا غبى أن الناس عاجزون عن خزن المياه لأنفسهم فى قلة أو زير أو مستودع
صغير أو كبير .. !!

فهم عجيب

وتصفحت الكراسة التى بين يدي، وهى مليئة بلغو ممل، لأتبين حدود الهجوم على القرآن الكريم، فوجدت الكاتب يتحدث عن ابنى آدم اللذين قتل أحدهما أخاه .
والقصة معروفة: أخ صالح تقرب إلى الله بقربان فقبله منه، وأخ شرير تقرب كذلك فرفض الله قربانه، فتوعد الشرير أخاه بالقتل، ولكن الأخ الطيب نصح أخاه الفاشل قائلاً: “ إنما يتقبل الله من المتقين “ أى اتق الله ليقبل منك عملك، كما قبل منى، ولم تجد النصيحة، وافترس الشرير أخاه .
وقد تناول عبقرى أسيوط هذه القصة، وذكر أنها واردة فى التوراة .
لماذا ؟ .. يقول: هذه القصة لو تمت على هذه الصورة لكان القاتل بريئاً ؛ إذ تعرض بسبب رفض قربانه لحالة نفسية قاسية نتيجة شعوره بعدالة ما كان يرنو إليه من قبول، ثم يقول: “ إن القصة تشير بأصابع الاتهام إلى المحرض على القتل، وهو الذى رفض قبول القربان “ .
ثم يقول المغفل عن الله: “ إنه لو كان قبل القربان ما تمت الجريمة “ .

حد السرقة

ووقعت عيناى على هذه العبارات فى أثناء هجوم الكاتب على “ حد السرقة “ يقول: “ أما عن تحريم الأديان للسرقة فقد كان الغرض منه ترضية الأغنياء وتأمينهم على مالهم وضمان تأييدهم، إذ المفروض بداهة ألا يسرق إلا الفقير “ !!
ويقول: “ التأميم هو اغتصاب شرعى لما سبق أن اغتصب ظلماً من الجماهير الكادحة فهو تصحيح للأوضاع وإزالة للظلم التاريخى المتأصل “ .
وقد يلومنى بعض القراء لاهتمامى بذكر هذه السخافات والرد عليها، ولو علموا ما تركته من آثار بين طلاب الجامعة فى أسيوط لعذرونى .
إن هؤلاء الطلاب لم يعرفوا عن الإسلام شيئاً، والخطة الموضوعة “ لتخريجهم “ باعدت بينهم وبين الثقافة الإسلامية الناضجة، والسليقة الأدبية العالية، حتى إذا تركوا الجامعة بعد نيل “ إجازاتها “ خدموا كل شىء إلا دينهم، وأصبحوا فريسة سهلة لمبشرين محتالين أو أفاكين من النوع الذى قرأت هنا شبهاته ضد القرآن الكريم ..
وما وقع فى “ أسيوط “ وقع قريب منه فى “ الإسكندرية “ ونتج عنه ارتداد بعض الفتية والفتيات .
إنهم مساكين غير محصنين بشىء ضد الإلحاد أو الشرك .
ولما كانت كتب السنة قد تضمنت أشياء تحتاج إلى بيان وتمحيص وكشف فلا بد من الوقوف قليلاً أمام ما أثاره هؤلاء الفتانون .

نبى مرعب

قال لى طالب جامعى بالإسكندرية: لقد أرونى كتاب البخارى، وقرءوا لى منه حديث “ نصرت بالرعب “ وتضاحكوا وهم يقولون: “ نبى مرعب “ ينشر دينه بالإرهاب، والاعتراف سيد الأدلة !!
وقلت للطالب: إن البخارى وغيره رووا هذا الحديث، وأريد أن أشرح لك المعنى الوحيد له مستعرضاً مواضع هذه الكلمة لا فى السنة الشريفة، بل فى القرآن الكريم، لتعلم أنها أتت فى سياق حرب “ دفاعية “ عن الحق “ هجومية “ على الباطل، لا عدوان فيها ولا إرهاب ..
بعد هزيمة المسلمين فى أحد نزلت هذه الآية: “ سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين “ (آل عمران: 151) .
وهزيمة أحد كانت فى أعقاب خروج المشركين من مكة، وشنهم الهجوم على الإسلام وأمته فى المدينة.
وقد استطاع المشركون إيقاع خسائر جسيمة بالمدافعين عن الدين وموطنه الجديد مما ترك آثاراً سيئة فى النفوس ..
فأراد الله أن يواسى جراحهم، وأن يشعرهم أن القتال القادم سيكون لمصلحتهم، وأنه سيقذف الرعب فى قلوب المعتدين عندما يكررون هجومهم . فماذا فى ذلك من عيب ؟
وجاءت هذه الكلمة عندما خان يهود بنى النضير عهدهم، وحاولوا قتل النبى صلى الله عليه وسلم، فجرد عليهم حملة ليؤدبهم، ولكن القوم ـ دون قتال ـ حل بهم الفزع، وقرروا الجلاء عن المدينة “ ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم من حيث لم يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب “ (الحشر: 2) .
وأخيراً ذُكرت هذه الكلمة عندما انضم يهود بنى قريظة إلى الأحزاب التى أحاطت بالمدينة تبغى دكها على من فيها، وأعلنت حصاراً رهيباً عليها .
وكان بنو قريظة قد أعطوا العهد من قبل على أن يعيشوا مع المسلمين فى سلام شريف، واعترف رئيسهم بأنه لم يجد من النبى إلا خيراً، ومع ذلك فقد انتهز الفرصة التى سنحت وأعلن الحرب الغادرة، وظن أنه سيقاسم المشركين الغنايم بعد الإجهاز على محمد وصحابته . ولكن قدر الله كان أغلب، لقد فض الله جموع المحاصرين “ وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً “ (الأحزاب: 26) .
أإذا وقعت حرب الآن بيننا وبين إسرائيل، حرب جادة يستعلن فيها الإسلام وتتحد الكلمة ويتقدم ليوث محمد يطلبون إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة، وفزع اليهود لهذا الزحف الجديد، الواثق العنيد، أإذا حدث ذلك وسرى الرعب فى قلوب أعدائنا قيل عنا إننا إرهابيون ؟
إن تحريف الكلم عن موضعه شىء مألوف عند أعداء الإسلام .
لقد نصر الله نبيه محمداً بالرعب كما قال: فهلا قيل نصره فى أى قتال ؟
إن أشرف قتال وقع على ظهر الأرض هو القتال الذى خاضه محمد وأصحابه ..
ولقد شعرت بشىء غير قليل من الضيق وأنا أقرأ قول الكاتب الأسيوطى “ توفى محمد عن ثلاث وستين سنة بعدما رفرفت راية التوحيد وطهرت الأرض من الوثنية فى أعقاب غزوات ضارية، متعددة بلغت تسع عشرة غزوة ـ كما يقول البخارى ـ هى على التوالى: العشيرة، بدر، أحد، الرجيع، رعل وذكوان، الخندق، بنو قريظة، ذات الرقاع، بنو المصطلق، الحديبية، خيبر، مؤتة، تبوك، الفتح، حنين، الطائف، ذات السلاسل، سيف البحر “ .
وبغض النظر عن الترتيب التاريخى، ما رأى القارئ إذا قلت له: إن عشراً منها على الأقل لم يقتل فيها أكثر من عشرة أشخاص هم مجموع خسائر المشركين !!!
وأن جملة الوثنيين فى شتى المعارك الكبرى تتجاوز المائتين قليلاً .
وأن خسائر اليهود فى صراعهم مع الإسلام عدة مئات من القتلى ..
هذه هى الغزوات الضارية المتعددة التى نشرت الإسلام كما يزعم الأفاكون !: خسائرها الحربية عشر، بل نصف عشر الفتنة التى وقعت بين الكاثوليك والبروتستانت فى عيد “ سان بارتلميو “ .
.. خسائرها قطرة دم أريقت لمنع العدوان، نعم قطرة بالنسبة لحمامات الدم التى صحبت تطبيق الشيوعية، وتوطيد سلطانها .
قطرة بالنسبة للألوف المؤلفة الذين ذبحوا فى صمت أو ضجة لدعم الحكم الفردى المطلق .
وبعد أن أحرقت رفات الضحايا سمعت أغرب صيحة فى العالم: إن الشيوعية تدعو للسلام !
والشيوعية فى هذا النفاق الفاجر تقلد الصهيونية والصليبية .. المتهم المسكين هو ديننا وحده !!

كذب على رسول الله (عليه الصلاة والسلام)

ونعود إلى ذكر الأحاديث التى هاجمها المستشرقون والمبشرون وسماسرتهم .
روى الكاتب الأسيوطى أن رسول الله قال: “ إذا غضب الله على قوم أمطرهم صيفاً “ [ لم أجده حتى فى كتب الموضوعات المشهورة !! ] ..
وبنى على هذا الحديث جهل قائله بالحقائق الجغرافية .. ونقول: ما رواه الكاتب كذب، والحديث باطل موضوع .
وروى عن النبى عليه الصلاة والسلام أنه حرم الثوم تحريماً قاطعاً مع ما فيه من فوائد غذائية وطبية .
ونقول: هذا كذب، فأكل الثوم والبصل والفجل جائز، وهذه المواد مباحة كلها، ولكن على آكلها ألا يؤذى المجتمع برائحة فمه، ويستطيع أن يبتعد عن غيره ويقوم بأى عمل انفرادى، وتسقط عنه صلاة الجماعة بل إن الأبخر تسقط عنه صلاة الجماعة، رحمة بالآخرين ..
وروى الكاتب حديث “ الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء “ [ الحديث رواه البخارى، والترمذى، وابن ماجه: كلهم فى: الطب، ورواه مسلم فى: السلام، والدارمى من: الرقائق، ومالك وأحمد . وهو صحيح كما بين شيخنا ]
وكذبه قائلاً: الحمى ليست من فيح جهنم، بل هى من فيح الأرض وما فيها من قاذورات تساعد على تولد الجراثيم ..
والكاتب كاذب والحديث صحيح، وما قاله ليس رداً، فإن الحمى مهما كان سببها ترفع درجة الحرارة، وتكاد تصدع الرأس بآلامها فإذا شبهها النبى بعذاب جهنم، وأوصى أن تخفض درجة الحرارة بالمبردات، فهو محق .

نماذج لتحريف الكلم

وذكر الكاتب الحديث القدسى “ إذا ابتليت عبدى بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة “ [ رواه أحمد: 2 / 144 ط الحلبى، والبخارى فى كتاب الرضى، والدارمى فى الرقاق، والترمذى فى الزهد ]، يريد عينيه . ثم علق عليه بهذه الكلمات الحمقاء:
الرأى متروك لأطباء العيون ليقرروا هل فقد البصر ابتلاء من الله أم هو ناتج عن أمراض معينة ؟
ثم قال بعد لغو طويل: “ إذن المسألة ليست الصبر أو التعويض عن فقد العينين بالجنة !! المسألة كلها نقص فى المستوى العلمى آنذاك !! “ .
والمرء يتحير فى هذا الغباء ! هل يقال لمن أصيب بانفصال فى الشبكية مثلاً: انتحر فقد فقدت نور الحياة، أم يقال له اصبر واحتسب ؟!
وهل الوصية بالصبر تعنى عدم التماس العلاج إن وجد إليه سبيل ؟
لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتداوى والتماس العافية من أى سبيل ميسور .
لكن ما العمل إذا لم ينفع الدواء ؟ أيقول الأنبياء للمرضى: موتوا بغيظكم . أم: اصبروا على قضاء ربكم، يأجركم يوم اللقاء بما يطيب خاطركم .
وذكر الكاتب حديث رسول الله فى الطاعون ثم أخذ يتخبط فى التعليق عليه، وتعليمات النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك تحصر الوباء فى أضيق نطاق ممكن لأنه يقول: إذا سمعتم بالطاعون فى بلد فلا تسافروا إليها ولا تخرجوا منها ..
ولا شك أن الباقى فى بلد تحدثه نفسه بالفرار نجاة بحياته، بيد أن النبى الكريم يوصيه بالبقاء ـ منعاً للعدوى ـ كما أسلفنا، ويجعل لمن مات مصاباً أجر شهيد، وهى مواساة كريمة، ووعد مصدوق ..
وبديهى أن يكون هذا الأجر الأخروى لمن يؤمن بالآخرة وحده، إذ ماذا ينتظر من الله منكر لوجوده، أو مفتر الكذب عليه ؟!
لكن هذا الأسيوطى المسكين يسوق حديث البخارى فى هذا الموضوع على هذا النحو:
روت عائشة قالت: “ سألت رسول الله عن الطاعون، فأخبرنى أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فى بلده فيمكث صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله إلا كان له أجر شهيد “ (رواه البخارى وأحمد) .
ثم يتساءل: “ والآن لا نقول ما رأى الطب فى هذا القول ؟ بل ما رأى المثقف العادى ؟ “ وبعد ثرثرة فارغة يقول: “ أرجو كبار الأطباء أن ينظروا فى مراجعهم حتى يشرحوا نوع الشهادة التى رأى محمد أن يخص بها المسلمين فقط .. “ .
وما نجد شيئاً نعقب به على هذا الغباء ..
ومعروف من تعاليم الإسلام أنه شديد الاهتمام بنظافة البدن، وتنقيته من كل درن، وما دام الإنسان يأكل الطعام فهو محتاج إلى إرشادات مهمة لاستقباله، والخلاص من فضلاته .
ولم يؤثر عن أحد أنه أمر بتطهير الفم كما أثر ذلك عن محمد عليه الصلاة والسلام .
ولم يؤثر عن أحد أنه أمر بالتطهر التام من آثار الفضلات الأدبية كما أثر ذلك عن الإنسان الطهور الوضىء محمد بن عبد الله فقد أوصى باستخدام الماء، بعد أن أوصى بإزالة القذى دون ملامسة اليد له، ولا بأس فى بيئة صحراوية من الاستعانة ببعض الحصى فى ذلك تنزيهاً لليد من مباشرة النجس !! ومع ذلك كله فقد أمر بدلك اليد بالتراب، أو بأى مزيل للروائح الكريهة ! ماذا يفعل أكثر من ذلك لتكريم الجسد الإنسانى ؟
وفى الجنابة إذا كانت هناك آثار للسائل المنوى تغسل، وينقى منها البدن والثوب، مع أن السائل المنوى طاهر عند فريق من الفقهاء .
غير أن عبقرى أسيوط دخل فى هذه القضية بفكر متعصب قذر، فذكر عن ميمونة ـ زوج النبى ـ أنه اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه “ (رواه البخارى، ومسلم، والإسماعيلى فى مستخرجه وابن حبان، راجع تلخيص الحبير: 1 / 142).
قال الكاتب: “ فى هذا الحديث نقف عند جملة معينة هى: “ فغسل فرجه بيده ثم دلك بها الحائط “ أى مسح يده بالحائط، أليس هذا التصرف ناقلاً للعدوى لو أنا تابعناه .. إن الطب يؤكد أن أمراضاً كثيرة مثل الديدان المعوية والبلهارسيا تنتقل بهذا التصرف من المريض إلى السليم .. “
وهذا كذب فى كذب ! من قال: إن أى زوج ينقى جسمه من آثار المباشرة الجنسية ينقل البلهارسيا وديدان الأمعاء ؟!
والكاتب الذى يمد عينيه إلى هذه الشئون كيف ينسى ما عنده من تعاليم تجعل ما يخرج من
جسمه ـ أياً كان ـ ليس نجساً .. أى الفريقين أطهر وأشرف ؟ هل نذكر له ما ورد فى الأناجيل من ذلك ؟
[ يراجع كتابنا دفاع عن العقيدة والشريعة ] .
إن التوجيهات المحمدية فى ذلك بلغت القمة، أما ما ينقل عن غيره فيثير الغثيان .
وإذا لم يكن الكاتب نصرانياً وكان شيوعياً فهل يدلنا كيف كان ماركس يتطهر ؟ إن إبقاء الغطاء على هذا الموضوع أحفظ للمروءة وأصون للذوق العام !
ويتهكم الكاتب بالطهارة الرمزية المعروفة فى الإسلام باسم التيمم . ونحن نقول له: إذا كنت تضيق أن يمس التراب بعض أعضاء الإنسان فما رأيك إذا كان الكتاب المقدس يأمر بابتلاع هذا التراب نفسه ؟ (سنسوق النص بعد قليل عند الحديث عن الاعتراف) .
وينكر الكاتب وجود السماء قائلاً: إن الفكر البشرى أيام جهالته أخطأ فى فهم الزرقة التى تحيط بنا، فوصفها بأنها سقف الأرض وسماها سماء، ثم جاءت الأديان فأكدت ذلك، وزادت بأن حددت عدد طبقاتها، وظل هذا الاعتقاد سائداً حتى أبطله العلم .
ونقول: تطلق السماء لغة على كل ما علا . وقد أطلق القرآن الكريم السماء على السحاب . قال تعالى: “ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها “ (فاطر: 27) وفى آية أخرى: “ ألم تر أن الله يزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله .. “ (النور: 42) ـ أى المطر .
ومن الآيتين معاً نعلم أن السماء هى السحاب .
وأطلق القرآن السماء على السقف العادى، وكل ما ارتفع: “ من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع .. “ (الحج: 15) .
وتطلق السماوات السبع على طباق فوقنا لا نعرف: ما هى، ولا ما أبعادها، ولم يتحدث الدين عن مادتها، ولا عن طريقة بنائها، فماذا فى العلم يخالف ما أسلفنا بيانه ؟
يقول هذا الكاتب: وراء النجوم فراغ لا نهائى، لا محدود ..
ونقول هذا كذب، فالكون محدود، والوصف بالمطلق هو لله وحده، ولم يقل علماء الفلك أنهم استيقنوا من أن كوننا هذا لا نهائى ..
ثم يجىء الكاتب إلى قوله تعالى: “ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما “ فيزعم أن هذا الرأى يناقض جميع النظريات العلمية، كما يعرف ذلك طلاب المدارس ..
لقد فهم الأحمق من الآية أن الأرض كانت ملزوقة فى الزرقة الفضائية قبل أن تنفصل وحدها .. وهذا ما لم يقله أحد .
سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: فتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات ..
وهناك رأى علمى بأن المجموعة الشمسية كانت سديماً، ثم انفصلت عن الشمس وتوابعها على نحو ما نرى .
ونحن لا نصدق ولا نكذب رأياً علمياً لم يستقر فى وضعه الأخير .. والمهم أن القرآن يستحيل أن يكون به ما يناقض حقيقة علمية مقررة .

المداد القرآنى

ومن سخافات المسكين أن يقول إن القرآن كله تتم كتابته بقطرات من محبرة، فكيف يجىء به “ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى .. “ (الكهف: 109)
إن كلمات الله تكثر كثرة ما يعلم، وقد وسع كل شىء علماً، إنها الكلمات المتصلة بتدبير الوجود كله، والقيام على أمره، إنها تتصل بحياة كل ذرة فى الأرض والسماء .
وليست بداهة ألفاظ القرآن، ولكن الجنون فنون ..
ولا أريد أن أطيل السرد، والأخذ والرد مع شخص يهزل ويرى أنه يجد !!

حديث الذباب

أريد أن أقرر حقيقة إسلامية ربما جهلها البعض: هل رفض حديث آحاد لملحظ ما يعد صدعاً فى بناء الإسلام؟
كلا فإن سنن الآحاد عندنا تفيد الظن العلمى، إنها قرينة تستفاد منها الأحكام الفرعية فى ديننا، فإذا وجد الفقيه أو المحدث أن هناك قرينة أرجح منها، تركها إلى الدليل الأقوى دون غضاضة .
وتعريف الحديث الصحيح: “ ألا تكون فيه علة قادحة “، فإذا بدت علة فى “ سنده “ أو “ متنه “ تلاشت صحته، ولا حرج .
وأئمة الفقه الإسلامى بنوا اجتهادهم على هذا النظر الصائب .
ـ فأبو حنيفة مثلاً رفض أن يترك المسلم إذا قتل كافراً دون قصاص وتجاوز حديث البخارى فى ذلك “ لا يقتل مسلم فى كافر “ واعتمد فى مذهبه على آية “ النفس بالنفس “ .
ـ ومالك كره أن تنفل المصلى قبل فريضة المغرب، ولم يلتفت لما رواه البخارى فى ذلك من استحباب صلاة ركعتين لمن شاء، ورأيه هذا يرجع إلى أن عمل أهل المدينة أدل على السنة من حديث آحاد، وهم لا يتنفلون قبل المغرب، فاتباعهم أولى من رواية البخارى .

ـ وأبو حنيفة ومالك جميعاً يكرهون أن يصلى المرء تحية المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة، ويردون ما رواه البخارى فى ذلك بردود شتى .
ـ وأغلب الأئمة يرفض ما روى .. فى الصحيح من أن رضاعة الكبار تثبت حرمة المصاهرة، ويرون أن الرضاعة المثبتة المحرمة ما كان فى فترة الطفولة، أى ما أنبت اللحم وشد العظم .
ولا نريد أن ننتقل إلى مباحث فقهية مفصلة، وإنما نريد أن نقول: هب أن رجلاً قال: لا أستطيع قبول رواية “ إذا وقع الذباب فى شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن فى إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء “ أيكون من الكافرين ؟ كلا !! فلم يقل أحد أن أركان الإسلام تضم الإيمان بالله واليوم الآخر وغمس الذباب فى الشراب إذا سقط فيه !
وحيث الآحاد ليس مصدر عقيدة شرعية أو حكم قاطع، بيد أنى من باب استكمال البحث العلمى فقط
أسأل: هل الحديث مردود ؟ إن بعض علماء الحشرات قرر أن هذه الحشرة تفرز الشىء والشىء المضاد له، فإن استقر هذا الرأى الفنى فالحديث صحيح، وإن ثبت قطعاً أن الذباب مؤذ فى جميع الأحوال التى تعرض له ومن بينها الحالة المروية فى الحديث رددته دون غضاضة .
وليس بقادح هذا فى دينى ولا يقينى .
وقد روى “ البخارى “ أحاديث صحيحة السند لكن أئمة الفقه عملوا بغيرها لأدلة أقوى عندهم منها .. وأنا شخصياً متوقف فى هذا الحديث، لم أنته فيه إلى حكم حاسم، وعلى أية حال فهو لا يتعلق بسلوك خاص أو عام ..
إن قواعد الدين وعباداته وفضائله وقيمه ترتكز أولاً على القرآن الكريم ثم ما يشرحه من سنن استراح النقاد الأخصائيون لها ..
ومنهج المحدثين فى تلقى التراث النبوى لا غبار عليه، بل إن هذا المنهج هو ما تحتاج إليه الديانات الأخرى لتكون موضع ثقة وقبول .
وما دام هناك من يضرب رأسه بالجبل ليثبت أن فى الإسلام متناقضات فلنلق نحن نظرة خاطفة على تراث القوم ليرى القراء أين تقع التناقضات الحقيقية:

أساطير العهد القديم

إننا فى الفصل الأول من هذا الكتاب فضحنا الأسلوب الطفولى الماجن الذى تحدث به العهد القديم عن الألوهية، فلنسمع هذه الأخبار عن عدد بنى إسرائيل حين دخلوا مصر وحين خرجوا منها، يقول الأستاذ عصام الدين حفنى ناصف كاشفاً عن التزوير الذى اقترفه كتاب التوراة:
“ من ذلك ما زعموه أن يعقوب وأسرته وفدوا على مصر بدعوة من يوسف، وكانت عدتهم 70 شخصاً فما انصرمت 215 عاماً حتى كان عددهم قد ناهز 3000000 (أى 3 مليون) فلما نزحوا عن ديارنا كان بينهم “ نحو ستمائة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد “ ـ هكذا سجل سفر الخروج ـ (12: 37) وقد أحصوا أبكارهم فكان جميع الأبكار الذكور بعدد الأسماء من ابن شهر فصاعداً، المعدودين منهم اثنين وعشرين ألفاً ومائتين وثلاثة وسبعين (عدد 3: 43) .
فإذا ضاعفنا هذا الرقم كان جميع الأبكار من الجنسين نحو 45000، وبقسمة عدد الجماعة على عدد الأبكار نخلص إلى أن المرأة الإسرائيلية كانت تلد زهاء 65 وليداً !! “ .
هذه هى مقررات الكتاب المقدس .. دون تعليق !
وظاهر أن اليهود كذبوا فى ذكر عددهم كذباً صارخاً، وأنهم أودعوا كذبهم هذا فى تضاعيف التوراة، وعلينا أن نصدق !!!
يقول “ عصام ناصف “: “ إن هذه الملايين الثلاثة المزعومة من اليهود الآبقين من مصر لو أنها سارت فى صفوف عرضية متراصة يضم كل صف منها عشرين يهودياً، ويشغل الصف بين سابقه ولاحقه متراً واحداً لاستطال هذا القطار البشرى “ الطابور “ مسافة 150 كيلو متراً ـ أبعد من المسافة بين القاهرة وخليج السويس ـ ولتعذر على قائدهم موسى أن يبلغهم أوامره “ !
وعن كهنة الأديان السابقة وإغراقهم فى المتاع المادى يقول: “ إن المال والجاه وإن كانا فى حقيقة أمرهما غرضاً يبتغى لذاته، هما كذلك وقبل ذلك وسيلة لفرض لا تكتمل المتعة إلا به، وهو قضاء الوطر من الناحية الجنسية، ومن ثم خولوا أنفسهم حق الاستماع إلى اعترافات النساء، فيما يتصل بأوثق علاقاتهن بالرجال ..
“ وقد اشترعوا لهذا الغرض ما أسموه “ شريعة الغيرة “ . فإذا استراب رجل بامرأته، وهجس فى صدره أنها خانته مع آخر “ يأتى الرجل بامرأته إلى الكاهن ويأتى بقربانها معها، فيقعدها الكاهن ويوقفها أمام الرب، ويأخذ الكاهن ماء مقدساً فى إناء خزف ويأخذ الكاهن من الغبار الذى فى أرض المسكن ويجعله فى الماء “ (عدد 15 ـ 17)
ويخلو الكاهن بالمرأة ويشرع فى تلاوة بعض الألفاظ ويستحلف المرأة أن تقر بما كان منها ثم يجرعها الماء المشوب بالغبار .
ومتى سقاها الماء فإن كانت قد تنجست وخانت رجلها يدخل فيها ماء اللعنة للمرارة فيرم ـ يتورم ـ بطنها وتسقط فخذها (!) فتصير المرأة لعنة فى وسط شعبها . وإن لم تكن المرأة قد تنجست بل كانت طاهرة تتبرأ وتحبل لزرع “ (عدد: 15 ـ 17) [ نقدم هذا النص لمن لم يرقهم “ التيمم “ بالغبار، ها هو ذا الغبار يشرب عندهم ]
ومن المعلوم أن الماء لا يدخل المرارة، وأن وظائف الأعضاء لا تمت إلى المسلك الخلقى بسبب وثيق، ولكنها إجراءات خادعة تتخذ بتعزيز سلطان الكاهن على المرأة، فهو ينفرد بها فى خلوة ثم يخرج راضياً أو ساخطاً وينطق بالقول الفصل فيدينها بالموت مجللة بالعار، أو يدعها تنعم بالحياة مرفوعة الرأس ناصعة الجبين “ .
هذه توجيهات الكتاب المقدس، ومبدأ الاعتراف على هذا النحو أو على أى نحو آخر لا معنى له ولا أثر، اللهم إلا إفساد الدين والخلق ..
ماذا على من أخطأ أن يتصل بربه لفوره فى دعاء النادم، ورجاء الخاشع، والله يبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار، وبابه يستقبل كل شخص رجلاً كان أو امرأة، شيخاً أو شاباً، عالماً أو جاهلاً ؟؟
هذه توجيهات الإسلام، وهى نابعة من مبدئه العتيد: “ كل امرئ بما كسب رهين “ أما انفراد المرأة
بكاهن ـ أو غير كاهن ـ فى خلوة فأمر لا تحمد عقباه، خصوصاً إذا كانت هذه الخلوة مع محروم من الزواج معلوف بأطايب الطعام !!
هل الله جل شأنه مصدر هذه التعليمات ؟ كلا ..
إن من المقطوع به أن عدداً من المؤلفين لا مؤلفاً واحداً أشرف على وضع الكتاب المقدس كله، ولا نزعم أنه خال من الوحى الإلهى من أوله إلى آخره، لا، بل نقرر أن خليطاً معقداً من أهواء الناس وهدايات الله .. تم التنسيق بينهما على النحو الذى نرى .
بيد أن من المضحك أن الذى قام بتأليف التوراة نسى نفسه وهو يكتب، وذهل كل الذهول أنه سوف ينسب ما يكتب إلى موسى !!
فأورد فى تضاعيف التوراة ـ النازلة على موسى فرضاً ـ هذه العبارات: “ فمات هناك موسى عبد الرب فى أرض موآب حسب قول الرب، ودفنه فى الجواء فى أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم . وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات . ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته، فبكى بنو إسرائيل فى عربات موآب ثلاثين يوماً، فكملت أيام بكاء مناحة موسى .. “ .
ما هذا ؟ موسى الذى أنزلت التوراة تتحدث عنه التوراة بهذا النعى والعزاء والمناحة ؟؟
ما يستطيع عاقل إلا الإقرار بأن كاتب التوراة بعد موسى نسى نفسه ونسى الدور التمثيلى الذى يقوم به، وغلبت عليه صفة المؤرخ لا المؤلف فقال ما قال ليعرف المستغفلون ماذا يقرأون !!
ونقرن هذا النص بخبر آخر نشرته جريدة الأهرام فى 3 مايو سنة 1973 (19 من ربيع الأول سنة 1392) تحت عنوان “ وثائق دينية تاريخية تسلمها هولندا إلى الأردن “:
“ عمان: ـ سلم اليوم الدكتور “ هانك بانكير “ بالنيابة عن الحكومة الهولندية إلى الدكتور غالب بركات وزير السياحة الأردنى وثائق تاريخية تتضمن النصوص القديمة التى قال المؤرخون أنها تطلبت إعادة تقييم الإنجيل . وكانت بعثة أثرية هولندية قد اكتشفت هذه الوثائق فى عام 1967، وهى وثائق كتبت بالآرامية فى القرن السابع قبل الميلاد، وعثرت عليها البعثة فى وادى الأردن، وكانت البعثة قد حملت تلك الوثائق إلى هولندا لدراستها وحل رموزها بقصد حفظها . وقال الدكتور “ هـ . فراكين “ الذى رأس تلك البعثة: إن هذه الوثائق فريدة من نوعها، وقال: إن كل المعلومات التى وردت فى الإنجيل حول فلسطين والأردن فى نهاية العصر البرونزى وبداية العصر الحديث غير موثوق بها لأنها كانت محاولة قام بها قساوسة من القدس لجعل التاريخ يتناسب مع الآراء الدينية للقرن السابع للميلاد “ .
هذا الخبر الصغير نقطة فى بحر من الأوهام والترهات التى تغص بها هذه الصحائف .
وما نعلم كتاباً حفته العناية العظمى، وصانته أجل صيانة من هذا القرآن الكريم .
إن القارات الخمس ليس فيها ما يوصف بأنه وحى السماء إلا هذا الكتاب الفذ .
فهل يؤدى المسلمون حقه ؟!
تحقير التدين ومطاردة المتدينين لأدنى ملابسة خطوة إلى الارتداد الذى لا ريب فيه، وهو فى الظروف التى تواجهها أمتنا نوع من الخيانة العظمى أو هو الخيانة العظمى نفسها .
وقد أفهم أن تشتبك السلطات الحاكمة مع أفراد أو جماعات ينازعونها السيادة لغرض سىء أو حسن ! لكن هل يقال: إن التاريخ الإسلامى يعين على تكوين جماعة الإخوان، فليمسخ هذا التاريخ ! .. أو: إن البيئات المتدينة مستودع يستمد منه الإخوان، فلتحارب هذه البيئات ؟؟
إن هذا القول يعنى بداهة نقل الخصومة من ميدان إلى ميدان آخر، وأن الإسلام ذاته قد أصبح عرضة للعدوان.
وقد هززت رأسى أسفاً وأنا أسمع شاباً يتبرأ من الانتساب إلى الإخوان فيقول لقضاته: أنا عمرى ما ركعتها، ويعلم صحبى أنى أشرب الخمر، وأفعل كذا وكذا !!
وقد استمع الناس إلى أحد “ نجوم الفكاهة “ فى مصر يذكر أن امرأة اقتيد زوجها إلى السجن فسئلت: أهو من الإخوان ؟ فقالت: “ فشر ! زوجى حرامى قد الدنيا “ .
وهكذا أصبحت اللصوصية شرفاً ! أو نسبة لا حرج فيها على الأقل !
والواقع أنه مرت ببلدنا أيام كالحة الوجه، مشئومة العقبى كان التدين فيها تهمة تخرب البيوت، وكان عدد من الشبان المؤمنين يختفى بصلاته وتقواه، وقل تردده على المساجد لأنه أشيع أن نفراً من الذين صلوا الفجر فى مسجد كذا قد اعتقلوا ..
وامتداداً لهذه السياسة ـ سياسة سوء الظن بكل ذى نزعة متدينة ـ وضعت المؤسسات الإسلامية الكبرى تحت رياسة عسكرية لها الكلمة العليا مثل “ الجمعية الشرعية “، و “ الشبان المسلمين “، و “ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية “ و “ مدينة البعوث الإسلامية “ ..
وذلك لضمان حصر عاطفة التدين داخل إطار معين:
ـ فلا يسمع أى كلام عن تطبيق الشريعة الإسلامية .
ـ ولا يقبل أى اتجاه للعودة بالأمة إلى الاصطباغ بدينها فى ظاهر أمرها وباطنه .
ومن الإنصاف أن نذكر أن من بين هؤلاء العسكريين من ترك الشعور الإسلامى ينمو دون حرج، خصوصاً بعد أن تغيرت الظروف التى أملت بالتقرير المثبت فى هذا الكتاب [ راجع تقرير اللجنة التى شكلت من: زكريا محيى الدين، صلاح نصر، وشمس بدران لدراسة الظاهرة الإخوانية ] .
على أن الشيوعيين والصليبيين قد انتهزوا فرصة هذه المطاردة المثيرة فأعلنوا حرباً على الشارات الإسلامية فى المجتمع ونجحوا فى تحقيرها وتأليب قوى شتى ضدها .
وعن طريق المسرح وحده أمكن عرض روايات هازلة وجادة غرضها انتزاع كل مهابة لشيوخ الإسلام والمتحدثين باسمه .
كما أن سماسرة الغزو الثقافى فى بلادنا استماتوا فى صرف الشباب عن الدين، وأغروه بفنون الشهوات لينسى ربه ودينه ونبيه .
فلما تغلبت الفطرة الأصيلة وأخذ الشباب يعود إلى دينه فى صمت وظهرت الملابس الحشمة بين الطالبات الجامعيات جن جنون السماسرة من صحافيين وصحافيات وانطلقوا يفترون الكذب على العفيفات المحصنات، ووصفت امرأة ماجنة ملابس الفضيلة بأنها “ أكفان موتى ! “ وأخذت مع غيرها ينهشن بضراوة أعراض الطيبات الطاهرات .
وقد تصفحت المجلة التى نشرت هذا اللغو فوجدت بها دعوة إلى الزنا والرضا به، والتحريض عليه، فى عدة مواضع .. !!
ولا عجب فرئيسة تحرير المجلة هى التى ناقشت العقيد “ القذافى “ بسماجة نادرة، وسوغت أمامه انتشار الخنا فى شارع الهرم عندما نصر الرجل النساء بالتزام أحكام الإسلام .
“ الخيانة الزوجية “ تعبير مخفف عن جريمة الزنا عندما يرتكبها رجل مغافلاً امرأته أو ترتكبها امرأة مخادعة زوجها .
وأظن هذا التعبير مترجماً عن اللغات الأوربية حيث يعتبر اقتراف ذلك الإثم تفريطاً فى حق إنسانى عادى، أما نحن المسلمين، بل معشر المتدينين إجمالاً، فنرى الزنا تفريطاً فى حق الله قبل أن يكون تفريطاً فى حق عباده، وهو من الشخص المحصن أغلظ وأشنع ممن لم يسبق له زواج .
لكن الأستاذة المعلمة “ أمينة السعيد “ لها وجهة نظر أخرى فى هذه القضية: لماذا ينظر إلى الزنا هذه النظرة السيئة ؟ بل لماذا تستبشع الخيانة الزوجية على هذا النحو الشائع بين الناس ؟ فنشرت فى صفحة 47 من مجلة حواء (العدد 843 ـ 18 / 11 / 1972 م) هذا الكلام تحت عنوان “ أراحت نفسها “:
“ سألوها (وهى زوجة فرنسية): هل تغارين ؟ أجابت: أعانى من الشعور بالوحدة عندما يبتعد عنى زوجى، لكن لا أغار، وأعتقد أن الغيرة شىء لا معنى له، ولذلك ينبغى ألا نستسلم له !!
لكن سائلها لم تقنعه هذه الإجابة، فقال لها: اشرحى لى !
قالت: إننى أقول لنفسى افرضى أنه الآن مع واحدة أخرى، هل من حقى أن أعترض ؟ إننى لم أتزوج قرداً أو نكرة وإنما تزوجت رجلاً “ ملء ثوبه “، أحببته لهذا، ولا بد أن يعجب غيرى من النساء ! إننى لا أحمل له عاطفة الحب وحدها ولكن أيضاً الاحترام والتقدير !
قاطعها السائل: لا أهمية عندك إذن للإخلاص والوفاء ؟
قالت وهى تأخذ رشفة من فنجان القهوة: “ اسمع ! أنا الآن أشرب هذه القهوة .. شعرت بحاجة إليها .. وها أنذا أستمتع بها .. هل يمانع أحد ؟ .. هل من حق زوجى إذا دخل الآن أن يلومنى قائلاً: لماذا شربت القهوة دون إذن منى ؟ أقصد أن الخيانة العابرة ليست أكثر من فنجان قهوة بالنسبة لى .. لماذا أجعل لها من الأهمية أكثر مما تستحق ؟ أليس من الجائز أن يستمتع هو فى غيابى أيضاً بقطعة موسيقى .. باستلقاءة فى الشمس .. بنكتة يسمعها من أحد زملائه ؟ هل يوجد فرق كبير حقاً بين الاثنين ؟ أقصد أن النزوات .. الغلطات العابرة ينبغى أن نتسامح فيها، فإذا تغير شعوره نحوى تماماً ونفض يده منى فهذا شىء آخر .. شىء يستحق حزنى، لكن حتى فى هذه الحالة لن تفيدنى الغيرة شيئاً ! “ .
والآن (ما زال الكلام للمجلة) هل أثارت دهشتك ردود هذه السيدة ؟! إنها زوجة فرنسية .. ولا أعتقد أن كل الزوجات الفرنسيات يعتنقن هذا الرأى الجرىء والذى عبرت عنه فى حديث أجرته صحيفة “ مارى كلير “ مع بعض الزوجات .. لكن الذى لا شك فيه أن فى كلامها حكمة تفتح نافذة على نوع من راحة البال يحتاج إليه كثير من المتزوجين “ .
وفى الصفحة رقم (5) من هذا العدد علاج مماثل لقضية الزنا أو الخيانة الزوجية كما شاع على الألسنة، وهذه الكلمة المكتوبة تعليق على رواية للصحافى المشهور “ توفيق الحكيم “ .. فإن هذا “ التوفيق حكيم “ منح الرجل حق الزنا أو حق خيانة زوجته، وضن على المرأة بهذا الحق !! فجاءت مجلة “ حواء “ لترفع راية المساواة بين الجنسين، ولتطلب من الفنان الخليع أن يعيد النظر فيما كتب لأنه يعالج موضوعاً “ يتعرض للكثير من التغير بين جيل وجيل “ .
يقول المعلق الخسيس: “ فأنا لا أقصد أن كل ما جاء فى الرواية فى حاجة لمراجعة، ولكن يكفى أن بعضها محتاج إلى ذلك، لكى يحمل رجل الاجتماع الذى يسكن فى أعماق الفنان أن يقول كلمة التطور والتغير اللذين أصابا المجتمع وبدلا من أوضاعه وأفكاره “ .
ما الرأى فيما قالته الزوجة فى تساؤلها: وإذا خان الزوج، أليس لها الحق أن تخونه ؟ .. وكان جواب “ راهب الفكر “: لا، وكان تبريره لذلك أن الرجل هو الذى يعرق والمرأة هى التى تنفق، ثم يمضى قائلاً: اكدحى كما يكدح زوجك، اعرقى كما يعرق فإذا تساويتما فى التضحيات تساويتما فى الحقوق، فالرجل إذا خان خان من ماله، لكن الزوجة تخون من مال زوجها، لن تكون هناك مساواة مطلقة بينكن وبين الرجال فى هذا الإثم إلا إذا تطور الزمن تطوراً آخر فرأينا الزوجة تناضل فى الحياة وتكتسب بالقدر الذى يربحه الزوج ! .. أليس هذا المنطق بحاجة لمراجعة بعد أن تطور الزمن إلى ما نراه الآن ؟ .. إن ريح التغير قد أصابت بعض ما جاء فى هذه من أفكار، لكنها مع ذلك تظل قطعة فنية تحمل طابع زمنها وتتضوع بالأريج الذى يفوح دائماً من قلم فناننا الكبير المبدع “ .
هكذا تعالج مجلة حواء جريمة الزنا، وتطلب إعادة النظر فى جعلها حكراً على الزوج وحده كما يرى راهب الفكر، هذه هى رهبانية الفكر فى عالم الدواب .
هل يستغرب من مجلة حواء ـ التى تتمرغ فى هذا الحضيض ـ أن تنشر مقالاً للسيدة محررتها تحمل فيه حملة شعواء على ملابس الفضيلة التى تستر بدن المرأة كله عدا الوجه والكفين ؟
إن “ المعلمة “ التى تقود نشاطاً نسوياً فى بلادنا تشبه هذه الملابس الشرعية السابغة بـ “ الكفن ! “ .
وقد لعب التصوير دوره فى هذه المأساة، ففى الصفحة الخامسة من العدد صورة امرأة مضطجعة على وسادتها تحلم بالحب .. إن هذا أمر سائغ لا يعاب، وفى الصفحة الحادية عشرة صورة طالبة جميلة الملابس مشوهة الوجه، بادية الحشمة، كئيبة الطلعة !!
لم هذا التحامل ؟ .. ولحساب من ؟ .. الجواب معروف !
وتبلغ الوقاحة قرارها السحيق عندما تصف رئيسة التحرير نفسها ـ وقد نقلنا نماذج من أخلاق مجلتها ـ فتقول إنها “ من الوقورات المحتشمات المؤمنات بدينهن المتقيات لله الفاعلات للخير .. الخ “ .
وهذا أسلوب جديد فى الحرب المعلنة على الإسلام، يقول لك مستبيح الخمر والزنا والانحلال والاعوجاج: هل أنت بدعوتك إلى الصلاة والاستقامة مسلم ؟ .. لا، نحن أولى بالإسلام منك، إنك لا تعرف الإسلام، الإسلام تطور ومدنية، وليس المظاهر التى تتمسكون بها، نحن الصالحات الراقيات !
ونذكر قول الشاعر:
فياله من عمل صالح
يرفعه الله إلى أسفل !!
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء : الأول   الثاني   الثالث   الرابع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates