Home » , , » اقرأ كتاب : السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت ((الجزء الثاني))

اقرأ كتاب : السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت ((الجزء الثاني))

" اقرأ  كتاب " صفحة جديدة من صفحات واحة أفكاري نقدم لكم من خلالها كتاب من اختيارنا علي أمل أن تشاركونا قراءته .
ونقدم لكم في أولي موضوعاتها

الجزء الثاني من كتاب
السلطان سيف الدين قطز
ومعركة عين جالوت
في
عهد المماليك

علي محمد محمد الصَّلاَّبِّي



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب
السلطان سيف الدين قطز
ومعركة عين جالوت
في
عهد المماليك


علي محمد محمد الصَّلاَّبِّي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول:
قيام دولة المماليك
المبحث الأول:
أصول المماليك ونشأتهم:

أولاً: من هم المماليك؟: المماليك، جمع مملوك، وهم من الرقيق الذين كانوا يشترون يستخدمون لأغراض عديدة في المجتمعات منذ القدم، ويعتبر الرقيق الأتراك أول من استخدموا في الجندية في الدولة الإسلامية زمن الأمويين، إذ يذكر الطبري بأن نصر بن سيار، والي الأمويين على خراسان، اشترى: ألف مملوك من الترك وأعطاهم السلاح وحملهم على الخيل (1)، وكانت بلاد ما وراء النهر المصدر الرئيسي للرقيق الأتراك (2)، وفي العصر، تزايد إستخدام الأتراك في وظائف الدولة إضافة وإستخدامهم في الجيش (3)، وتوسعت أسواق النخاسة البيضاء، من شبه جزيرة القرم، وبلاد القوقاز والقفجاق ,آسيا الصغرى وتركستان وبلاد ما وراء النهر، وكان فيهم عنصر الأتراك، وفيهم الشراكسة والروم والأكراد وبعضهم من البلاد الأوربية أيضاً (4)، وكان الخليفة المعتصم العباسي (218 ـ227هـ/ 833 ـ 842م) أول من شكل فرقاً عسكرية ضخمة منهم وأحلهم مكان العرب الذين أسقط أسماؤهم من ديوان الجند (5)، وقد بلغت مماليك الخليفة المعتصم بضعة عشر ألفاً، وقد امتلأت بهم بغداد مما أدى إلى اصطدامهم بالناس في الطرقات، وأثار سخط أهل العاصمة، فبنى لهم مدينة سامراء لتكون عاصمة لهم، ومقراً لجيوشه التركية من المماليك والأحرار (6)، وقد استخدم المعتصم الجيش التركي تخلصاً من النفوذ الفارسي والعربي في الجيش والحكومة سواء، وقد لجأ إلى الأتراك
بالشراء والتربية والإعداد إعتقاداً منه بأنه مجردون من الطموح الذي اتصف به الفرس، ومن العصبة التي عرف بها العرب (7).
ولكن سرعان ما أخذ أولئك المماليك في التدخل في شئون الدولة حتى أمست في أيديهم يفعلون بها ما يشاؤون (8)، وأصبح الخليفة منذ مقتل المتوكل سنة 247هـ/861م في أيديهم كالأسير، إن شاؤوا خلعوه وإن شاؤوا قتلوه (9)، وهكذا أصبح هؤلاء الجنود عنصر تمرد ضد الخلفاء فأساؤوا التصرف في شئون الإدارة والحكم فانفضت الولايات من حول العاصمة، وكان من الطبيعي أن يزداد نفوذ الترك في الخلافة العباسية، بعد أن صار منهم الجيش والقادة، فلما ضعف سلطان الخلافة طمع عمال الأطراف إلى الاستقلال بولاياتهم، وصار الجيش وقادته من الأتراك وسيلة الخلفاء للقضاء على الحركات الاستقلالية المختلفة، فازداد المماليك الأتراك في الدولة العثمانية أهمية على أهميتهم، وأضحى منهم الولاة والوزراء وأرباب الدولة (10)، والواقع فمنذ العصر العباسي الأول إتخذ مصطلح ((مماليك)) معنى إصطلاحياً خاصاً عند المسلمين، إذ اقتصرت التسمية على فئة من الرقيق الأبيض الذي كان يشترى من اسواق النخاسة، ويستخدم كفرق عسكرية خاصة ومع ضعف الخلافة العباسية في العصر العباسي الثاني، كان من الطبيعي أن تزداد الحاجة للرقيق الأتراك، ذلك أن الدويلات التي انفصلت عن جسم الخلافة مثل الطولونيين، والأخشيديين في مصر (11)، والصفاريين والسامانيين في خراسان (12) وما جاورها، والغزنويين والغوريين في الهند (13)،
أقبلوا على شراء الأتراك الإرقاء لتأكيد سلطتهم وبظهور الأتراك السلاجقة على مسرح السياسة في المشرق الإسلامي إزداد نفوذ الأتراك عموماً ذلك أن السلاجقة في الأصل من العناصر التركية، كما أن الدولة السلجوقية زادت من الاعتماد على المماليك الأتراك (14)، ويعد نظام الملك الوزير الكبير للسلطان السلجوقي ألب أرسلان وملكشاه هو أساس النظام التربوي المملوكي في كتابه سياسة نامة، وقد جاء فيه أنه: يجب ألا يثقل على المماليك القائمين على الخدمة إلا إذا دعت الحاجة ولا ينبغي أن يكونوا عرضة
للسهام، ويجب أن يتعلموا كيف يجتمعون على الفور مثلما ينتشرون على الفور، ولا حاجة إلى التكليف كل اليوم بإصدار الأمر بمباشرة الخدمة لمن يكون الغلمان، صاحب الماء، صاحب السلاح، والساقي، وأشباه ذلك، ولمن يكون في خدمة كبار الحجاب وكبير الأمراء، ويجب أن يؤمرا بأن يبرز للخدمة في كل يوم من كل دار عدد منهم، ومن الخواص عدد معين، هذا وقد كان للسلطان مماليك صغار، وكان عليهم من الصبيان الخاص رقباء، وعلى طوائفهم من جنسهم نقباء (15)، ونظم نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقي المماليك، وكان أشد الناس تمسكاً بهم، وقد أحاط نفسه بجيش كبير من المماليك عرفوا بالمماليك النظامية نسبة لاسمه، فقوى بهم نفوذه (16)، ويعتبر نظام الملك أول من أقطع الاقطاعات للمماليك الأتراك، وبعد إن كان عطاء الجندي يدفع نقداً صار يعطى إقطاعاً (17)، فتسلم الأرض إلى المقتطعين يضمن عنايتها وعمارتها مما يحفظ قوة وثروة الدولة، كما فتحت القلاع والمدن والولايات للقادة من مماليكهم الذين سموا بالاتابكة (18)،
والجدير بالذكر أن الوزير نظام الملك أول من لقب بلقب أتابك، وقد منحه أياه السلطان ملكشاه حين فوض إليه تدبير أمور الدولة سنة 465هـ (19)، وهكذا إتخذ السلاجقة أشخاصاً من كبار المماليك ليكونوا مربيين لأولادهم في القصر ومنحوهم الإقطاعات الكبيرة مقابل قيامهم بشؤونهم وتأديبتهم الخدمة الحربية وقت الحرب، ولكن سرعان ما صار هؤلاء الأتابكة أصحاب النفوذ الفعلي في تلك الإقطاعات وبخاصة عندما ضعفت الدولة وتفككت فاستغلوا بولاياتهم شيئاً فشيئاً (20)، وأقاموا دويلات منفصلة عن جسم الدولة السلجوقية عرفت باسم: دويلات الأتابكة: وكان عماد الدين زنكي أقوى هؤلاء الأتابكة، وأسس دولة ضمت الموصل وحلب وديار ربيعة (21)، وعند وفاة عماد الدين زنكي، خلفه ابنه نور الدين محمود وتوسع بالدولة وضم دمشق وقضى على الدولة الفاطمية، وأصبحت مصر من ضمن الدولة الزنكية، وقد توسعت عن الحديث عن عماد الدين وابنه نور الدين في كتابي
عصر الدولة الزنكية، وقد استكثر نور الدين محمود من شراء المماليك الأتراك الذين صاروا يكونون غالبية جيشه (22)، وبعد الزنكيين جاء الأيوبيين فأكثروا من المماليك الأتراك واستخدموهم في الجيش، وتجدر الإشارة أن الجيش الذي قاده أسد الدين شيركوه إلى مصر كان معظمه يتكون من المماليك والأمراء النورية (23)، وقد سمي مماليك صلاح الدين الأيوبي بالمماليك الصلاحية، كما سمي مماليك أسد الدين شيركوه بالمماليك الأسدية، وفي عهد الملك العادل سمي المماليك بالعادلية نسبة إلى العادل، ولما توفي خلفه أبناؤه الأشرف: موسى العادل، والكامل، وغيرهم، ونسب عدد من المماليك لكل واحد منهم، فعرف المماليك الأشرفية، والمماليك الكاملية (24).
1 ـ نجم الدين أيوب والمماليك: ينسب إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إدخال تشكيلات جديدة على القوة العسكرية التي كان يتكون منها جيش السلطان الأيوبي، فقد إتخذ جملة من الإجراءات العسكرية تبناها السلطان الملك الصالح نجم الدين لتقوية الجيش الذي كان يترأسه، ومن أهمها: إهتمامه الكبير بشراء المماليك والغلمان الأتراك بشكل لم يسبق له نظير في تاريخ السلطة الأيوبية، فخلا مدة حكمه أضاف إلى الجيش في دفعة واحدة ما تعداه من أكثر من ألف مملوكاً تركياً جلبهم من إقليم التركستان (خوارزم)، ومن مناطق شمالي البحر الأسود وبحر قزوين (25)، وغيرها من الأماكن، وقد أصبح العنصر التركي في عهد الملك الصالح هو الغالبية المتميزة للجيش الأيوبي وسرعان ما شكلوا نواة عسكرية ـ سياسية نشطة تحولت إلى دولة المماليك البحرية، بعد أقل من بضع سنين على وفاة الملك الصالح لتختفي تدريجياً العناصر المتكون منها الجيش الأيوبي، كالبربر والسودان، ومن أهم معالم التطوير في البنية العسكرية الأيوبية في عهد السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب الآتي:
أـ الصالحية: وهي القوة العسكرية الجديدة من المماليك الأتراك باسم (الصالحية) نسبة إلى الملك الصالح أيوب نفسه، ومن الواضح أن الملك الاصالح نجم الدين أيوب هو صاحب الفضل في تكوين هذه الفرقة الجديدة من المماليك التي تحمل أيضاً إسم البحرية،
والتي قدر لها أن تنهض بدور خطير في تاريخ مصر السياسي لما يقارب من قرنين ونصف، ومما يقوله: ابن تغري بردي نقلاً عن ابن واصل مؤرخ الأيوبيين: اشترى من المماليك الترك ما لم يشتره أحد من أهل بيته حتى صاروا معظم عسكره وأرجحهم على الأكراد وأمرهم (26)، ويبدو أن الملك الصالح أراد أن يشكر المماليك في مساندتهم له للوصول إلى دست السلطنة، ولذلك عمل منهم جيش قوي يسانده في فرض إرادته على الأقاليم الأيوبية بعد أن لمس غدر الطوائف الأخرى من الجند المرتزقة مما دفعه إلى الاعتماد على تلك الفرقة الجديدة وترجيحهم على العناصر الأخرى السائدة (27)،
وأما عن السبب في تسميةهذه الفرقة بالبحرية فالمرجح أن ذلك يرجع إلى إختيار السلطان الملك الصالح نجم الدين جزيرة الروضة على بحر النيل مركزاً لهم ولثكناتهم العسكرية وكان معظم هؤلاء المماليك من الأتراك المجلوبين من بلاد القفجاق شمال البحر الأسود ومن بلاد القوقاز، قرب بحر قزوين، وقد كان للأتراك القفجاق، ميزاتهم الخاصة بين طوائف الترك العامة من حيث حسن الطلعة وجمال الشكل وقوة البأس فضلاً عن الشجاعة النادرة، ولا شك في ولاء هؤلاء لسيدهم وقد كانوا قد شكلوا نواة لقوة عسكرية ضاربة في الجيش الأيوبي واحتلوا نتيجة لنيلهم ثقة واعتماد السلطان رتباً عسكرية كبيرة في جيش الملك الصالح نجم الدين أيوب مثل المكانة التي كان يتمتع بها مقدمهم ركن الدين بيبرس والذي لعب دوراً كبيراً في صعود الملك الصالح إلى السلطنة وفيما بعد في المعارك ضد الصليبيين الفرنج وخاصة معركة المنصورة (28).
ب ـ ثكنات المماليك الصالحية في جزيرة الروضة:
اتخذ الملك الصالح أيوب لمماليكه قاعدة في جزيرة الروضة تعرف قلعة الجزيرة أو قلعة الروضة، وجعلها مقراً لهم وشرع في حفر الأساس وبنائها بين عامي 637هـ/1239م و638هـ/1240م، ولتطوير هذه الثكنات هدم الكثير من الدور والقصور والمساجد التي كانت في الجزيرة وأدخلت في نطاق القلعة مشيداً فيها مبانٍ كثيرة منها ستين برجاً وأقام بها مسجداً وغرس بداخلها أنواعاً شتى من الأشجار، ومن شحنها بالسلاح وآلات الحرب وما يحتاج إليها من الغلال والأزواد والأقوات وقد أنفق السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على عمارتها أموالاً كثيرة، وكان السلطان يقف بنفسه ويرتب ما يعمل بها، وقد عمل كل ذلك من أجل أن ينتقل من قلعة
الجبال ويسكن مع مماليكه البحرية (29).
جـ ـ هل السلطان الصالح نجم الدين هو أول من سمّي المماليك البحرية بذلك؟
إن معظم المؤرخين السابقين والمحدثين أجمعوا عل أن السلطان الصالح نجم الدين أيوب هو أول من رتب المماليك البحرية وأول من سماهم بذلك نسبة إلى بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة، غيرأن هذا الرأي لا يستند إلى أساس صحيح للأسباب التالية:
ـ المؤرخون المعاصرون للصالح أيوب أمثال ابن واصل وأبي شامة لم يشيروا إلى بحر النيل كأصل لكلمة بحرية، هذه النسبة أوردها بعض المؤرخين المتأخرين من أمثال المقريزي وأبي المحاسن (30).
ـ من المعروف أن الفاطميين من قبل كانت لهم طائفة من الجند تعرف بالغز البحرية، كذلك كان للسلطان العادل الأول جد الصالح فرقة من المماليك، أسماها البحرية العادلية، وهذا يدل على أن الملك الصالح أيوب لم يكن أول من اخترع هذا اللفظ.
ـ يروي الخزرجي أن سلطان اليمن نور الدين عمر بن رسول (ت 647هـ) الذي كان معاصراً للصالح أيوب في مصر، استكثر من المماليك البحرية حتى بلغت عدتهم ألف فارس وكانوا يحسنون الفروسية والرمي ما لا يحسنه مماليك مصر، وكان منهم في حلقته وعساكر أمرائه، هذا النص يدل عل أن لفظ بحرية استخدم في بلاد إسلامية بعيدة كل البعد عن بحر النيل (31).
ـ أطلق المؤرخون العرب المعاصرون على بعض الفرق المسيحية العسكرية التي جاءت من أوربا إلى الشام أثناء الحروب الصليبية إسم الفرنج الغرب البحرية، فيروي أبو شامة أنه في سنة 593هـ فتح الملك العادل يافا ومن عجيب ما بلغني أنه كان في قلعتها أربعون فارساً من الفرنج البحرية، فلما تحققوا نقب القلعة وأخذها دخلوا كنيستها وأغلقوا عليهم بابها وتجالدوا بسيوفهم بعضهم لبعض إلى أن هلكوا وكسر المسلمون الباب وهم يرون أن الفرنج ممتنعون فألقوهم قتلى عن آخرهم فعجبوا من حالهم (32). فلفظ بحرية إذن لم يكن جديداً على
مصر حينما أنشأ الملك الصالح أيوب فرقته البحرية، بل كان لفظاً عاماً أطلق على المسلمين والمسيحيين سواء، كما استخدم في مصر وفي خارج مصر قبل عهد الصالح أيوب، وهذا يؤيد القول بأن نسبة هذا اللفظ إلى بحر النيل أمر مشكوك في صحته، وأغلب الظن أنه سموا بحرية لأنهم جاءوا من وراء البحار (33). وجوانفيل الذي حارب المماليك البحرية الصالحية في حملة لويس التاسع وأسر عندهم وتحدث إليهم، وروايته لها قيمتها بصفته رجلاً معاصراً وشاهد عيان، وإذا علمنا أن المماليك البحرية زمن الأيوبيين والمماليك عبارة عن فئة من الغرباء الذين جلبوا من اسواق النخاسة بالقوقاز وآسيا الصغرى وشواطئ البحر الأسود، ثم بحر القرم إلى خليج القسطنطينية ومنه إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث يسيرون فيه إلى ميناء الأسكندرية أو دمياط تأيدت لدينا عبارة جوانفيل (34).

ثانياً: نظام التدريب والتربية والتعليم للمماليك:
كان الصالح أيوب ـ ومن تبعه من الأمراء ـ لا يتعاملون مع المماليك كرقيق، بل على العكس من ذلك تماماً، فقد كانوا يقربونهم جداً منهم لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم، ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رباطة السيد والعبد أبداً، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته، وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو العسف، حتى أنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يشتريهم لقب (الأستاذ) وليس لقب السيد (35). وكانت المدةالتي يقطعها المملوك ليعتبر منتهياً من تعليمه تمر بمراحل ثلاث:

1 ـ المرحلة الأولى: تبتدئ من الصغر إلى سن البلوغ، حيث كان المماليك يجلبون صغاراً، تحقيقاً لرغبة الملوك والسلاطين ثم يوزعون على طباق القلعة حسب أجناسهم، تحت إشراف جهاز إداري محكم يتولى شئونه في التعليم والتدريب والإعداد العسكري وكان هذا الجهاز يتكون من الموظفين المختصين بشئون الجيش وبخلفيات الأمم التي ينتمون إليها وبالدين الإسلامي الحنيف (36)، فأول ما يبدأ به المماليك في المرحلة الأولى تعليمهم ما يحتاجون إليه من القرآن الكريم، ولكل طائفة فقيه يأتيها كل يوم ويأخذ في تعليمها القرآن ومعرفة
الخط والتمرين بآداب الشريعة الإسلامية، وملازمة الصلوات والأذكار (37)، وكان من ضمن المنهج الدراسي الخاص في هذه المرحلة الإهتمام بالتمرينات والألعاب الرياضية مدة من الزمن، وكانت الصلاة تؤدى في أوقاتها تحت المراقبة الدقيقة حتى تؤدى على وجهها الصحيح، وحتى تصبح ملكة عند المماليك من صغرهم، ويؤمرون بحفظ بعض الأدعية المأثورة لتلاوتها في مناسباتها وأهم ما في هذه المرحلة، إبراز التعاليم الدينية في صورة تعلقهم بها، حتى يصبح أحب شئ إليهم هو الجين والأخلاق الفاضلة (38).
إن الفقهاء والعلماء والمؤدبين الذين أشرفوا على تربية المماليك ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستفادة من القرآن الكريم وتربية الأتباع على معاني العقيدة الصحيحة والتصور الصحيح عن الله عز وجل، ومن أهم الجوانب التي إهتمت بها التربية الدينية في هذا الجانب:
ـ إن الله منزه عن النقائص موصوف بالكمالات التي لا تتناهى فهو سبحانه الواحد لا شريك له، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
ـ وأنه سبحانه خالق كل شئ ومالكه ومدبر أمره "ألا له الخلق والأمر" ((الأعراف، آية: 24)).
ـ وأنه تعالى جدّه مصدر كل نعمة في هذا الوجود، دقت أو عظمت، ظهرت أو خفيت "وما بكم من نعمة فمن الله" (النحل، آية: 53).
ـ وأن علمه محيط بكل شئ، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى الإنسان وما يعلن: "وأن الله قد أحاط بكل شئ علماً" (الطلاق، آية: 12).
ـ وأنه سبحانه يخفي على الإنسان أعماله بواسطة ملائكته، في كتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وسينشر ذلك في اللحظة المناسبة والوقت المناسب "مال هذا الكتاب لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلاأحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً" (الكهف، آية: 49".
ـ وأنه سبجانه يبتلي عباده بأمور تخالف ما يحبون، وما يهوون ليعرف الناس معادنهم، من منهم يرضى بقضاء الله وقدره ويسلم له ظاهراً وباطناً فيكون جديراً بالخلافة والإمامة والسيادة، ومنهم من يغضب، ويسخط فلا يساوي شيئاً ولا يسند إليه شئ "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً" (الملك، آية: 2).
ـ وأنه سبحانه يوفق ويؤيد وينصر من لجأ إليه، ولاذ بحماه، ونزل على حكمه في كل ما يأتي وما يذر: "إن وليّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين" (الأعراف، آية: 196).
ـ وأنه سبحانه، حدد مضمون هذه العبودية وهذا التوحيد في القرآن الكريم.
إن تربية أفراد الأمة على المعاني الإيمانية والتصورات الصحيحة خطوة مهمة في نهوض الأمة وتحتاج التذكير والتعليم والتربية لكل أفراد المسلمين، وقد ظل صلى الله عليه وسلم يطرق مع أصحابه هذه الجوانب ويكررها عليهم وعلى من آمن به ويفتح عيونهم عليها من خلال الكتاب المنظور والكون المسطور حتى خشعت قلوبهم وسلمت أرواحهم وطهرت نفوسهم، ونشأ لديهم تصور وإدراك لحقيقة ومضمون الألوهية يخالف تصورهم الأول وإدراكهم القديم (39).
واهتم صلى الله عليه وسلم بغرس حقيقة المصير وسبيل النجاة لأصحابه مؤقناً أن من عرف منهم عاقبته وسبيل النجاة والفوز في هذه العاقبة، سيسعى بكل ما أوتي من قوة ووسيلة لسلوك هذا السبيل، حتى يظفر غداً بهذه النجاة وذلك الفوز، فقد ركز صلى الله عليه وسلم في هذا البيان على الجوانب التالية:
ـ إن هذه الحياة الدنيا مهما طالت فهي إلى زوال، ,أن متاعها مهما عظم، فإنه قليل حقير: "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون" (يونس، آية: 24" "قل متاع الدنيا قليل" (النساء، آية: 77".
ـ وأن كل الخلق إلى الله راجعون، وعن أعمالهم مسئولون ومحاسبون وفي الجنة أو في النار مستقرون، "أيحسب الإنسان أن يترك سدى" (القيامة، آية: 63).
ـ وأن نعيم الجنة ينسي كل تعب ومرارته في الدنيا وكذلك عذاب النار ينسي كل راحة وحلاوة في هذه الدنيا: "أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون" (الشعراء، آيات: 205 ـ 207)، "كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية" (الحاقة، آية: 24).
ـ وأن الناس مع زوال الدنيا واستقرارهم في الجنة، أو في النار سيمرون بسلسلة طويلة من الأهوال والشدائد "يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئٌ عظيم * يوم يرونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنَّ عذاب الله شديد" (الحج، آيات: 1 ـ 2)، وقال تعالى: "وكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً * السماء منفطر به كان وعده مفعولاً" (المزمل، آيات: 17 ـ 18).
ـ وسبيل النجاة من شر هذه الأهوال ومن تلك الشدائد والظفر بالجنة والبعد عن النار (40)، وبالإيمان بالله تعالى وعمل الصالحات إبتغاء مرضاته "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير" (البروج، آية: 11).
ـ ومضى صلى الله عليه وسلم كذلك يبصرهم ويذكرهم بدورهم ورسالتهم في الأرض، ومنزلتهم ومكانتهم عند الله، وظل صلى الله عليه وسلم معهم على هذه الحال من التبصير والتذكير حتى انقدح في ذهنهم ما لهم عند الله وما دورهم ورسالتهم في الأرض، وتأثراً بتربيته الحميدة تولدت الحماسة والعزيمة في نفوس أصحابه فانطلقوا عاملين بالليل والنهار بكل ما في وسعهم وما في طاقتهم دون كسل أو توان، ودون كلل أو ملل، ودون خوف من أحد إلا من الله، ودون طمع من مغنم إلا أداء هذا الدور وهذه الرسالة، لتحقيق السعادة في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة (41).
إن الفقهاء والعلماء الذين تولوا مهام تربية وتعليم المماليك في نهاية عهد الدولة الأيوبية حرصوا على الإعداد الرباني وكانت خطواتهم تتم بكل هدوء وتدرج وانصبَّت أهدافهم التربوية على تعليم الكتاب والسنة وتلاوة القرآن الكريم وتطهير النفوس من أمراضها وإعداد الأفراد لتحمل تكاليف الجهاد والدفاع عن حياض الإسلام والهجوم على أعدائه وقد غرست تلك التربية الكثير من القيم الأخلاقية، كالإخلاص لله والصبر، والتوكل والاستعانة وكثرة الدعاء والثبات والخوف والحذر من الله عز وجل، وكان لهذه التربية المتميزة أثرها على أطفال وشباب المماليك فنشأوا على تعظيم أمر الدين الإسلامي، وتكونت لديهم خلفية واسعة عن الفقه الإسلامي، وأصبحت مكانة العلماء عالية عند المماليك طيلة
حياتهم وهذا من أسباب النهضة الحضارية الثقافية العلمية الراقية التي وجدناها في عهد المماليك.

2 ـ المرحلة الثانية: وهي التي تبتدئ بسن البلوغ حيث يشرع في تعليمه فنون الحرب من رمي السهام ولعب الرمح والضرب بالسيف وركوب الخيل، ويراعى في هذ المرحلة الأخذ بشدة، فلا يتسامح مع المملوك إذا أخطأ ةإنما يعاقب عقاباً قاسياً إذا بدا عليه الشذوذ في أخلاقه أو الانحراف عن المبادئ الدينية، ثم يقسمون إلى فرق يتولى كل منهم معلم في العلوم الرياضية والتدريبات العسكرية، فيتمرنون على فنون من الرياضة العنيفة مثل السباحة والعوم لمسافات طويلة والمبارزة، ولعب الكرة راجلين وراكبين، وأما في أوقات الفراغ فإنهم يتركون إلى هواياتهم العملية أو الدينية أو الأدبية، ومن هنا ندرك السر في ظهور عدد من المماليك في صفوف الفقهاء والشعراء والكتاب البارزين (42).
وقد كان لهم خداماً وأكابر من النواب يفحصون الواحد منهم فحصاً شافياً ويؤخذونه أشد المؤاخذة ويناقشونه على تحركاته وسكناته فإن عثر أحد مؤدبيه الذي يعلمه القرآن أو رأس النوبة الذي هو حاكم عليه على أنه اقترف ذنباً أو أحل برسم أو ترك أدباً من آداب الدين أو الدنيا قابله على ذلك بعقوبة شديدة بقدر جرمه فلذلك كانوا سادة يدبرون الممالك وقادة يجاهدون في سبيل الله وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل ويردعون من جار أو تعدى (43).

3 ـ المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ظهور المواهب العسكرية، ووضوح الاتجاهات والكفايات السياسية، وفي هذه المرحلة تعقد المبارزات بين المماليك، لمعرفة مقدار المهارة الفنية والعسكرية في صفوفهم، ثم يرسلون إلى ميادين القتال ليعرف بلاؤهم هناك، ثم يكافأ المبرزون منهم بمنحهم الحرية، وعتقهم من الرق، وهناك من يبقى في الرق مع تولي المناصب كالذين باعهم سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام ثم اعتقهم ووضع اثمانهم في بيت مال المسلمين، ويوضعون في وظائف عسكرية صغيرة، يترقى فيها المملوك حتى يبلغ الإمارة، فيمنحه السلطان لقبها، ثم يترقى في سلكها، حتى يصل إل كبريات المناصب في الدولة وكثيراً ما كانت ترتفع به مواهبه وعبقريته إلى منصب السلطنة ورياسة الدولة (44)، وبفضل الله
ثم هذه التربية المتميزة نبغ من بين هؤلاء من خلّد التاريخ بطولاتهم، وسجل على صفحاته امجاداً عظيمة للمسلمين من تصديهم للمشروع المغولي والقضاء على الوجود الصليبي في ديار المسلمين، يقول بروكلمان في شأنهم: وعدت الاجيال التالية عصر بيبرس كما عدت عهدي الرشيد وصلاح الدين ـ أحد العصور الذهبية في الإسلام (45).

4 ـ نظام الأكل والثياب والراحة: كان لتعليم المماليك نظام دقيق، فليس لهم أن يخرجوا من مقرهم، إطلاقاً، لا سيما ليلاً، وكان عليهم أن يذهبوا إلى الحمام يوماً في الأسبوع، ويكون أكلهم اللحم والأطعمة والفواكه والحلوى، والفول المسلوق وغير ذلك، وكانوا يتسلمون كسوات فاخرة، وقد يأخذون مرتباً قليلاً قد يصل إلى ثلاث أو عشرة دنانير في الشهر (46)، وكان السلطان يذهب ليتفقد أحوالهم من طعام وغيره، ولكن منذ عهد السلطان برقوق سمح للمماليك بالخروج من الطباق والمبيت خارجها في القاهرة، بحيث أصبحت فقط مكاناً لتعليمهم، ويلاحظ المقريزي أن ذلك جرَّ إلى نسيان تقاليد المماليك في التعليم بالطباق وأنهم أخلدوا إلى البطالة، وسعوا إلى نكاح النساء، حتى صارت المماليك أرذل الناس وأدناهم (47).
5 ـ نظام التخرج وإنهاء الدراسة: كانت الدراسة في الطباق بين أربعة أو خمسة عشر شهراً، وإن كانت أحياناً تمتد إلى عدة سنين، فإذا إنتهت الدراسة، أعتق المملوك، ويكون الإعتاق بالجملة ويقام له إحتفال خاص يحضره السلطان والأمراء وذلك بناء على شهادة تسمى إعتاق أو عتاقه (48)، فسلم المملوك سلاحاً وفرساً ولباساً خاصاً ((قماشاً)) وإقطاعاً يبقى له مدى الحياة، وحينئذ يسمى عتيقاً أو معتوقاً ـ جمعها معاتيق ـ ومعتقه يسم أستاذه أما رفاقه المتحررون معه، فيسمون خشداشية (49)، مفردها خشداش وكان المماليك المتخرجون يقسمون أقساماً، لكل جماعة منهم باش أو نقيب، أما الذين يصلون إلى الإمارة وهي مرتبة تهيء الوظاف الكبرى الحاكمة في البلاط والجيش أو حتى للسلطنة نفسها وكان من المفروض أن المملوك لا يحصل على الإمارة إلا بعد أن ينتقل من مرتبة إلى مرتبة، فلا يليها إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه وامتزج بروح الإسلام وبرع في الشئون الحربية، بحيث من كان
منهم من يصير من كثرة علمه في مرتبة فقيه أو أديب أو حاسب،، لذلك كانوا سادة يديرون المماليك وقادة يجاهدون في سبيل الله، وأهل سياسة.

6 ـ لغة المماليك: هي اللغة التركية، وهي لغة مملوءة بالفارسية والعربية حتى لو لم يكونوا تركاً، فعدد كبير من سلاطين المماليك وأمرائهم وصلوا إلى السلطنة ووظائفها العالية، دون أن تكون لهم معرفة بالعربية (50)، ومع ذلك، فكثير من المماليك أتقن العربية وأصبح فصيح اللسان، وله مسائل في الفقه عويصة، يرجع له فيها العلماء (51).
7 ـ رابطة الأستاذية بين المماليك: كانت أقوى الروابط بين المماليك هي رابطة الأستاذية بين الأستاذ ومماليكه الذين اشتراهم وأشرف على تربيتهم وتدريبهم، كما كان يوليهم عناية كاملة، بل إن الأستاذ كان يتناول طعامه مع مماليكه ويحرص على مجالستهم وزيادة أواصر العلاقة بينه وبينهم لكي يضمن ولاءهم وكان الملك المنصور قلاوون يخرج في غالب أوقاته إلى الرحبة عند استحقاق حضور الطعام للمماليك ويأمر بعرضه عليهم ويتفقد لحمهم ويختبر طعامهم في جودته ورداءته، فإن رأى فيه عيباً اشتد على المشرف والاستادار، ونهرهما، وحلَّ بهما أي مكروه (52). وكان يقول: كان الملوك يعلموا شيئاً يذكرون به ما بين مال وعقار، وأنا عمرت أسواراً، وعملت حصوناً مانعة لي لأولادي وللمسلمين، وهما المماليك، وكانت المماليك تقيم بهذه الطباق (53). لا تبرح فيها (54). وهذا النص يكشف عن أحد أركان المؤسسة المملوكية والعلاقات داخلها، فالسلطان ـ وهو مملوك في الأصل ـ يدرك أهمية المماليك في حماية عرشه وأسرته، ويصفهم بأنهم مثل الأسوار والحصون المانعة، كما أنهم عمل يخلد اسمه بين الملوك والحكام. ومن ناحية أخرى يكشف هذا النص عن أسباب قوة رابطة (الأستاذية) التي ربطت برابطة الولاء الشخصي بين السيد ومماليكه، فواجبه أن يرعاهم ويغدق عليهم ويعتني بهم، وواجبهم أن يحموه وأن يصونوا عرشه ويدافعوا عن أسرته (55).
8 ـ رابطة الخشداشية (الزمالة): وهي من اقوى الروابط القائمة على الولاء الشخصي في الدولة، وتفسير ذلك أن هؤلاء الذين جلبوا أطفالاً، ثم عزلوا عن المجتمع في معسكرات صارمة القوانين، وعاشوا حياتهم الباكرة في سن الشباب سوياً، لم يكونوا يجدون
الأمان والطمأنينة سواء مع بعضهم البعض، ولهذا تميزت الفرقة المملوكية بالطائفية القائمة على الولاء الشخصي، فالمماليك كانوا عادة ينسبون إلى السلطان الذي إشتراهم، فالمماليك الظاهرية مثلاً نسبة إلى الظاهر بيبرس، والمعزية نسبة إلى المعز آيبك، والناصرية نسبة إلى الناصر محمد بن قلاوون، وهكذا، ومن ناحية أخرى أدى هذا إلى زيادة نسبة الصراعات الدموية في سبيل الوصول إلى الحكم (56).
ولقد أحسن السلاطين الذين جمعوا بين التربية الدينية والتدريب العسكري للمماليك في معسكراتهم، ولذلك نجد هؤلاء المقاتلين الأفذاذ في الفترة الأولى من عهد المماليك يتميزون بالحماسة والغيرة على البلاد والمقدسات الإسلامية وهو الأمر الذي تجلى واضحاً (57) على تصديهم للمشروع المغولي وقضائهم على الوجود الصليبي في بلاد الإسلام.

9 ـ هل هؤلاء أجلاب؟: لا يمكن أن نتخيل مدلول كلمة ((المماليك)) بمعنى الرقيق المجلوب من أسواق النخاسة بالنسبة لكل هؤلاء المماليك، لأننا نعلم أن جماعات من الأتراك الفارين من وجه المغول إلى الشرق الأدنى دخلوا في خدمة سلاطين مصر، ولم تمض سوى فترة وجيزة حتى نشأ بين هذه الجموع التركية، جيل جديد من الحكام، بسط سلطانه على مصر وسوريا حتى الفتح العثماني، كما أن بعض هؤلا المماليك، كان من سلالة ملكية يتصل في نسبه إلى ملك خوارزمشاه، مثل السلطان ((قطز)) بطل موقعة عين جالوت، ولقد كفل نظام تربيتهم الدقيق، الذي يفوق نظام الداخلية الآن في أي مدرسة أو جامعة أو كلية عسكرية كفل لهؤلاء القوم، صيانة مركزهم الأدبي، كما أتى ثماره في الحفاظ على أخلاقهم، وأتاح فرصة الظهور في المجالات المختلفة مما عاد على البلاد بالخصب والغنى، وعلى العلم والثقافة والفنون، بما فاق كل إنتاج علمي وثقافي وفني في العالم الإسلامي (58).
10 ـ الكليات العسكرية الحديثة: إن الدول العربية والإسلامية في يومنا هذا، عليها أن تعيد النظر في عقيدة جيوشها، وأن تربي المنتسبين إليها على العقيدة الصحيحة، والعبادة السليمة والأخلاق الفاضلة، وتجارب الحروب في تاريخ أمتنا، وسنن الله في إنتصار الأمم وهزيمتها، وهذا يحتاج إلى إعادة النظر في برامج الدراسة، والقائمين عليها، ولا ننسى أبداً أهمية الاستفادة من التكنولوجية المعاصرة، والحرب النفسية وتطوير السلاح ومعرفة أسراره
والعمل بقول الله تعالى: "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون" (الأنفال، آية: 60).

11 ـ الشيخ عز الدين عبد السلام بائع أمراء المماليك: رأى الشيخ عز الدين عبد السلام أن المماليك الذين اشتراهم نجم الدين أيوب ودفع ثمنهم من بيت مال المسلمين واستغلهم في خدمته وجيشه، وتصريف شئون الدولة يمارسون البيع والشراء وهو تصرف باطل، لأن المملوك لا ينفذ تصرفه، فأخذ سلطان العلماء لا يمضي لهم بيعاً ولا شراء، فضايقهم ذلك وشجر بينهم وبينه كلام حول هذا المعنى فقال لهم بائع الملوك: أنتم الآن أرقاء لا ينفذ لكم تصرف، وإن حكم الرق مستصحب عليكم لبيت مال المسلمين، وقد عزمت على بيعكم فاحتدم الأمر، وبائع الملوك مصمم، لا يصحح لهم بيعاً ولا شراء، ولا نكاحاً، فتعطلت مصالحهم، وكان من جملتهم نائب السلطان الذي اشتاط غضباً، واحمر أنفه، فاجتمع مع شاكلته، وأرسلوا إلى بائع الملوك، فقال: نعقد لكم مجلساً وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه، فلم يرجع فخرجت من السلطان كلمة فيها غلظة حاصلها الإنكار على الشيخ ـ رحمه الله ـ في دخوله في هذا الأمر، وإنه لا يتعلق به (59)،
وهنا أدرك الشيخ العز أن أعوان الباطل تمالؤوا عليه ووقفوا في وجه الحق وتطبيق الشرع، وتنفيذ الأحكام التي لا تفرق ـ في الدين ـ بين كبير وصغير، وحاكم ومحكوم وأمير ومواطن، فلجأ إلى سلاحه الضعيف الباهت في ظاهره القوي الفعال المدمر في حقيقته وجوهره وسنده، وأعلن الإنسحاب وعزل نفسه عن القضاء وقرر الرحيل عن القرية الظالم أهلها والتي ترفض إقامة شرع الله، ونفذ العز قراره فوراً، وحمل أهله، ومتاعه على حماره وركب حماراً آخر وخرج من القاهرة، وما انتشر الخبر بين الناس في مصر حتى تحركت جموع المسلمين وراءه فم تكن إمرأة ولا صبي ولا رجل لا يؤوبه إليه بتخلف، ولا سيما العلماء والصالحين، والتجار، وأمثالهم ولسان حالهم يقول: لا خير في مصر إن لم يكن فيها العز بن عبد السلام وأمثاله، القائمون بالكتاب والسنة والآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، والمجاهدين في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، ولا شماتة شامت، ورفعة التقارير حول هذه الظاهرة إلى القاهرة، وكانت التوصيات: متى راح ذهب ملكك فركب السلطان بنفسه
ولحقه واسترضاه وطيب قلبه، فرجع أن ينادى على ملوك مصر وأمرائها ويبيعهم، وأرسل إليه كبيرهم ـ نائب السلطان ـ بالملاطفة والشيخ لم يتغير، لأنه يريد إنفاذ حكم الله، عندئذ إنزعج نائب السلطان وأصدر قراره بتصفية الشيخ جسدياً وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض والله لأضربنه بسيفي هذا بنفسه في جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف في يده صلتاً وطرق الباب فخرج إليه ولد الشيخ، فرأى أمراً جلداً، وعاد إلى أبيه، وأخبره الحال، فقال بائع الأمراء ممتلئاً إيماناً بربه، قائلاً لولده: يا ولدي: أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله، فلما رآه نائب السلطان اهتزت يده وارتعدت فرائصه وسقط أرضاً، فبكى، وسأل الشيخ أن يدعو له قائلاً: يا سيدي، خيراً أي العمل؟ فقال الشيخ أنادي عليكم وأبيعكم، قال نائب السلطان: ففيما تصرف ثمننا؟ قال الشيخ: في مصالح المسلمين قال ناب السلطان: من يقضيه؟ قال الشيخ: أنا وأنفذ الله أمره على يد الشيخ ـ رحمه الله ـ فباع الأمراء منادياً عليهم واحد تلو الآخر وغالى سلطان العلماء في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير التي تعود بالنفع على البلاد والعباد (60). ومن هنا عرف الشيخ العز بأنه (بائع الملوك) واشتهر أمره في الآفاق، وسجل له التاريخ موقفاً فريداً لم يشهده العالم أجمع، وعلا صوت الحق، وعز العلماء وتم تطبيق شرع الله تعالى، وهزم الباطل وطاشت سهام السلطة والقوة المادية، أمام سلطان الله تعالى، وأحكامه، وصدق على العز حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر (61) ". وعاد العز إلى عرينه في كنف الله تعالى ورعايته وهو القائل: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفر" (الحج، آية: 38)، والقائل: "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (يوسف، آية: 21).

12 ـ عصر الأفذاذ: هذه التسمية انفرد بها على حسب علمي الشيخ محمد محمد حسن شُرَّاب حيث قال: لا أدري من الذي أضاف هذا العصر إلى لفظ (المماليك) ولا أعرف من أول من أعطاهم هذا اللقب، إن كان الذين وضعوا هذا الوصف (المملوكي) هم العرب، فإنهم والله أساءوا إلى من أحسن إلى بلادهم، وإن كان الذين وضعوا هذا الوصف هم الغربيين الأوربيين كان علينا أن نعرف أن الأعداء لا يصفون عهودنا التاريخية إلا بأحسن الصفات إليهم، وأبغض الصفات إلينا، فما كان لنا أن نقلدهم ونسير على هديهم، فالغربيون الصليبيون يحقدون على عصر صلاح الدين، وعلى عصر (الأفذاذ)، وقولهم (المماليك) إنما هو
لقب (ذم)، هم يحقدون على هؤلاء الأفذاذ، لأنهم حرموا الصليبيين من تحقيق أطماعهم في العودة إلى القدس، ذلك أن الحملات الصليبية لم تفتر بعد صلاح الدين وذكرنا قول هذا أنهم دخلوا القدس مرتين بعد أن حرره صلاح الدين، وكانت بقيت لهم ممالك وحصون كثيرة على الساحل وهؤلاء الذين نلقبهم (المماليك) هم الذين نظفوا البلاد من الصليبيين وأزالوا آخر مملكة صليبية سنة 690هـ/1291م أي: بعد فتح القدس بمائة سنة .. وهؤلاء الذين نصفهم بالمماليك، هم الذين هزموا أكبر غزو وحشي على البلاد الإسلامية، بعد الغزو الصليبي ألا وهو الغزو المغولي، ومعركة عين جالوت تتحدث عنها الركبان، وتعد رمزاً لقوة الإسلام .. وعهد هؤلاء الأفذاذ العلمي من العهود الزاهرة وآثارهم العلمية والعمرانية شاهدة لتاريخهم المجيد، فقد عددت لهم في القدس وحدها خمس وثلاثين مدرسة لتعليم العلوم النافعة، وعشرات المساجد، والبنايات والأوقاف والأربطة والإصلاحات (62)، إنهم إذا كانوا مماليك، فإنهم في رأيي مماليك الإحسان عل معنى قول الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
فأولئك أحسوا في قرارة نفسوهم إن الله أحسن إليهم عندما جلعهم مسلمين وحكاماً، فامتلك قلوبهم هذا الإحسان، لم يفخروا بنسب ينتمون إليه، وإنما فخروا بأعمالهم التي خلدتهم، ومن حقهم علينا، أن نلقبهم بأحب الألقاب إليهم في حياتهم، ومن حقهم علينا أن نذكرهم في التاريخ بالصفة التي تدل على الوفاء لهم جزاء ما قدموا للعرب والمسلمين، ومن الأوصاف المناسبة لعصرهم أن نقول: عصر الأفذاذ (63).

ثالثاً: جهود المماليك في دحر الحملة الصليبية السابعة:
عندما قرر الصليبيون الزحف نحو القاهرة توفي الملك الصالح أيوب، وكانت محنة عظيمة ألمت بالمسلمين (64)، وكان عمره عند وفاته 44 سنة، وقد عهد لولده الملك المعظم تورانشاه ولم يكن موجوداً في مصر، وظهرت على مسرح الأحداث زوجته شجرة الدر وأدركت خطورة إذاعة خبر وفاة زوجها نجم الدين على الجند، فقررت إخفاء خبر الوفاة، ولم يعرف ذلك إلا الخاصة وقدمت وثيقة تحمل توقيع السلطان بتعيين إسمه تورنشاه قائداً
عاماً للجيوش ونائباَ للسلطان اثناء مرضه، وخلال ذلك كان الصليبيون يتحركون جنوباً ووصلوا إلى مدينة فارسكور في الثاني عشر من ديسمبر 1249م، ومنها تقدموا إلى شار مساح ثم البرامون واصبح بحر أشمون هو الفاصل بين المسلمين والصليبيين، وعند هذه المرحلة توقفت القوات الصليبية واقامت معسكرها على الضفة الشمالية وعملت على تأمين معسكرها بحفر الخنادق وإقامة المتاريس وظلوا على هذا حوالي شهر ونصف، ثم شرعوا في بناء جسر ليعبروا عليه على الضفة الجنوبية لبحر أشموم، ولم تكن عملية إقامة الجسر بالأمر الهين، فقد أمطرهم المسلمون وابلاً من القذائف ولم يتمكنوا من إقامته وأخيراً نجح الصليبيون في التعرف على مخاضة ـ دلهم عليها أحد العربان وفي رواية أحد الأقباط (65)،
بعدما رشوه بالمال، تمكنوا من العبور إلى المعسكر الإسلامي وكانت خطة الملك لويس أن يعبر هو واخوته وجزء كبير من الجيش المخاضة إلى الجنوب، ويقوم بقية الجيش الصليبي بحراسة المعسكر الصليبي، وبعد إتمام عملية العبور تقوم الفرقة المخصصة للحراسة باستكمال عملية إقامة الجسر، وإذا تم النصر على القوات الإسلامية في المنصورة يتقدم الجيش الصليبي إلى القاهرة، وعبرت القوات الصليبية في عجز الثامن من فبراير عام 1250م وكانت عملية شاقة وبطيئة بسبب عمق المخاضة، وكان في طليعة القوات الصليبية الكونت آرتو الذي شن على القوات الإسلامية المواجهة له هجوماً، وحقق نصراً عليها، وعندما وصلت هذه الأخبار إلى الأمير فخر الدين أسرع بدعوة القوات الإسلامية والتحم مع الصليبيين في معركة عنيفة وقع فيها فخر الدين شهيداً، فغسل بذلك عار إنسحابه من جيزة دمياط واغتر الكونت آرتو بالنصر الذي أحرزه ولم يبال بأوامر الملك لويس التاسع ونصائح القادة الصليبيين بالتريث حتى تتكامل القوات الصليبية وأراد أن ينفرد بشرف النصر لنفسه (66).

1 ـ معركة المنصورة: اغتر روبرت آرتو بقوته، وتابع زحفه إلى المنصورة لاقتحامها، والقضاء على الجيش الأيوبي، وأعرض عن توسلات الراوية بأن ينتظر وصول الملك والجيش الرئيسي، ونصحه بعضهم بالحيطة والحذر، ثم بادر، باقتحام المنصورة (67)، فأضحت المنصورة ساحة لحرب الشوارع وتولى قيادة المسلمين الأمير بيبرس البندقاري فأقام جنده في مراكز
منيعة داخل المدينة، وانتظروا حتى تدفق الصليبيون بجموعهم إلى داخلها، ولما أدركوا أنهم بلغوا أسوار القلعة التي إتخذها المصريون مقراً لقيادتهم، خرج عليهم المماليك في الشوارع والحارات والدروب وأمعنوا في قتالهم، ولم يستطع الصليبيون أن يلتمسوا لهم سبيلاً إلا الفرار، فوقع الاضطراب بين الفرسان ولم يفلت من القتل إلا من ألقى بنفسه في النيل، فمات غريقاً أو كان يقاتل في أطراف المدينة (68).، وكانت المنصورة مقبرة الجيش الصليبي (69)،
وأول إبتداء النصر على الفرنج، وجزع لويس التاسع بتلك الصدمة لكنه تملك نفسه، وبادر إلى إقامة خط إمامي لمواجهة ما توقعه من هجوم، من قبل فرسان المماليك ضد قواته، كما اقام جسراً من الصنوبر على مجرى البحر الصغير عبر عليه النيل مع رجاله ووزع رماته على الطرف البعيد للنهر حتى يكفلوا الحماية للجند عند عبورهم متى دعت الضرورة إلى ذلك، لكن المماليك لم يتركوه وشأنه وبادروا إلى شن هجوم على المعسكر الصليبي وقاد الملك الفرنسي المعركة بنفسه وأجبر المسلمين على التراجع نحو المنصورة، وعلى رغم من الانتصار الصليبي، إلا موقف الصليبيين أخذ يزداد سوءاً بسرعة واضحة، بعد أن قلت المؤن، كما فقدوا نسبة مرتفعة من فرسانهم في معركة المنصورة، وانتشرت الأمراض في معسكرهم، وظل الملك الفرنسي زهاء ثمانية أسابيع، في معسكره أمام المنصورة، آملاً بأن يحدث إنقلاب في مصر، أو يقوم المصريون بثورة على الحكم الأيوبي (70).

2 ـ تورانشاه يقود المعركة: وصل تورانشاه إلى المنصورة في 17 ذو القعدة 647هـ/21 شباط 1250م بعد أن أعلن سلطاناً في دمشق، وهو في طريقه إلى مصر، فأعلنت عندئذ وفاة الصالح أيوب وسلمته شجرة الدر مقاليد الأمور، فأعد خطة عسكرية كفلت له النصر النهائي على الصليبيين (71). وكان وصوله إلى مصر إيذاناً بإعادة إرتفاع الروح المعنوية عند المصريين وبين صفوف المماليك وتيمّن الناس بطلعته (72). وأمر بإنشاء اسطول من السفن الخفيفة نقلها إلى فروع النيل السفلى وأنزلها في القنوات المتفرعة، فأخذت تعترض طريق السفن الصليبية التي تجلب المؤن للجنود من دمياط، فقطع بذلك الطريق عليها وحال دون اتصال الصليبيين بقاعدتهم دمياط (73)، وفقد الصليبيون عدداً كبيراً من سفنهم قدّرتها المصادر
بما يقرب من ثمان وخمسين سفينة، انقطع المدد من دمياط عن الفرنج ووقع الغلاء عندهم، وصاروا محصورين لا يطيقون المقام، ولا يقدرون على الذهاب وتشجع المسلمون وطمعوا فيهم وأدرك لويس التاسع استحالة الزحف نحو القاهرة في ظل هذه الاوضاع وبدأ يفكر في العودة إلى دمياط وفعلاً أمر بالإرتداد وأحرق الصليبيون ما عندهم من الخشب وأتلفوا مراكبهم ليفروا إلى دمياط، كما أدرك أن عملية الانسحاب لن تكون سهلة، وأن المماليك سوف يطاردون جيشه لذلك لجأ قبل أن يبدأ بعملية الإنسحاب إلى فتح باب المفاوضات مع تورانشاه على أساس ترك دمياط مقابل أخذ بيت المقدس (74)،
غير أن الوقت قد فات على مثل هذه المساومة وكان طبيعياً لأن يرفض تورانشاه هذا الإقتراح وبخاصة أنه علم بحرج موقف الملك، وفي صباح المحرم عام 648 هـ / نيسان عام 1250م بدأت عملية المهندسون الصليبيون على أن يدمروا الجسر الذي أقاموه لإجتياز البحر الصغير فلم يلبث المماليك أن عبروه وراءهم، وقاموا بعملية مطاردة منظمة، وهاجموه من كل ناحية (75)، وبفضل ثبات الملك الفرنسي وحسن إدارته بعملية الإنسحاب، وصل الصليبيون إلى شرمساح عند منتصف الطريق بين المنصورة ودمياط، ولكن كان هذا الملك مريضاً، وأحاط المماليك بجيشه من كل جانب، وراحوا يتخطفونهم، وشنوا عليهم هجوماً عاماً في فارسكور ولم يقو الملك على القتال، وتم تطويق الجيش بأكمله، وحلت به هزيمة منكرة، ووقع كل أفراده تقريباً بين قتلى وجرحى وأسرى، حيث سيق مكبلاً إلى المنصورة، وسُجن في دار فخر الدين إبراهيم بن لقمان وعُهد إلى الطواش صبيح بحراسته وخُصّص من يقوم بخدمته، وكانت معظم الحرب في فارسكور، فبلغت عدَّة القتلى عشر' آلاف في قول المقل وثلاثين ألفاً في قول المكثر وأسر من الفرنج عشرات الألوف بما فيهم صناعهم وسوقتهم، وغنم المسلمون من الخيل والبغال والأموال ما لا يحصى كثرة وأبلت الطائفة المملوكية البحرية ـ لا سيما بيبرس البندقداري ـ في هذه المعركة بلاء حسن وبان لهم أثر جميل (76).

3 ـ صور من شجاعة المماليك: تعددت صور شجاعة هؤلاء المماليك في التعدي لأعداء الإسلام وشهد التاريخ ببسالة الدور الذي لعبه المماليك في مقاومة الصليبيين فذكر
جوانقيل آن الكونت بواتييه والكونت فلاندر وبعض قادة قواتهم كان يرسلون إلى الملك لويس يتوسلون إليه: أن يقصر عن الجريمة لعجزهم عن متابعته لضغط المماليك الشديد عليهم (77). ويقول ثم جاء للكونتابل جندي كان يعمل صولجاناً ويرتجف خوفاً وأخبره أن الترك قد أحدقوا بالملك وأنه في خطر عظيم فرجعنا، وأبصرنا بيننا وبينه ما لا يقل عن ألف مملوك والملك قريب من النهر والمماليك يدفعون قواته ويضربون السيوف والصولجانات وأرغم القوات الأخرى على التقهقر (78)، وقد وصفهم أحد المؤرخين عن تلك المعركة بقوله: والله لقد كنت أسمع زعقات الترك كالرعد القاصف ونظرت إلى لمعان سيوفهم وبريقها كالبرق الخاطف فلله درهم لقد أحيوا في ذلك اليوم الإسلام من جديد بكل أسد من الترك قلبه من حديد، فلم تكن إلا ساعة وإذا بالأفرنج قد ولوا عل أعقابهم منهزمين وأسود الترك لأكتاف خنازير الأفرنج ملتزمين (79).
وتضمنت انتصارات المماليك على الصليبيين أنهم استطاعوا الاستيلاء على ثمانين سفينة من سفن الصليبيين بعد أن قاموا بسحب بضعة سفن من سفن المسلمين إلى اليابسة وأنزلوها ثانية إلى الماء على بعد فرسخ من شمال معسكرهم فاستحالت عودة الفرنج الذين ذهبوا إلى دمياط لجلب المؤنة، وتم قتل جميع بحارة الثمانين سفينة كما استولوا على اثنين وثلاثين مركباً مما أضعفهم وطلبوا الصلح (80).

4 ـ لويس التاسع في الأسر وشروط الصلح: لم يهتم المسلمون كثيراً، بعد إنتصارهم، بأمر دمياط، ونظروا إلى أبعد من ذلك ففكَّروا باسترداد ما بأيدي الصليبيين في بلاد الشام، فاستغلوا وجود الملك الفرنسي في الأسر لتحقيق هذه الغاية، لكن لويس التاسع أجاب بأن هذه البلاد ليست في أملاكه، بل تخص الملك كونراد ابن الإمبراطور فريدريك الثاني (81)، وعبثاً حاول تورانشاه إرغامه على الاعتراف وأصرَّ لويس التاسع على رأيه، وقال: أنه أسيرهم، ولهم أن يفعلوا به ما يشاؤون (82)، فبادر تورنشاه إلى إغفال هذا الموضوع لكنه قرَّر غزو بلاد الشام، وغالى في شروط الصلح، إذ كان لزاماً على الملك الفرنسي أن:
ـ يفتدى نفسه بأن يؤدي مليون بيزنتة وهذا مبلغ كبير.
ـ يُطلق سراح عدد كبير من الأسرى المسلمين.
ـ يسلم دمياط إلى المسلمين.
ـ يستمر الصلح مدة عشر سنوات (83).
وافق الملك الفرنسي على هذه الشروط، وأقسم الطرفان على احترامها (84)،، وانتظر لويس لبعض الوقت حيث كانت زوجته تعاني آلام الوضع، وأرسل بعض رجاله إلى دمياط لتسليمها للمسلمين، ودخلت القوات المدينة في السابع من مايو بعدما ظلت في أيدي قوات لويس ما يقرب من عام، ودفع لويس نصف الفدية حسبما اتفق عليه وأطلق سراح الصليبيين من البر الشرقي إلى جيزة دمياط، ثم تابعهم باقي الصليبيين.
وفي يوم الأحد الربع من صفر عام 648هـ الموافق الثامن من مايو عام 1250م أقلعت سفن الفرنج واتخذت طريقها إلى عكا حاملة فلول الحملة بعد أن أنهكتها الهزائم وحلت بها الكوارث (85).

5 ـ من أسباب هزيمة الصليبيين في الحملة الصليبية السابعة:
ساهمت مجموعة من الأسباب في هزيمة الحملة الصليبية السابعة والتي من أهمها:
أـ التطوير العسكري في الجيش الأيوبي.
ب ـ وحدة الصف الإسلامي.
جـ ـ هيبة القيادة الإسلامية.
ح ـ نزول العلماء والفقهاء أرض الجهاد.
خ ـ جهل الفرنجة بجغرافية البلاد الإسلامية.
د ـ خطأ كبير في تقدير العامل الزمني.
ذ ـ العصيان وعدم الطاعة عند الصليبيين.
ر ـ إنحلال الحملة السابعة خلقياً.
ز ـ فتور الروح الدينية عند الصليبيين.
س ـ التهور وقصور النظر.
وقد فصلت في شرح الأسباب المذكورة في كتابي عن الحملات الصليبية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة (86).

6 ـ من نتائج الحملة الصليبية السابعة: لقد ترتب على هزيمة لويس التاسع عام 1250م/648هـ مجموعة من النتاج من أهمها:
أـ إرتفاع شأن ومكانة المماليك: فقد تبين بوضوح الدور البارز الذي قام به المماليك في معركة فارسكور وكيف أن جهادهم أعداء الإسلام كلل بالنجاح، وفي حقيقة الأمر، أن ذلك الدور كان له أثره في ارتفاع شأنهم وبذلك سيصبح لهم السند التاريخي في الوصول إلى العرش، وليس غريباً أن العام الذي شهد الانتصار على الغزاة وهو عام 1250م/648هـ هو ذاته الذي شهد نهاية تورانشاه حريقاً غريقاً لتنتهي الدولة الأيوبية، ويتم إفساح الطريق لدولة المماليك الأفذاذ لتدافع عن الإسلام (87)، بقوة وعزم ونشاط وحيوية جهادية رائعة.
ب ـ عجز فرنسا عن تحقيق أهدافها: والملاحظ أن فعاليات فرنسا في دعم الحركات الصليبية وفي التوجه إلى البعد الأفريقي نالها الخسران المبين وعجزت فرنسا عن صنع واقع حربي وسياسي في المنطقة على حساب الأيوبيين وبذلك تأكد للدارسين كيف أن كافة المحاولات الصليبية لاخضاع مصر سواء في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي/ السادس والسابع الهجريين لم تحقق أدنى نجاح، ولا شك في أن صورة أسرة آل كايبة الحاكمة في فرنسا، ضعف أمرها بين الأسر الحاكمة في أوربا بسبب الهزيمة الشنيعة التي تعرض لها لويس التاسع ووقوعه في الأسر (88) وغير ذلك من النتائج التي ذكرتها في كتابي عن الحملات الصليبية الرابعة والخامسة، السادسة والسابعة.

7 ـ مقتل تورانشاه وزوال الدولة الأيوبية: تباينت الآراء واختلف المؤرخون حول شخصية تورانشاه وتعددت أسباب قتله في نظرهم ولكنهم اجتمعوا على قتله على يد مماليك
أبيه البحرية (89)، ويرى المؤرخ المصري الدكتور قاسم عبده قاسم: بالرغم من الإنتصار الإسلامي الرائع على الحملة الصليبية فإن السلطان الأيوبي تورانشاه كان إخفاقاً أيوبياً جديداً مهد الطريق أمام نهاية الدولة الأيوبية وصعود الدولة الجديدة التي شادها المماليك، لقد فشل تورانشاه في الإستجابة للتحديات التي كانت تفرضها الظروف التاريخية وبدلاً من تكريس جهوده لتوحيد المسلمين للقضاء على الخطر الصليبي تماماً، بدأ يدبر للتخلص ((من شجرة الدر)) وكبار أمراء المماليك (90)، وقد ذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب أدت لقتل تورانشاه منها:
ـ أن هؤلاء المماليك خدموه أتم خدمة وانتظروا مجازاتهم واعتقد أنه سيملأ فراغ والده ولكنه قدم أمراءه وتوعد مماليك أبيه ـ الذين رباهم كأولاده ـ وقطع أخبازهم ونهب أموالهم ولم يعمل بوصية أبيه تجاههم (91).
ـ ومن الاسباب التي ذكرت في قتله أن مماليكه أشاروا عليه بصلح الفرنج بعد أن كان ملكهم في يديه حتى لا يحتاج إلى شجرة الدر أو مماليك أبيه لأنهم مسيطرين على الحكم وسولوا له لأن هؤلاء هم أعداءه وأن في صلح الملك وتركه وأخذ الأموال والجواهر صلاح الحال وتسليم دمياط، فشعر أمراء أبيه بتغيره عليهم واستهتاره بما قاسوه حتى وصلوا إلى هذا النصر على الصليبيين فدبروا قتله (92).
ـ وقيل أن من أسباب قتله أنه كان قد وعد الفارس أقطاي حين ذهب إليه يستدعيه من حصن كيفا أن يؤمره ولم يف بوعده فحقد عليه أقطاي (93)، ولما ذكره بوعده، على لسان بعض خواصه رد قائلاً: أعطيه جباً مليحاً يليق به (94).
ـ وقيل من أسباب قتل المماليك له أنه تعرض لحظايا أبيه (95)، فلماذا حظايا أبيه وقد كان في عصرمن الممكن الحصول فيه على أكبر عدد من المماليك والجواري والحظايا وكان طبيعياً
أن لكل سلطان حظايا، فلم تكن ثروة ثمينة لا يستطيع الحصول على مثلها (96).
ـ وقيل من أهم أسباب قتله أنه طالب زوجة أبيه شجرة الدر بمال أبيه والجواهر (97) وهددها فخافت منه فتلاقت مخاوفها مع مخاوف زعماء المماليك وغضبهم بعد أن حرمهم السلطان الجديد من إقطاعاتهم فاستقر الرأي على ضرورة التخلص من آخر سلاطين الايوبيين في مصر (98).
ـ وكان حبه لشرب الخمر أحد تصرفات تورانشاه التي اثارت حنق المماليك البحرية عليه وذكرها معظم من أرخ لتلك الفترة فقد كان يشرب الخمر حتى تدور راسه ويأتي بالشموع ويسميها باسم مماليك أبيه ويطيح بها بسيفه وقد حذره أبوه في وصيته بترك شرب الخمر، ولكن يبدو أنه لم يسمع النصيحة وقد جاء في الوصية: يا ولدي قلدت إليك أمور المسلمين، فأفعل فيهم ما أمرك به الله وبه رسوله يا ولدي إياك والشراب فإن جميع الآفات وما تأتي على الملوك إلا من الشراب (99).
ـ وذكر ابن العبري أن أحد تصرفات تورانشاه التي أثارت حفيظة البحرية ضده حين علم أن الملكة زوجة الملك لويس التاسع المعتقل لديه ولدت له إبناً في دمياط فسير إليها المعظم عشرة آلاف دينار ذهباً ومهداً للطفل ذهبياً وحللاً ملكية (100)، وغير ذلك من الاسباب والمهم أن نعرف حقيقة هامة وهي أنهم شعروا باختلاف شديد في معاملة السلطان لهم ومعاملة تورانشاه المختلفة فقد كان الملك الصالح يحب مماليكه ويهتم بهم ويغدق عليهم الكثير من الإنفاق وقد بلغ من شدة اهتمامه بهم أنه ذكرهم في وصيته لابنه تورانشاه: الولد يتوصى بالخدم محسن ورشيد والخدم المقدمين لا تغيرهم فما قدمت أحد من الخدم ولا من المماليك إلا بعد ما تحققت نصحه وشفقته واستاذ الدار وأمير جاندار تتوصى بهم وكذلك الحسام لا تغييرهم فإني اعتمد عليهم في جميع أموري (101)، وقد عينت في ورقة عند الأخ فخر الدين عشرين من المماليك تقدمهم وتعطي كل واحد منهم كوس (102) وعلم وتحسن إليهم
وتتوصى بالمماليك غاية الوصية، فهم الذين كنت أعتمد عليهم واثق بهم وهم ظهري وساعدي، تتلطف بهم وتطيب قلوبهم وتوعدهم بكل خير، ولا تخالف وصيتي ولولا المماليك ما كنت قدرت اركب فرسي ولا أروح إلى دمشق ولا إلى غيرهم فتكرمهم، وتحفظ جانبهم (103)، وجاء في الوصية: والوصية بجميع الأمراء وأكرمهم واحترمهم وأرفع منزلتهم فهم جناحك الذي تطير به وظهرك الذي تركن إليه وطيب قلوبهم وزيد في إقطاعهم وزيد كل أمير على ما معه من العدة عشرين فارساً، وأنفق الأموال وطيب قلوب الرجال يحبوك وتنال غرضك في دفع هذا العدو (104)، ومن الراجح أن هؤلاء المماليك توقعوا بعد الانتصارات التي حققوها والصعاب التي واجهوها في سبيل تخليص البلاد من ذلك الخطر الصليبي وحفظ البلاد للسلطان وحتى مجيئه وحلفهم له وتنصيبهم إياه سلطاناً على البلاد أن يقدر ذلك الجميل ويكافئهم كما تعودوا من أبيه (105)، ويبدو أن الأمر كان مغايراً تماماً لما توقعوه وبعد أن كان لهم الحل والعقد والأمر والنهي آثر مماليكه ودأب على تهديد هؤلاء ووعيدهم، فلم يستطيعوا تقبل الأمر كما هو فقتلوه (106)، وكانت أكبر أخطاء تورانشاه أنه أقام بنيابة السلطنة الأمير جمال الدين أقوش النجيبي بدلاً من الأمير حسان الدين أبي علي الذي كانت له هيبة في عهد الصالح وهو الذي كان قد أمر الخطباء بالدعوة لتورانشاه على المنابر يوم الجمعة بعد الدعاء لأبيه وهو الذي حرضّ على استدعائه في سرعة حتى لا يتغلب الأمير فخر الدين على البلاد عقب وفاة الصالح (107)، فكان من الممكن أن يسانده ويتقوى به (108).

8 ـ كيفية مقتل تورانشاه: ونتيجة لبعض التصرفات الغير مسؤولة وعدم أخذ الحيطة اللازمة من تورانشاه قرر المماليك البحرية التخلص من تورانشاه وتزعم المؤامرة مجموعة من الأمراء البحرية منهم فارس الدين أقطاي وبيبرس البندقداري، وقلاوون الصالحي وأيبك التركماني وتم تنفيذ المؤامرة في صباح يوم الأثنين 28 محرم 648هـ / 2 أيار 1250م وكان السلطان آنذاك في فارسكور يحتفل بإنتصاره ويتهيأ لإستعادة دمياط (109)، وجلس على عادته ليتناول طعامه، فتقدم إليه بيبرس البندقداري وضربه بسيفه ضربة تلقاها بيده، فقطعت بعض أصابعه، فأسرع تورانشاه إلى البرج الخشبي الذي أقامه على النيل ليمضي
فيه بعض وقته وإحتمى به وهو يصيح، من جرحني؟ فقالوا: (الحشيشية) فقال: لا والله إلا البحرية! والله لا أبقيت منهم بقية، وضمد جراحه، فاجتمع أمراء المماليك، وقرروا قتله وقالوا: بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها ودخل ركن الدين بيبرس وفارس أقطاي وغيرهما من أمراء المماليك البحرية إلى البرج وهم شاهرون سيوفهم ففر تورانشاه إلى أعلى البرج، وأغلق بابه والدم يسيل من يده، فأضرموا النار في البرج ورموه بالنشاب، فالقى تورانشاه نفسه من أعلى البرج، وهو يصيح مستنجداً: ما أريد ملكاً دعوني أرجع إلى الحصن يا مسلمين، أما فيكم من يصطنعني ويجبرني (110)، فلم يجبه أحد وأخذ يركض نحو النيل ونبال المماليك تأخذه من كل جانب حتى ألقى بنفسه في الماء على أمل أن يسبح إلى أحدى سفنه الراسية ليعتصم بها، ولكن سرعان ما لحق به اقطاي فقتله، وتركت جثته على شاطئ النيل ثلاثة أيام دون أن يتجاسر أحد على دفنه إلى أن شفع فيه رسول الخليفة العباسي، فحمل إلى الجانب الآخر من النهر ودفن، بعد أن حكم واحداً وستين يوماً (111)، وقيل مدة سلطته بالمنصورة نحو أربعين يوماً، لم يدخل فيها إلى القاهرة ولا طلع قلعة الجبل ولم يعتلي سرير الملك (112)، وبوفاة تورانشاه انقضت دولة بني ايوب بعد أن أقامت إحدى وثمانين سنة وسبعة عشر يوماً، وكان تورانشاه آخر من تولى السلطنة من بني أيوب (113)، على أن بعض المصادر ذكرت أن الدولة الأيوبية بخلع شجرة الدر (114)، فقد ذهب مجموعة من المؤرخين أن حكم شجرة الدر استمراراً للحكم الأيوبي، وأما في بلاد الشام فقد حكم الدولة الأيوبية لعدة سنوات أخرى (115).

رابعاً: أسباب سقوط الدولة الأيوبية:
إن أسباب سقوط الدولة الأيوبية كثيرة جامعها هو الابتعاد عن تحكيم شرع الله في أمور الحكم وغيرها، فقد وقع الظلم على الأفراد وتورط بعض السلاطين في الترف وحدث بينهم نزاع عظيم سفكت فيه الدماء وأدى ذلك إلى زوالهم، فعندما يغيب شرع الله في أمور الحكم ـ كما حدث في الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين ـ يجلب للأفراد والدولة تعاسة وضنكاً
في الدنيا وأن آثار الابتعاد عن شرع الله لتبدو على الحياة في وجهتها الدينية والاجتماعية والسياسية، والاقتصادية، وأن الفتن تظل تتوالى تترى على الناس حتى تمس جميع شئون حياتهم (116)، قال تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (النور، آية: 63). لقد كان في إبتعاد سلاطين الأيوبيين بعد وفاة صلاح الدين عن تحكيم الشرع في نزاعاتهم وخلافاتهم آثار على أفراد البيت الأيوبي والدولة، فقد أصيبوا بالقلق والجزع والخوف، والشقاق والخلاف ونزع منهم الأمن وأصبحوا في الضنك من الحياة، إن هلاك الأمم وسقوط الدول وزوال الحضارات لا يحدث عبثاً في حركة التاريخ، بل نتيجة لممارسة هذه الأسرة الحاكمة أو الدولة، أو الأمة الظلم والانحراف وبعد أن يعطوا الفرصة الكافية حتى تحق عليهم الكلمة، فيدفعوا ثمن إنحرافهم، وإجرامهم وطغيانهم وفسقهم والآيات صريحة في ذلك، فالله إذا أنعم على دولة نعمة أياً كانت فهو لا يسلبها حتى يكفر بها أصحابها (117)،
قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الأنفال، آية: 53)، والآيات في هذا كثيرة سواء ما يخص الفرد أو الأمة، بل أن القرآن الكريم ليذكر أن بعض ما يصيب الأمم والأفراد من استدراج حين يمهلهم الله تعالى وتواتيهم الدنيا، وتفتح عليها خيراتها فينسوا مهمتهم وما خلقوا له، بل ينسون المنعم جل جلاله وينسون ما عندهم لجهدهم وذكائهم، وقد يفلسفون الأمر فيقولون: لو لم تكن نستحق هذه النعم لما منحت لنا، وفي هؤلاء يقول الله تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا لهم ابواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" (الأنعام، آية: 44 ـ 45)، لقد نسى هؤلاء أن الله يمنح خيرات الدنيا لمن يطلبها ويجد فيها، قال تعالى: "ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها" (آل عمران، آية: 45). ولكن هناك من يريد الآخرة بحق ويسعى لذلك فهو الفائز "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموماً مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * وكلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا" (الإسراء، آيات: 18 ـ 20). وقال تعالى: "وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل
مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون" (النحل، آية: 112 ـ 113). ولنستمع لهذه الدعوة الكريمة "ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين" (هود، آية: 52).
وهناك آيات كثيرة تحاول قطع الطريق على بعض المتفلسفين من أهل الكتاب "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير" (المائدة، آية: 19)، فكل إنسان وكل مجتمع وكل أمة مسئولة عما يصدر عنها، ولا يتحمل أحد جريرة غيره "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون" (البقرة، آية: 134). المهم أن الله تعالى لا يحجب نعمة عن أحد، بل يوزعها على المؤمن والكافر، ثم يراقب تصرف الكل فيها، فمن طغى وظلم، ومن كفر بها واستعملها استعمالاً سيئاً فإن العقاب العادل سينزل به في الوقت المناسب، وقد يطول ذلك العهد قبل نزول العقاب ولكنه يكون في الطريق، وبعد هذا وذلك فإنه "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" (البقرة، آية: 286)، ومثل هذا في الأمم والمجتمعات وعلى مستوى الأفراد فإن الله خلق النصوص ملهماً إياها طريق الخير والشر، يقول تعالى: "ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها" (الشمس، آيات: 7 ـ 10). وقال "وهديناه النجدين" (البلد، آية: 10)، ومن الملاحظ في دراسة أسباب سقوط الدول والحضارات بأنها لا تسقط بسبب واحد كما لا تقوم بسبب واحد، بل بتجمع عدة أسباب لقيامها، وعدة أسباب لتدهورها وسقوطها، بعضها يعمل ببطء، بينما يعمل البعض بسرعة أكبر، ولا تسقط الدولة والحضارة بضربة واحدة، بل بتضافر جملة من العوامل (118)، وهذا ما حدث للدولة الأيوبية التي زالت من الوجود في مصر عام 648هـ وأهم هذه الأسباب في نظري:

1 ـ توقف منهج التجديد الإصلاحي: كان صلاح الدين رحمه الله رجل المرحلة، وجدت فيه صفات عظيمة، ساعده على ذلك الأجواء التي هيأها نور الدينت محمود من حبه للجهاد والعلم وتقريب العلماء، وإشاعة العدل، وسرى هذا في الأمراء والوزراء، ولكن
المعضلة الرئيسية التي بقيت هي أن التجديد لم يتحول إلى مؤسسات راسخة إلى إتجاه عام في الدولة حتى لا ينقطع بوفاة القائد أو المؤسس (119) وذلك يرجع إلى أمور منها:
أـ نقص الفقه الحركي الذي وجه نشاطات المدارس الإصلاحية:
فإن مدارس الإصلاح في هذا العصر ركزت نشاطاتها على تحقيق عنصر "الإخلاص" في العمل، أي أنها ركزت على التربية أكثر من الاستراتيجية، ولذلك لم تفرز ((فقه الحكمة)) اللازم لتنظيم مؤسسات السياسة والإدارة والاقتصاد وتنظيم مسئوليات العاملين فيها وأداهم وحسن إستثمار الموارد البشرية والمادية بما يناسب حاجات المكان والزمان، وإنما اكتفت بـ (فقه) الآباء الذي يركز على ((المظهر الديني للقيادة)) دون ((المظهر الاجتماعي))، وصار شيوخها ومتعلموها يسلكون طريق ((الزهو)) وينتمون إلى مذهب من المذاهب الفقهية التقليدية في آن واحد، ولهذا يوصف الواحد منهم بأنه ـ مثلاً ((قادري السلوك)) ((وشافعي المذهب))، كذلك لم تطرق هذه المدارس ميادين ((الفقه)) المتعلق بالمظهر الكوني للعبادة والمؤدي إلى تطور العلوم الطبيعية، وتسخير تطبيقاتها في ميادين الحضارة المادية المختلفة، وهذا النقص في الفقه السياسي والإداري جعل المنجزات التي حققها جيل صلاح الدين تعتمد على الشخصيات أكثر من فاعلية المؤسسات، فلما غابت الشخصيات القيادية على مسرح الحياة برز تأثير العامل الثاني، أي أثر العصبيات الأسرية والقبلية التي عادت لتوجه مؤسسات الحكم والإدارة بما فيها مدارس الإصلاح نفسها، وهذا التطور السلبي حقق إفراز ظواهر غير إيجابية منها:
ـ حين لم يحد جيل الأبناء فقهاً سياسياً وإدارياً ينظم عملية تعيين الحاكم ومؤسسات الحكم والإدارة إرتد إلى تقاليد العصبية الأسرية والقبلية وروابط الدم التي تعتبر الحكم وقيادة المؤسسات التربوية والعلمية ميراثاً يرثه الأبناء عن الآباء، الأمر الذي أدَّى إلى تفكك الدولة وإنقسامها حيث تقاسم الأبناء ما وحدَّه جيل الآباء، وأداروه طبقاً لتقاليد العصبيات الأسرية التي سبقت جيل صلاح الدين والتي كانت تعتبر أراضي الدولة ومدنها وسكانها إقطاعات يتصرف بها الحكام ويتبادلونها بالبيع والشراء وصفقات الحرب والصلح.
ـ أدى النقص في الفقه السياسي والإداري إلى إنفجار الفتن بين الملوك وأمراء الجيش من ذلك ما حدث بين الملك الكامل وبين عماد الدين أحمد بن المشطوب الكردي الهكاري
الذي يصفه ابن خلكان بأنه كان صلاح الدين أطعمه وهو شاب إقطاع نابلس إكراماً لوالده سيف الدين أبو الهيجاء المشطوب الهكاري الذي كان من كبار أمراء الجيش الصلاحي وقادته، فقد اتفق عماد الدين بن المشطوب مع الأكراد الهكارية على خلع الملك الكامل وتمليك أخيه الفايز، ولكن المحاولة لم تنجح ودب الاضطراب في معسكر الجيش الذي كان في مواجهة الصليبيين وانسحب عماد الدين إلى قلعة حران حيث بقي فيها حتى وفاته عام 610هـ (120)، والخلاصة أن الجدب في الفقه السياسي والإداري أفرز ـ بعد جيل صلاح الدين ـ قيادات وإدارات متسلطة فردية عملت على أن تحكم الأمة بقيم القوة فوق الشريعة، والفردية بدل العمل الجماعي، والتسلط بدل الشورى والإرتجال بدل التخطيط (121).
ـ قامت الدولة الأيوبية على تبني فكرة الجهاد وتحرر ديار المسلمين من الغزو الصليبي، وكانت التغيير العملي على مدى إصالة فكرة الجهاد الإسلامي وعن مدى عمق هذه الفكرة في نفوس المسلمين في كل من مصر والشام وقد انعكس هذا العمق وتلك الأصالة في الصفحات المشرقة التي سجلها بجهاده صلاح الدين، إذا انتقلنا إلى الصورة التي كانت لها في سنواتها الأولى وهذا يعني أنها قد أصبحت في وادي والفكرة التي قامت عليها في وادٍ آخر، ولو قدر واستمرت الدولة الأيوبية بالصورة التي كانت عليها في سنواتها الأخيرة لكان معنى ذلك نهاية أو سقوط فكرة الجهاد الإسلامي وترك الساحة للصليبيين يرسمون مستقبلها ومقدرات شعوبها كما يريدون، وإذن فإن إختفاء الدولة الأيوبية وقيام دولة المماليك مقامها كان التعبير العملي لرفض زوال فكرة الجهاد، ونخلص من هذا إلى القول بأن إختفاء الدولة الأيوبية، وقيام دولة المماليك مقامها كان رفضاً عملياً لسقوط فكرة الجهاد، كما كان أيضاً تأكيداً عملياً لقوة هذه الفكرة وضرورة إستمرارها حتى تحقق أهدافها كاملة، وخير للأجيال أن تستمر الفكرة حتى ولو على حساب سقوط الدولة والرجال مهما كانت درجة التعاطف مع هذه الدول وهؤلاء الرجال (122)
ب ـ ومن الظواهر السلبية: التي ساهمت في توقف حركة التجديد والإصلاح، تسلل قيم العصبية الأسرية إلى مدارس الإصلاح نفسها، إذ يستفاد مما كتبه مؤرخو تلك الفترة كابن الوردي وابن المستوفي، إن الأبناء والأحفاد تسلموا مشيخات هذه المدارس بعد
وفاة المصلحين الآباء دون أن يكون لأولئك الأبناء والأحفاد المؤهلات العلمية والدينية والأخلاقية، الأمر الذي أحال مدارس الإصلاح إلى إقطاعات دينية، وعصبيات مذهبية، وأدى إلى إنصراف النابهين المثقفين من صفوفوها وإجتماع العامة فيما عرف باسم ((الطرق الصوفية)) الني إشتقت اسماءها من اسماء الآباء المؤسسين، كالطريقة القادرية والطريقة البيانيه والطريقة الرفاعية التي راحت تركز على الطقوس والأشكال بدل التربية والعلوم والأعمال (123).

2 ـ الظلم: إن الظلم في الدولة كالمرض في الإنسان يعجل في موته، بعد أن يقضي المدة المقدرة له وهو مريض، وبإنتهاء هذه المدة يحين أجل موته، فكذلك الظلم في الأمة والدولة يعجل في هلاكها، مما يحدثه فيها من آثار مدمرة تؤدي إلى هلاكها، وإضمحلالها من خلال مدة معينة يعلمها الله هي الأجل المقدر له، أي الذي قدره الله بموجب سنته العامة التي وضعها لآجال الأمم بناء على ما يكون فيها من عوامل البقاء كالعدل أو من عوامل الهلاك كالظلم الذي يظهر أثرها وهو هلاكها بعد مضي مدة محددة يعلمها الله (124)، قال تعالى:" ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (الأعراف: آية: 34). قال الألوسي رحمه الله في تفسيره هذه الآية ((ولكل أمة أجل)) أي لكل أمة من الأمم الهالكة أجل، أي وقت معين مضروب لاستئصالهم ولكن هلاك الأمم وإن كان شيئاً مؤكداً ولكن وقت حلوله مجهول لنا، أي أننا نعلم يقيناً أن الأمة الظالمة تهلك حتماً بسبب ظلمها حسب سنة الله فلا يمكن لأحد أن يحدد بالأيام ولا بالسنين وهو محدد عند الله تعالى (125):" ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد* وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادهم غير تتبيت* وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه اليم شديد" (هود: آية: 100 ـ 102).
إن الآية الكريمة تبين أن عذاب الله ليس مقتصراً على من تقدم من الأمم الظالمة بل أن سنته تعالى في أخذ كل الظالمين سنة واحدة فلا ينبغي أن يظن أحد أن هذا الهلاك قاصراً بأولئك الظلمة السابقين، لأن الله تعالى لما حكى أحوالهم قال:" وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة" (هود: آية: 102) فبين الله تعالى أن كل من شارك أولئك المتقدمين في أفعالهم
التي أدت إلى هلاكهم فلا بد أن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد، فلآية تحذر من خطورة الظلم (126).إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم فهذه الدولة مع كفرها تبقى، إذ ليس من سنته إهلاك الدولة بكفرها ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم (127)،تزول قال تعالى:" وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (هود: آية: 117) قال الإمام الرازي رحمه الله في تفسيره: إن المراد من الظلم في هذه الآية الشرك والمعنى: أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين، إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، يعامل بعضهم على الصلاح وعدم الفساد (128)، وفي تفسير القرطبي رحمه الله قوله ((بظلم)) أي بشرك وكفر ((وأهلها مصلحون)) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، ومعنى الآية: أن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى يضاف إليه الفساد كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان وقوم لوط باللواط (129)، قال أبن تيمية رحمه الله في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة: أمور الناس إنما تستقيم بالعدل الذي يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ويقال: إن الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام وذلك إن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم تقم بالعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة (130)، ولقد حدثت مظالم عظيمة في عهد الأيوبيين، فقد سفكوا الدماء فيما بينهم، فقاتل الأخ أخيه والعم بني أخيه ظلماً وجوراً وتسلطاً على العباد والبلاد وحصرت دمشق وتعرض أهلها للمجاعة بسبب الأهواء والنزوات وإسراف بعض سلاطينهم في المال العام وتم الإعتداء في بعض الأحوال على أموال الرعية بدون وجه حق وقد بينا ذلك في مناسبات عديدة في كتابي ((الأيوبيون بعد صلاح الدين، والحملات الصليبية، الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة)).

3 ـ النزف والإنغماس في الشهوات: قال تعالى: "فلولا كان من القرون من قبلكم
أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً مما أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيع وكانوا مجرمين" (هود، آية: 116)، قال تعالى: "واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه" أراد الذين ظلموا: تاركي النهي عن المنكرات أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما إهتموا بالتنعم والترف والإنغماس في الشهوات والتطلع إلى الزعامة والحفاظ عليها والسعي لها وطلب أسباب العيش الهنئ (131)، وقد مضت سنة الله في المترفين الذين أبطرتهم النعمة وابتعدوا عن شرع الله بالهلاك والعذاب قال تعالى: "وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين* فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون" (الأنبياء، آيات: 11 ـ 13)، ومن سنة الله تعالى هلاك الأمة بفسق مترفيها قال تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" (الإسراء، آية: 16). وجاء في تفسيرها وإذا دنا وقت هلاكها أمرنا بالطاعة مترفيها: أي: متنعميها وجباريها وملوكها ففسقوا فيها، فحق عليها القول فأهلكناها، وإنما خص الله تعالى المترفين بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى الجميع، لأنهم أمة الفسق ورؤساء الضلال وما وقع من سوئهم، إنما وقع بإتباعهم وإغوائهم، فكان توجه الأمر إليهم آكد (132).
إن أمر بني أيوب مازال مستقيماً في عهد صلاح الدين حتى أفضي أمرهم إلى إبنائه، فوقع بعضهم في الترف وآثروا الشهوات، وأقبلوا على اللذات والدخول في المعاصي والتعرض لسخط الله، والشواهد عل ذلك كثيرة نذكر منها ما كان في عهد الملك الأفضل وفي عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب ما فعله أستاذ الدار وهو كبير أمناء الملك أو الرئيس والذي كان يجمع إلى منصبه إختصاصات الوزير وقاد الجيش في المعارك وفتح دمشق وكان متحللاً وعابثاً ومعتداً بقوته ومنصبه وتجرأ على منكر كبير، يخالف أحكام الدين ويسخر بالشرع ويسئ إلى مشاعر المسلمين، فبني فوق أحد مساجد القاهرة طبلخانة أي قاعدة لسماع الغناء والموسيقى، وقد تصدى لذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام كما بينا ذلك في الكتاب الذي قبل هذا، ومن صور الترف في عهد الدولة الأيوبية التوسع في
المآكل والمشارب وما يترتب على ذلك من آفات، وحب التكثر من المال والتوسع في الركوب وفي المسكن والملبس والنكاح لدى بعض أمراء وملوك البيت الأيوبي.

4 ـ تعطيل الخيار الثوري: ضرب الأيوبيون نظام الشورى في الحكم بالحائط ذلك النظام القائم عل حرية الانتخاب وحرية المعارضة والذي كانت القيادة الراشدة نفذته التزاماً بمعطيات القرآن والسنة في هذا المجال ولقد ولدت خطوة الأيوبيين هذه ردود أفعال خطيرة في الدولة الأيوبية، بل أصبح التسلط والغلبة هو الطريق للسلطة والحكم، فهذا الملك العادل بعد أن تغلب على بني أخيه قال لوزرائه ومعاونيه أنه قبيح بي أن أكون أتابكاً مع الشيخوخة والتقدم مع أن الملك ليس هو بالميراث وإنما هو لمن غلب ولقد كان يجب أن أكون بعد أخي السلطان الملك الناصر ـ رحمه الله ـ صاحب الأمر، غير أني تركت ذلك إكراماً لأخي ورعاية لحقه، فلما حصل من الاختلاف ما حصل خفت أن يخرج الملك من يدي، ويد أولاد أخي، فمشيت الأمر إلى آخره (133)، ثم أن الملك العادل ورَّث أبنائه من بعده وحدث قتال بينهم ورجع إلى نظام التوريث الذي كان له سلبيات خطيرة، ساهمت في سقوط الدولة الأيوبية منها:
ـ إن هذا النظام قد سيطرت فيه عاطفة الأبوة والأقرب نسباً وقوة العصبية على عملية التولية بصفة عامة، وقد أدى ذلك إلى الآتي:
- تقيد حق الأمة في إختيار سلطان بحصره في أسرة معينة.
- تقييد مبدأ الشورى بحصره في أهل عصبية وشوكة الأسرة الحاكمة.
- دفعت المفضول إلى تولي السلطنة مع وجود الأفضل، بل وبمن إفتقد بعض شروط السلطنة مع وجود المستجمعين لهذه الشروط وفقاً لما سلف ذكره.
- وضع الحكام موضع تهمة وشبهة، كما أشار الشك ـ عند بعض الناس ـ حول مشروعية البيعة بولاية العهد والبيعة للسلطان.
- أدى إلى ظهور العداوة والبغضاء بين البيت الأيوبي وذلك مما أدى في النهاية إلى ضمور قوتهم وزوال شوكتهم (134).
5 ـ الصراع الداخلي في الأسرة الأيوبية: إن سنة الله تعالى ماضية في الشعوب والأمم لا تتبدل ولا تتغير ولا تجامل، وجعل الله سبحانه وتعالى من أسباب هلاك الأمم وزوال الدول الاختلاف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا، وفي رواية ((فأهلكوا))، وعند ابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه: فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف (135)، إن من الدروس المهمة في هذه الدراسة التاريخية أن نتوقى الهلاك بتوقي أسباب الاختلاف المذموم، لأن الاختلاف كان سبباً من الأسباب في ضياع الدولة الأيوبية وهلاكها وإندثارها، وكان لهذا الاختلاف الذي وقع في البيت الأيوبي أسبابه منها: ضعف الوازع الديني عند بعض الأمراء الأيوبيين الأنانية وحب الذات والتكالب على المصالح الدنيوية والتناحر من أجلها والحرص على السلطة والجاه والمنصب وتحكيم بعض الأمراء الأيوبيين أهواءهم في الأمور، فهذه الأسباب كانت وقوداً للمنازعات والخلافات التي وقعت بين أفراد البيت الأيوبي، فكانت من أكبر معاول الهدم وأسباب الضعف وتلاشي الدولة، وقد إستقرأ هذه الحقيقة ابن خلدون، حيث ذكر أن من آثار الهرم في الدولة إنقسامها، وأن التنازع بين القرابة يقلص نطاقها، كما يؤدي إلى قسمتها ثم إضمحلالها (136)،
لقد بدأ الخلاف المؤثر في الأسرة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين وسرعان ما انغمس الأيوبيون في صراعاتهم الداخلية فلم يحترم الأخ أخيه والعم بني أخيه، واستغل الملك العادل الأيوبي الجهل والطيش الذي إتسم به أبناء صلاح الدين، إذ أنه إستخدم علاقاته القديمة ومكانته لتحقيق هزيمة سياسية وعسكرية لجيش الملك العزيز قبل أن يستل جندي واحد سيفه من غمده، إذ كانت المنافسة قائمة بين الأمراء الصلاحية ((أمراء صلاح الدين)) والأمراء الأسدية، أمراء أسد الدين شيركوه الذين ورثهم صلاح الدين في جيشه، ونجح العادل في الإيقاع بين الفريقين (137)، وقد وصف القاضي الفاضل الخلاف في البيت الأيوبي بقوله: أما هذا البيت فإن الآباء منه اتفقوا فملكوا وإن الأبناء منهم اختلفوا فهلكوا، وإذا غرب نجم فما الحيلة في تشريقه، وإذا بدأ تخريق في ثوب فما يليه إلا تمزيقه، وهيهات أن يسد على طريقه، وقد قدر طروقه، وإذا كان مع خصم على خصم فمن كان معه فمن
يطيقه (138)، واستمر الصراع في الأسرة الأيوبية بعد وفاة الملك العادل، حيث اشتد النزاع بين أولاده الملك المعظم والملك الكامل أبناء البيت الأيوبي.

6 ـ مولاة النصارى: من لوازم الإيمان الصحيح الولاء والبراء، فكانت الدولة في عصر صلاح الدين عاملة بقول الله تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير" (آل عمران، آية: 28). وقول الله تعالى: "يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارىأولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن لا يهدي القوم الظالمين" (المادة، آية: 51)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوثق عري الإيمان، الموالاة في الله، والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله (139)، أما في عصر الملك الكامل فضعف الولاء والبراء ويظهر ذلك في تسليم القدس للإمبراطور فريدريك الثاني على طبق من ذهب وبدون إراقة للدماء، وقد استعظم المسلمون ذلك وأكبروه ووجدوا له من الغم والهم والتألم ما لا يمكن وصفه وكان الملك الكامل لديه إستعداد للتحالف مع النصارى لقتال أخيه المعظم الذي تحالف مع الخوارزميين، كما أن الملك الصالح نجم الدين إسماعيل الذي دخل في صلح مع الصليبيين وسلّم لهم أحد الحصون وتصدى الشيخ عز الدين بن عبد السلام وابن الحاجب فاعتقلهما مدة ثم أطلقهما وألزمهما منازلهما وتحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين لقتال الملك الصالح نجم الدين أيوب في مقابل تسليم القدس وإعادة مملكة بيت المقدس الصليبية إلى ما كانت عليه قديماً بما فيها الأردن، ولكي يبرهن صاحب دمشق على صدق نيته تجاه الصليبيين بادر فوراً بتسليم القدس وطبرية وعسقلان، فضلاً عن قلعة الشقيف وأرنون وأعمالها، وقلعة صفد وبلادها ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالهم وجبل عاملة وسائر بلاد الساحل، وأمام هذا السخاء العجيب ثار الرأي العام الإسلامي في مصر والشام على الصالح إسماعيل، حتى إن حاميات بعض القلاع رفضت طاعة الأوامر الصادرة إليها من الصالح إسماعيل في تلك الأثناء أسرع الصليبيون إلى تسلم بيت المقدس وأعادوا تعمير قلعتي طبرية وعسقلان، ثم رابطوا بعد ذلك بين يافا

وعسقلان استعداداً للخطوة التالية وهنا وعدهم الصالح إسماعيل بأنه إذا ملك مصر أعطاهم جزءاً منها، فسال لعابهم لذلك، واتجهوا صوب غزة عازمين على غزو مصر (140)، وسار الصالح إسماعيل صاحب دمشق، والملك المنصور إبراهيم الأيوبي صاحب حمص على رأس جيوشهما في مهمة غزو مصر (141).
ولكن قادة القوات الشامية رفضوا طعن إخوانهم المصريين فما كانوا يلتقون بجيش الملك الصالح أيوب قرب غزة حتى تخلوا عن الصالح إسماعيل والمنصور إبراهيم وساقت عساكر الشام إلى عسكر مصر طائعة ومالوا جميعاً على الفرنج فهزموهم وأسروا منهم خلقاً لا يحصون (142)، وهكذا تحالف الملك الصالح إسماعيل مع الصليبيين وتنازل لهم على مدن المسلمين من أجل الحكم والسلطان، إن بعض ملوك بني أيوب أمنعوا في موالاة النصارى الصليبين وألقوا إليهم بالمودة وركنوا إليهم واتخذوهم بطانة من دون المؤمنين وعملوا على اضعاف عقيدة الولاء والبراء في الأمة وأصابوها وفقدت أبرز مقوماتها وسهل بعد ذلك زوالها من الوجود.

7 ـ فشل الأيوبيين في ايجاد تيار حضاري: حاول صلاح الدين بإيمان صادق وذكاء متميز حمل لواء المشروع الإسلامي الحضاري الذي تزعمه نور الدين محمود زنكي وحرص على الفتوحات العسكرية والدعوية، بحيث لاتطغى الأرض على الحضارة ولا الدولة على الدعوة، ولا تصبح اعتبارات السياسة أهم من مبادئ الدين وتقيد بالسياسة الشرعية، وعمل على ايجاد تيار حضاري عقدي يملأ أركان الحياة، ومهما يكن من أمر، فإن الدولة الأيوبية بعد صلاح الدين، لم تستوعب قانون الامتداد الحضاري، فبعد الامتداد والانتصارات كان عليها أن تمتد بالدعوة وتطور المدارس الإصلاحية حتى تواكب احتياجات العصر العلمية والتربوية والثقافية والحضارية إلا أن خلفاء صلاح الدين لم يستطيعوا أن يقدموا مشروعاً حضارياً يجدد حيوية الدولة ويرسم اهدافها ويدفعها بقوة نحوها، وإنما دخلوا في أنفاق مظلمة أنتهت بزوال دولتهم لقد فشل
ملوك بني أيوب بعد صلاح الدين في إيجاد تيار حضاري ولم يستطيعوا أن يحققوا التوازن بين الدولة والدعوة والأرض والعقيدة والسياسة والفكر، وكانت هذه رساله سامية تأخر فيها الأيوبيين وغلبتهم الظروف والتحديات فأصبحوا أمام قانون التاريخ الحضاري الذي لا يجامل ولا يحابي أما أن يتقدموا أو يزولوا من الوجود، فلا سكون في تاريخ البشرية.

8 ـ ضعف الحكومة المركزية: قسمّ صلاح الدين دولته إلى أقاليم إدارية يتمتع كل منها بإمكاناته الخاصة وطابعه المميز، مثل مصر والشام وشمالي العراق والنوبة والمغرب واليمن والحجاز وقضى أكثر سنين حكمه في ميادين القتال يمارس سياسة التخطيط والتنفيذ والإشراف وتوجيه سياسة الدولة العليا، ثم يترك حرية التنفيذ في الأمور المحلية في الاستعداد والدفاع للولاة وفقاً لظروف وإمكانات كل إقليم، وهو ما يُعبَّر عنه في مفهومنا الحديث (اللا مركزية الإدارية) (143). والحقيقة أن صلاح الدين لم يضع كافة السلطات في يده على الرغم من أنه كان الحاكم الذي يدير دفة الحكومة المركزية، والراجح أنه أدرك أن توزيع السلطات يجعل من كل سلطة رقيبة على السلطة الأخرى، وموازتة لها في ممارسة اختصاصاتها، كما أن تقسيم العمل بين عدة أشخاص أكفاء يحقق عدة مزايا تتعلق بإجادة العمل وسرعة انجازه (144)، وقد ارتبطت الدولة الأيوبية التي بناها صلاح الدين الأيوبي بصفاته وسجاياه وشخصيته الفذة، فحين توارت هذه الشخصية من على مسرح التاريخ في المنطقة حدث فراغ كبير أضرّ بالجانب الإسلامي وعاد بالفائدة على الجانب الصليببي إذ كانت شخصيته ومواهبه وأداؤه السياسي والعسكري هو الذي حفظ الدولة من التفكك، ولم تكن هناك مؤسسات تضمن استمرار بقاء هذه الدولة الكبرى من ناحية، كما أن صلاح الدين قسَّم دولته، كما يُقسمَّ الإرث، بين أبنائه وأخوته وبني عمومته على نحو ما كان مألوفاً هي تلك العصور وكان طبيعياً ان تعود المنطقة إلى الوراء مرة اخرى نتيجة المنازعات والتشرذم السياسي الناجم عن الخلاف بين ورثة صلاح الدين، لقد كان خليفة صلاح الدين في مصر ابنه أبو الفتوح عثمان وكان وقت وفاة أبيه مقيماً بالقاهرة، وعنده جُل العساكر والأمراء من الأسدية والصلاحية والأكراد (145)،
وتولى أخوه الأفضل نور
الدين على حكم دمشق، على حين تولى الملك العادل الكرك والشوبك وولي الظاهر غازي حكم بلاد الشام الشمالية وكانت حلب عاصمته وتولى بقية أجزاء الدولة غير المهمة أبناء عمومته، ففي حمص حكم أفراد من أسرة تقي الدين عمر بن شاهنشاه (146)، وهكذا تفككت عُرى الدولة الإقليمية الكبرى التي جاهدت ثلاثة أجيال في إقامتها بمنطقة العراق والشام ومصر، عماد الدين زنكي، نور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، لقد كان تقسيم الدولة على نحو، كتقسيم التركات الخاصة سبباً في انهيار الوحدة السياسية للمنطقة وإطالة عمر الكيان الصليبي من ناحية أخرى (147)، فتفتت دوله صلاح الدين، وضعفت الحكومة المركزية بعد وفاته، وقامت الحروب بين ملوك بني أيوب بدافع التملك والتوسع.

9 ـ ضعف النظام الاستخباراتي: كانت مؤسسة البريد والاستخبارات في عهد صلاح الدين قد اشتهرت بالتفوق الدائم على ما كان عند الصليبين واتصفت بالدقة والسرعة حتى أن أخبار العدو كانت تتواصل إليه ساعة فساعة، إلى الصبح، لا سيما في حصار عكا، وكانت استخباراته تضم بعضاً من الصليبين الذين استأمنهم السلطان في مناسبات مختلفة، وتكمن أهمية هؤلاء أنهم كانوا يعرفون لغة العدو، ولا يشك فيهم أنهم رجال صلاح الدين، بسبب من سحنتهم ومظرهم الخارجي، فكانوا يزودون الجيش الأيوبي بأخبار العدو التي يصعب عليها عن طريق رجال استخباراته المسلمين فذات مرة أخبروا صلاح الدين ما ينوي العدو القيام به من كبس العسكر الإسلامي ليلاً (148) ,
وأخبروه عن المنجنيق الصليبي الهائل الذي أنفقوا عليه ألفاً وخمسمائة ديناراً والذي أعدوه للهجوم على عكا وكذلك زودوا صلاح الدين بأخبار الحملة الألمانية، إلا أن بعد ذلك ضعف جهاز الاستخبارات، بل نجد أن الحملة الصليبية الخامسة تصل إلى دمياط ولم يعلم بها الملك العادل إلا بعد وصولها ولم تكن اختراقات الجهاز الإستخباراتي بعد صلاح الدين بالمستوى الذي كان عليه، فكان ضعف الجهاز الإستخباراتي للدولة الأيوبية بعد صلاح الدين من أسباب سقوطها.

10 ـ غياب العلماء الربانيين عن القرار السياسي: مع مجيء الملك الأفضل لحكم الدولة الأيوبية تغيرت بعض الوسائل الاستراتيجية التي كان يعتمد عليها صلاح الدين بعد الله تعالى في إدارة الحكم وحركة الجهاد وهي اعتماده على العلماء الربانيين فأبعد الملك الأفضل القاضي الفاضل وأقصى أمراء والده ومستشاريه، بتأثير الوزير ضياء الدين ابن الأثير أخو المؤرخ المشهور ابن الأثير على إدارة الدولة في عهد الملك الأفضل ولم يكن موفقاً أبداً بل جرّ البلاء والسخط والغضب والكراهية على الملك الأفضل وأصبح القاضي من بعد المبعدين عن القرار السياسي، وهو الذي قال فيه صلاح الدين: ما فتحت بلداً بسيفي ولكن بقلم القاضي الفاضل، ولم تكن مكانة العلماء والفقهاء بعد صلاح الدين بالمكانة التي كانوا عليها في عهد نور الدين وصلاح الدين، ولقد خسر الأيوبيون الكثير بإبعاد القاضي الفاضل ومن على شاكلته من دائرة القرار السياسي وقد قال ابو شامة عن القاضي الفاضل: كان ذا رأي سديد، وعقل رشيد ومعظماً عند السلطان صلاح الدين يأخذ برأيه ويستشيره في الملمات والسلطان له مطيع وما فتح السلطان الأقاليم إلا بأقليد آرائه وكان كتائبه كتائب النصر (149).
11 ـ وفاة الملك الصالح نجم الدين وعدم كفاءة وريثه: استطاع الملك الصالح نجم الدين أيوب، أن يدخل تشكيلات جديدة على القوة العسكرية التي كان يتكون منها جيش السلطان الأيوبي والتي ساهمت في تقوية الجيوش وانعكس ذلك على الدولة ومن أهم الإجراءات التي اتخذها الملك الصالح نجم الدين أيوب، اهتمامه الكبير بشراء المماليك والغلمان والأتراك بشكل لم يسبق له نظير في تاريخ السلطنة الأيوبية، فخلال مدة حكمه أضاف إلى الجيش في دفعة واحدة أكثر من ألف مملوكاً تركياً وعمل منهم جيشاً قوياً سانده في فرض إرادته على الأقاليم والقضاء على حركات التمرد الداخلية وكان ولاء المماليك للملك الصالح نجم الدين أيوب مطلقاً واستطاع إعادة هيبة الدولة الأيوبية من جديد ونجح إلى حد كبير في إعادة قوتها وسلطانها إلا أنه توفي أثناء الحملة الصليبية السابعة وكان عمره عند وفاته 44 سنة وعهد لولده المعظم تورانشاه وقامت شجرة الدر زوجة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ومن معها من الوزراء والأمراء
بتثبيت الملك المعظم تورانشاه إلا أنه لم يكن رجل المرحلة وفشل في التحديات التي كانت تفرضها الظروف التاريخية وبدلاً من تركيس جهوده لتوحيد المسلمين للقضاء على الخطر الصليبي تماماً بدأ يدبر للتخلص"من شجرة الدر" وكبار أمراء المماليك فاحتقر خصومه واستبد برأيه وابعد الأولياء ولم يلجأ إلى استخدام المال والسياسة في تفتيت خصومه وضعفت الشقة بينه وبين رجاله وفشل في كسب ولاء قادة الجيش فتم قتله وزالت الدولة الأيوبية بموته، هذه هي أهم الأسباب في زوال الدولة الأيوبية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الجزء: الأول      الثالث    الرابع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)    تاريخ الطبري، عصر الدولة الأموية نقلاً عن بيت المقدس د. النقر صـ47.
2)    تاريخ بيت المقدس في العصر المملوكي للدكتور النقر صـ47.
3)    تاريخ المغول والمماليك صـ61 ـ 62، تاريخ بيت المقدس صـ47.
4)    المصدر نفسه صـ61.
5)    تاريخ المقدس صـ47.
6)     قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام صـ12.
7)    تاريخ المغول والمماليك مجموعة من المؤلفين صـ62.
8)    كتاب الروضتين في أخبار الدولتين نقلاً عن تاريخ المغول والمماليك صـ62.
9)    الفخري في الآداب السلطانية لابن طباطبا صـ220.
10)                       تاريخ المغول والمناليك صـ62.
11)                       المواعظ والاعتبار للمقريزي نقلاً عن تاريخ بيت المقدس صـ84.
12)                       تاريخ إيران بعد الإسلام، عباس إقبال صـ97 ـ 167.
13)                       تاريخ بيت المقدس صـ48 ..
14)                       المصدر نفسه.
15)                       دولة آل سلجوق للأصفهاني صـ113، تاريخ المغول والترك صـ65.
16)                       دولة آل سلجوق صـ76، تاريخ المغول والترك صـ66.
17)                       تاريخ المغول والترك صـ66.
18)                       صبح الأعشى (4/ 18)، تاريخ المغول والترك صـ66 ..
19)                       أخبار الدولة السلجوقية صـ196، 197، تاريخ المغول صـ66.
20)                       تاريخ المغول والترك صـ66.
21)                       تاريخ بيت المقدس صـ49.
22)                       المصدر نفسه صـ49.
23)                       كتاب الروضتين (1/ 155)، تاريخ المغول والترك صـ68.
24)                       تاريخ المغول والترك صـ69 ..
25)                        الملك الصالح وإنجازاته السياسية والعسكرية صـ109.
26)                       الملك الصالح أيوب وإنجازاته السياسية والعسكرية صـ110.
27)                       المصدر نفسه صـ110 ..
28)                        المصدر نفسه صـ110.
29)                       الملك الصالح أيوب وإنجازاته السياسية والعسكرية صـ114.
30)                       في التاريخ الأيوبي والمملوكي، أحمد مختار صـ85.
31)                       الحملات الصليبية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة للصلابي صـ341.
32)                        في التاريخ الأيوبي والمملوكي صـ86.
33)                       المصدر نفسه صـ86.
34)                       المصدر نفسه صـ87.
35)                       قصة التتار من البداية إلى عين جالوت صـ214.
36)                        الحملات الصليبية للصلابي صـ338.
37)                       المصدر نفسه صـ340.
38)                       أباطيل يجب أن تمحى صـ339، خطط المقريزي (3 ـ 346).
39)                        منهج الرسول في غرس الروح الجهادية للدكتور سيد نوح صـ10 ـ 16.
40)                       منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في غرس الروح الجهادية صـ19 ـ 34.
41)                        منهج الرسول في غرس الروح الجهادية صـ37.
42)                       أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ صـ340.
43)                       الخطط (2/ 213 ـ 214)، في التاريخ الأيوبي والمملوكي صـ84.
44)                        مصر في عهد بناة القاهرة صـ 169 وما بعدها إبراهيم شعوط.
45)                       تاريخ الشعوب الإسلامية نقلاً عن أباطيل يجب أن تمحى صـ 341.
46)                       الخطط (3/ 348) دولة المماليك، سمير فراج صـ32.
47)                       دولة المماليك، سمير فراج صـ32.
48)                       المصدر نفسه صـ32
49)                       أي زميل الخدمة.
50)                       المصدر نفسه صـ33.
51)                       المصدر نفسه صـ33.
52)                       السلطان المظفر سيف الدين قطز صـ47، د. قاسم عبده.
53)                       الطباق: الثكنات العسكرية.
54)                       الخطط (2 ـ 213)، السلطان المظفر صـ47.
55)                        السلطان المظفر سيف الدين قطز صـ48.
56)                       المصدر نفسه صـ52.
57)                       المصدر نفسه صـ51.
58)                        أباطيل يجب أن تصحح صـ341.
59)                        صفحات مطوية من حياة سلطان العلماء صـ31 ..
60)                       المصدر نفسه.
61)                        العز بن عبد السلام صـ182 للزحيلي.
62)                       بيت المقدس والمسجد الأقصى صـ424 ـ 425.
63)                       المصدر نفسه صـ426.
64)                        الحملات الصليبية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة صـ353.
65)                       تاريخ الأيوبيين صـ85 ..
66)                       تاريخ الحروب الصليبية، محمود سعيد صـ312.
67)                       الحملات الصليبية الرابعة الخامسة، السادسة والسابعة صـ356.
68)                       الشرق الأدنى في العصور الوسطى الأيوبيون صـ150.
69)                       السلوك (1 ـ 448)، تاريخ الأيوبيين صـ386 ..
70)                       الحملات الصليبية للصلابي صـ356.
71)                       السلوك (1 ـ 449)، تاريخ الأيوبيين صـ387.
72)                       النجوم الزاهرة (6 ـ 364).
73)                       المصدر نفسه (6 ـ 364).
74)                       تاريخ الأيوبيين صـ 288 ..
75)                       النجوم الزاهرة (6 ـ 364)، تاريخ الايوبيين صـ 388.
76)                       نهاية الأرب في فنون الأدب (29/ 356).
77)                       السلوك (1/ 450) الحملات الصليبية للصَّلاَّبي صـ358.
78)                       الجواري والغلمان في مصر، نجوىكمال صـ403.
79)                       المصدر نفسه صـ404، كنز الدرر (7/ 376).
80)                       الجواري والغلمان في مصر صـ405 ـ 406.
81)                       مذكرات جوانفيل صـ157، 159 ـ 161.
82)                       تاريخ الأيوبيين صـ389، حملة لويس التاسع صـ206.
83)                       تاريخ الأيوبيين صـ389.
84)                       المصدر نفسه صـ389.
85)                       تاريخ الحروب الصليبية، محمود سعيد صـ315.
86)                       الحملات الصليبية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة صـ360.
87)                       الحروب الصليبية بين الشرق والغرب صـ371.
88)                       الحروب الصليبية بين الشرق والغرب صـ310.
89)                       الخطط (2 ـ 236)، النجوم الزاهرة (6 ـ 364).
90)                       في تاريخ الايوبيين والمماليك صـ 148.
91)                       الجواري والغلمان في مصر صـ 408.
92)                       السلوك نقلاً عن الجواري والغلمان صـ 409.
93)                       نهاية الارب (29 ـ 360)، الجواري والغلمان صـ 409.
94)                       كنز الدرر (7 ـ 381 ـ 382)، الجواري والغلمان صـ 409.
95)                        شفاء القلوب نقلاً عن الجواري والغلمان صـ 409.
96)                       الجواري والغلمان في مصر صـ 409.
97)                       السلوك نقلاً عن الجواري والغلمان صـ 410.
98)                       في تاريخ الأيوبيين والمماليك، قاسم عبده صـ 148.
99)                       نهاية الأرب (29 ـ 347)، الجواري والغلمان صـ 410.
100)                  الجواري والغلمان صـ 410.
101)                  المصدر نفسه صـ 411، نهاية الارب (29 ـ 350).
102)                  الكوس: من شعارات السلطنة والإمارة وهي صنوج من نحاس.
103)                  نهاية الارب (29 ـ 351)، الجواري والغلمان صـ 411.
104)                  الجواري والغلمان صـ 411 ..
105)                  مرآة الزمان نقلاً عن الجواري والغلمان صـ 413.
106)                  الجواري والغلمان صـ 414.
107)                  المصدر نفسه صـ 414.
108)                  المصدر نفسه صـ 414.
109)                  تاريخ الايوبيين صـ 390.
110)                  النجوم الزاهرة (6 ـ 371).
111)                  كتاب الروضتين نقلاً عن الدولة الأيوبية د. عكور صـ 262 ..
112)                  بدائع الزهور نقلاً عن الجواري والغلمان صـ 416.
113)                  المصدر نفسه صـ 416.
114)                  عجائب الآثار (1 ـ 51)، للجبرتي الجواري صـ416.
115)                  الدولة الأيوبية د. عكور صـ266.
116)                  الدولة العثمانية للصلابي صـ520، الدولة الأموية (2 ـ 568).
117)                   في التفسير الإسلامي للتاريخ نعمان السامرائي صـ88 ..
118)                   أيعيد التاريخ نفسه صـ134.
119)                   هكذا ظهر جيل صلاح الدين صـ 322.
120)                  هكذا ظهر جيل صلاح الدين صـ322.
121)                  المصدر نفسه صـ322.
122)                   الجبهة الإسلامية في مواجهة المخططات صـ395.
123)                  هكذا ظهر جيل صلاح الدين صـ323.
124)                  السنن الإلهية د. عبد الكريم زيدان صـ 121.
125)                   المصدر نفسه صـ 121.
126)                  الدولة الأموية للصلابي (2 ـ 571).
127)                  السنن الإلهية صـ 121.
128)                  تفسير الرازي (18 ـ 16).
129)                  تفسير القرطبي (9 ـ 114) ..
130)                   رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صـ 40.
131)                  السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد صـ 186.
132)                   تفسير الألوسي (15/ 42).
133)                  في التأصيل الإسلامي للتاريخ صـ60.
134)                   نظام الحكم في الإسلام صـ307.
135)                  صحيح البخاري بشرح العسقلاني (9/ 101،102).
136)                  الضعف المعنوي وأثره في سقوط الأمم صـ118 ..
137)                   في تاريخ الأيوبيين والمماليك قاسم عبده صـ82 ـ 83.
138)                  دور الفقهاء صـ174.
139)                   صحيح الجامع ..
140)                  النجوم الزاهرة (6/ 322) الدولة الأيوبية دعكور صـ233.
141)                  النجوم الزاهرة (1/ 305) الدولة الأيوبية صـ233.
142)                  السلوك (1/ 305) الدلوة الأيوبية صـ233.
143)                  تاريخ الأيوبيين طقوش صـ210.
144)                  المصدر نفسه صـ211.
145)                  السلوك (1/ 114) في تاريخ الأيوبيين والمماليك صـ80 ..
146)                  تاريخ مصر الإسلامية (2/ 96) جمال الشيال.
147)                  في تاريخ الأيوبيين والمماليك د. قاسم عبده صـ80.
148)                  صلاح الدين الأيوبي للصَّلاَّبي صـ381 ـ 382.
149)                   كتاب الروضتين (2/ 241).

1 التعليقات:

  1. يا ليت رجالنا كالأمير قطز
    شخصية تأثرت بها كثير منذ تعرفي عليها أيام الطفولة
    شكرا لك

    ردحذف

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates