آخر الإضافات

أخلاق المصريين (3).. حقيقة التدين

الحمد لله وحده ..و الصلاة و السلام على من لا نبى بعده،،،
ما هى حقيقة التدين؟
كان العرب أمة  بدائية ، صبغتهم البيئة بصبغتها القاسية، فلا عجب أن رأينا كثيرا منهم قساة القلوب، تماما كالجبال التى تكتنفهم ،و رأيناهم ظلمة يعدون ظلم الآخرين مفخرة يشدون بها فى شعر الفخر و العظمة ، يشيع فيهم الخمر و الميسر و الوثنية .. الخ ما تجسده الجاهلية فى أقبح صورها، ثم جاءهم-  من بينهم- من بعثه ربه رحمة للعالمين، فنزلت رسالته كالغيث على أرض أنهكها طول التعطش إلى الخير ، كانت تلك  القلوب على الفطرة تنتظر من يفتح مغاليقها فسرعان ما رأيناهؤلاء الرجال قد لانت منهم القلوب ، و تفجرت بين جوانبهم حلاوة الإيمان فأثمرت خشية حقة  لله جل و علا ، وورعا صادقا و استعدادا لبذل النفس و النفيس و الأهل و الولد فى سبيل هذا الدين الذى أكرمهم الله به.
هذا رستم القائد الفارسى لما رأى المسلمين يجتمعون للصلاة يقول : أكل عمر كبدى ، يعلم الكلاب الآداب.
وحتى رأينا من صور التدين الصادق ما هو مفخرة للبشرية كلها...صدقا فى الحديث و أمانة تامة فى التعامل، و كرما و صلة للأرحام ،و بذلا و إيثارا لإخوانهم على أنفسهم و هذا هو التدين الحقيقى الذى أراه غاب عن أذهان كثير منا فحصروه فى أداء العبادات دونما خشية حقيقية لله، وبلا انعكاس لهذا التدين على سلوك المسلمين.
هذا الدين الذى رسخ فى قلوبهم جعلهم يوقنون بما وعدوا به من الخلود فى جنات النعيم فنراهم يسارعون ببذل أنفسهم رخيصة فى سبيل الله ..أراد الصحابى الجليل عمرو بن الجموح الخروج إلى أحد- و كان أعرج-فمنعه أبناؤه ،وقالوا : قد عذرك الله فجاء إلى النبى صلى الله عليه و سلم و قال : إن بنى يريدون حبسى عن الخروج معك و إنى لأرجو أن أطأ بعرجتى فى الجنة فقال: ( أما أنت فقد عذرك الله ) ثم قال لبنيه ( لا عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة)فخلوا سبيله ، قالت امرأته كأنى أنظر إليه قد أخذ درقته و هو يقول : اللهم لا تردنى إلى خربى (منازل قومه) ، قال أبو طلحة : فنظرت إليه حين انكشف المسلمون ثم ثابوا و هو فى الرعيل الأول، لكأنى أنظر إلى ظلع فى رجله وهو يقول : أنا و الله مشتاق إلى الجنة ، ثم أنظر إلى ابنه خلاد يعدو فى أثره حتى قتلا جميعا ،و قد ورد أنه دفن عمرو بن الجموح و عبد الله بن عمر و أبو جابر فى قبر واحد فخرب السيل قبورهم فحفروا عنهم بعد ست و أربعين سنة فوجدوا  لم يتغيروا كأنهم  ماتوا بالأمس.
نعيش فى زمن  اندثر فيه الوعى بكل نواحيه ..أمية دينية .. غيبوبة عن الثقافة فى شتى مناحيها.. لا أستغرب مع هذا أن ينحصر فهمنا لحقيقة التدين فى إتقاننا للعبادات البدنية منها و المالية،ثم ينسى المرء دينه فيما وراء ذلك ، لا أتعجب أن  أرى أناسا من أشد الناس محافظة على الصلوات فى أوقاتها، يترك من أجلها عمله ربما ساعة كاملة ، و ربما كان صلى ما شاء الله من تطوع، و يصوم النوافل .. ثم ماذا إذا تراءت له الأهواء و المشتهيات نسى  أو تناسى دينه وورعه المغلوط .. و ما ذاك بالدين الحق ....
فسبح وصلّ وطف بمكة زائرا *** سبعين لا سبعا فلست بناسكِ
جهل الديانة من إذا عرضت له *** أطماعه لم يُلف بالمتماسكِ
إذا أردت أن تعرف حقيقة التدين فإليك ما كان عليه أصحاب محمد من التربية الحقة  الخالصة يقول الصحابى الجليل جندب بن عبد الله :
كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم و نحن فتيان حزاير(في قمة الفتوة)فتعلمنا الإيمان قبل القرآن ، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً ، تلكم يا إخوانى هى التربية التى ننشدها أن تعمر القلوب بالإيمان أولا ،و أن نخرج حب الدنيا منها بعدأن  تملكها و استعبدها فصارت الشهوات و الملذات هى المحرك الأول للإنسان ... ليس مهما إن كان من حل أو حرام.
نعم هذا هو الإسلام الذى تربى عليه القوم فلا عجب أن تأتى امرأة لقائد الأمة طوعا ليطهرها من الزنا،  وهى  تعلم أن عقوبتها الرمى بالحجارة حتى الموت.. امرأة رسخ الإيمان فى قلبها ، ولا عيب أن نخطىء بل العجب أن نتمادى فى الخطأ..الدين فى أبهى صوره والذى زكى الضمائر و طهر النفوس الحرة، تلك التربية لا تستطيع أعتى القوانين الأرضية أن  تمتلك قلوب البشر كما تملكتها تربية النبى الكريم لهذه الأمة.
لما شرعت أمريكا قانون تحريم الخمر عام 1930 و بموجبه حرم بيع الخمور و شراؤها و صنعها و تصديرها و استيرادها ،و مهدت الحكومة للقانون بدعاية بمبلغ 65 مليون دولار، و كتبت تسعة آلالف مليون صفحة فى مضار الخمر، و أنفق ما يقرب من 10 ملايين دولار لأجل تنفيذ القانون، و قتل فى سبيل تنفيذه مئتا ألف نفس و حبس مليون شخص، و غرم المخالفون له غرامات بلغت 4 ملايين دولار و صودرت أموال بسبب مخالفته قدرت بمليار دولار ، ثم قاموا بإلغاء القانون فى أواخر عام 1933 لما يئسوا منه ، و كان يكفى الإيمان الذى تخالط بشاشته القلوب فتسارع بتركها لله تعالى. لما نزلت آية تحريم الخمر سارع الصحابة بسكب الخمور حتى امتلأت بها طرقات المدينة.
قال أنس : كانت الكؤوس تدار على رأس أبى طلحة و أبى عبيدة و أبى دجانة و سهيل بن بيضاء و معاذ بن جبل إذ سمعنا أن الخمر قد حرمت، يقول : فما دخل علينا داخل و ما خرج منا خارج حتى كان منا من اغتسل و منا من توضأ و أصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد ، وفى رواية قلنا : انتهينا ربنا انتهينا أى لما سمعوا قول ربهم ( ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)
نريد الدين الذى يحجز الإنسان عن معاصى الله لا التدين الأجوف الشكلى فقط و الباطن خرب.....
و ما حسن الجسوم لهم بزين * إذا لم يزن حسن الجسوم عقول
الدين الذى يحجز الحاكم و المحكوم أن يمدوا أعينهم أو أيديهم إلى مال المسلمين ،
قال عبد الله بن عمر اشتريت إبلا و ارتجعتها إلى الحمى( أرسلها إلى منطقة مخصصة للرعى) فلما سمنت قدمت بها،  فدخل عمر السوق فرأى إبلا سمانا فقال لمن هذه؟ قالوا لعبد الله بن عمر فجعل يقول : يا عبد الله بخ بخ ( كلمة تعجب) ابن أمير المؤمنين ، قال فجئته أسعى فقلت مالك يا أمير المؤمنين؟ قال : ما هذه الإبل فقلت : إبل هزيلة اشتريتها  وبعثت بها إلى الحمى أبتغى ما يبتغى المسلمون ، فقال عمر : ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين .. اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين ، يا عبد الله اغد على رأس مالك و اجعل باقيه فى بيت مال المسلمين.
نفوس سمى بها الإسلام و عرفت حقيقة التدين، بأنه سمو بالنفس و مكارم أخلاق تجعل صاحبها آية ربانية ونفحة طيب فى تعامله مع الناس، أو ليس نبينا يقول ( الدين المعاملة) ما أجمعها من كلمة و أحكمها من موعظة ، أرى اليوم آلافا ممن يحفظون القرآن و يحكمون تجويده و أحكامه و هم أبعد الناس عن تعاليمه و أسسه ، قال ابن مسعود : إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن،  و سهل علينا العمل به و إن من بعدنا  يسهل عليهم حفظ القرآن و يصعب عليهم العمل به . الفقه فى الدين لا يدركه إلا القليلون ، ومن أوتى فقها لم يؤت حسن الأسلوب فى الدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة،أتعجب ممن يتصدر للدعوة إلى الله و ليس لديه من فقه الدعوة لا قليل و لا كثير و لا هو على دراية بنفسية من يخاطبهم.
وأرى الآلاف ممن يرتدين النقاب - و هو بين الوجوب و الاستحباب و إن كنت أميل إلى القول الذى يوجبه- أرى منهن من ختمت القرآن تظن نفسها بذلك قد بلغت الغاية التى ما بعدها غاية ،و إنما حفظها لحروفه و هى مضيعة لتعاليمه و حدوده، لم تفقه فى دينها حكما ، وربما جمعت بين صلاتين و هو من الكبائر و ربما كانت مدمنة للغيبةو النميمة  و هى لا تدرك أنها من عظائم الذنوب ، لا أقول إن هذه المظاهر ليست من الدين بل لا نملك إلا أن نسلم دائما لأوامر الله ورسوله ( يا أيها الذين آمنوا  ادخلوا فى السلم كافة )أى اتبعوا كل ما يأمركم به إسلامكم و لكن نريد تدينا ينأى بصاحبه عن محرمات الله و يضرب أروع الأمثلة فى التعامل مع عباد الله مسلمين و غير مسلمين ، أسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينه ردا جميلا و أن يعلمنا ما ينفعنا و أن ينفعنا بما علمنا ، اللهم اهدنا و اهد بناو اجعلنا سببا لمن اهتدى.

أخلاق المصرين(2).. أين فضيلة الإيثار؟

ولا يزال الحديث موصولا عن أحوال هذا الوطن الغالى ، و العجب من هذه المطالب التى لا تنتهى من كل فئة من فئات الشعب كل حسبما يهوى و يشاء،  تقطع الطرق الرئيسة  لأتفه سبب، ربما لتأخر بعض المستحقات المالية التافهة، و ما كان شعبنا يملك الجرأة ليطالب أصلا، فكأنى بنا و نحن حديثو عهد بالحرية لا مناص لنا من إساءة استخدامها ،ملايين الرصاصات بملايين الجنيهات  نسمعها يطلقها أهلنا  فىصعيد مصر ربما بدون داع و ربما أخذا بثأر مرت عليه عشرات السنين، ما بال الدنيا تتقدم نحو النانو تكنولوجىو إبداعات استخدام الخلايا الجذعية  و أعاجيب الهندسة الوراثية و رقائق السيلكون متناهية الصغر التى تحوى ملايين المعلومات، ما بال الأمم تنهض و نحن نتقهقر مئات السنين؟!!!!

ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله** و أخو الجهالة فى الشقاوة ينعم
كنت أتمنى أن تظهر روح التكاتف التى اعتدناها من أهلنا فى هذه الأزمة فنرى من أثرياء مصر من يساهم فى تسديد ديونها الخارجية و الداخلية ( و التى تعدت وحدها تريليون جنيها)و نرى المآثر التى اعتدناها من أهل مصر الطيبين،كنا نتمنى أن نسمع من يقول : خذوا من رواتبنا و لنضح جميعا لإنقاذ الوطن الغالى لنتجنب قليلا ملذات الحياة حتى تنهض مصرنا من كبوتها....
فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة** و إلا فإنى لا أخالك ناجيا
 علمنا  نبينا الكريم  و سلفنا الصالح أن نفضل مصلحة الكل على المصلحة الشخصية، و هذا هو الإيثار ، كلنا يعلم أن المواقف هى التى تظهر معادن الرجال ، فأين يا أبناء وطنى نخوتكم و شهامتكم المعهودة منكم؟!!
اقرأمعى هذه القصة العجيبة لمن أراد الإخلاص لدينه وآثر أن يبقى مجهولا رغم أنه صاحب فضل على أمته بأسرها، يصدق فيه قول نبينا الكريم -صلى الله عليه و سلم-(طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ،وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له ،وإن شفع لم يشفع ) رواه البخارى. 

فقد روى أن مسلمة بن عبد الملك- القائد الأموى-  كان يحاصر حصنا  استعصى عليه ،  فتقدم رجل ملثم (مخفيا وجهه) و أحدث فى الحصن نقبا  استطاع    المحاصرون  من   المسلمين أن يستولواعليه بسبب هذا النقب ،
ففرح مسلمة ونادى  :أين صاحب النقب؟ فلم يأته أحد ،فنادى مرة أخرى
:إنى أمرت حاجبى بإدخاله على  ساعة يأتى فعزمت  عليه إلا جاء ، فجاء رجل إلى الحاجب
 و قال :استأذن لى على الأمير ، فقال له الحاجب أأنت صاحب النقب ؟ قال: أنا أدلكم عليه . فدخل على الأمير فلما مثل بين يديه قال له : أيها الأمير إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثا : ألا تبعثوا باسمه فى صحيفة إلى الخليفة ، و ألا تأمروا له بشىء ، و ألا تسألوه من هو؟ قال مسلمة : فله ذلك . فقال الرجل فى استحياء : أنا صاحب النقب ثم ولى مسرعا، فاندس وسط الجنود ، فكان مسلمة لا يصلى صلاة بعدها إلا دعا فيها : اللهم  اجعلنى مع صاحب النقب يوم القيامة. 

هم الرجال و غبن أن يقال لمن** لم يتصف بمعالى وصفهم رجل
و هذا الصحابى الجليل سعد بن الربيع (الأنصارى) يعرض على أخيه المهاجر عبد الرحمن بن عوف أن يعطيه نصف ماله و أن يختار من يهوى من زوجتيه فيطلقها له فيأبى ذلك الصحابى الجليل،
فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: «لما قدمنا المدينة آخى رسول الله  بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا فأُقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتيَّ هويت نزلت لك عنها، فإذا حلَّت تزوجتَها. قال: فقال عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك...» [أخرجه البخاري ومسلم].
 نبكي على أمةٍ ماتت عزائِمها**  وفوق أشلائها تَساقَطُ العِللُ 
 هَل يَنفَعُ الدَّمعُ بعد اليومِ في وطنٍ** مِن حُرقةِ الدمعِ ما عادت له مقلُ 
 أرضٌ توارت وأمجاد لنا اندثرت** وأنجمٌ عن سماء العمرِ ترتحلُ
لم يبق شىء لنا من بعد ما  غربت**شمس الرجال تساوى اللص و البطل
 لم يبقَ شيءٌ لنا من بعدِ ما سقطت** كل القلاع تساوى السَّفحُ والجبلُ 
(من قصيدة للشاعر الكبير فاروق جويدة)
الله إنا نسألك رحمة من عندك تهدى بها ضالنا، و تسلل بها سخيمة قلوبنا ،و نسألك أن ترينا  يوم عز لهذه الأمة بأعييننا، و ما ذلك على الله بعزيز، اللهم زينا بزينة الإيمان و اجعلنا هداة مهتدين.

اقرأ كتاب : السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت ((الجزء الثاني))

" اقرأ  كتاب " صفحة جديدة من صفحات واحة أفكاري نقدم لكم من خلالها كتاب من اختيارنا علي أمل أن تشاركونا قراءته .
ونقدم لكم في أولي موضوعاتها

الجزء الثاني من كتاب
السلطان سيف الدين قطز
ومعركة عين جالوت
في
عهد المماليك

علي محمد محمد الصَّلاَّبِّي



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتاب
السلطان سيف الدين قطز
ومعركة عين جالوت
في
عهد المماليك


علي محمد محمد الصَّلاَّبِّي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول:
قيام دولة المماليك
المبحث الأول:
أصول المماليك ونشأتهم:

أخلاق المصريين إلى أين (1)


 رأينا من جميل أخلاق المصريين، أثناء ثورتنا المباركة و بعدها ،ما بلغ فى نظر العالم شأوا بالغا فى تفانيهم و إخلاصهم لبلدهم و  لمبادىء ثورتهم. رأينا البذل و الإيثار ، و التضحية ومكارم الأخلاق التى  ليست جديدة على هذا الشعب الطيب، ثم لم تلبث تلكم الصورة الجميلة أن لطختها أيدى الأشقياء الذين لايريدون الخير لهذا البلد العظيم ،و الذى كانت ثورته و لاتزال محط أنظار العالم واهتمامه؛ فلمصر أهمية لا تخفى، فهى قائدة الأمة العربية و الاسلامية ، انظر ما قال عنها العلامة / جمال حمدان
هى فى الصحراء و ليست  منها ، إنها واحة ضد صحراوية بل ليست بواحة و إنما شبه واحة هى.
فرعونية هى بالجد ، ولكنها عربية بالأب .. وهى بجسمها النحيل تبدو مخلوقا أقل من قوى، و لكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا أكثر من ضخم . و هى بموقعها على خط التقسيم التاريخى بين الشرق و الغرب تقع فى الأول و لكنها تواجه الثانى و تكاد تراه عبر المتوسط كما تمد يدا نحو الشمال و أخرى نحو الجنوب ، و هى توشك بعد هذا كله أن تكون مركزا مشتركا لثلاث دوائر مختلفة بحيث صارت مجمعا لعوالم شتى ، فهى قلب العالم العربى وواسطة العالم الإسلامى و حجر الزاوية فى العالم الإفريقى.
فأين ذهبت أخلاقنا المعهودة فلم نعد نرى ونسمع سوى البذىء من القول و لم يكن نبينا فاحشا ولا بذيئا فهو القائل  (ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش و لابذىء)
وعن  الْبَرَاءُ  أنه قال: { كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أحسن الناس وجها وَأحسنهم خلقا}  .رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. و سأحاول بعون الله و توفيقه أن ألقى الضوء على بعض تلك السلوكيات و الأخلاقيات التى تدهورت ،لعل الله تعالى أن يرزقنا جميعاالإخلاص فى القول و العمل .
داء حب الظهور
نعم صار حب الظهور داءا مستوطنا بينا ، وليس المهم من يرفع الراية ، و لكن الأهم أن ترفع الراية ،ليس من الضرورى أن يقول فلان الحق بل المهم أن يقال الحق ليس مهما أن يقال على كتف فلان نهضت مصر، بل الأهم أن نبهر العالم بتبوأ مصر مكانتها السامية كعهدنا بها رائدة الحضارات، و ولادة العبقريات فى شتى المجالات  .متى كانت الأمم تبنى و تنهض بالكلام المزخرف و الحديث المنمق؟! بل على أكتاف المخلصين تشيد الحضارات ، طلب عمرو بن العاص المدد من عمر بن الخطاب فى فتح مصر فكتب إليه عمر : أما بعد فإنى أمددتتك بأربعة الآلاف رجل على كل ألف رجل منهم مقام الألف : الزبير بن العوام و المقداد بن عمرو و عبادة بن الصامت و مسلمة بن خالد.
للأسف هذا هو الزمان الذى ينطق فيه الرويبضة (التافه) و يتفلسف فيه من شاء أن يتعالم أو ينظر للأمة و يحدد لها مسارها ،الذى يجب من وجهة نظره أن تسير على دربه، و تتبع طريقته،و بعضهم  يصح أن يقال عنه (أبو شبر)قالوا قديما : العلم ثلاثة أشبار : من دخل فى الشبر الأول تكبر ومن دخل فى الشبر الثانى تواضع، ومن دخل فى الشبر الثالث علم أنه ما يعلم( أى أيقن بمدى ما كان فيه من ضحالة العلم) فإياك أن تكون أبا شبر.و قال الشافعى:
كلما أدبنى الدهر ***      أرانى ضعف عقلى 
و إذا ما ازددت علما ***  زادنى علما بجهلى
فما ذاق صاحبنا مرارة الكد فى طلب العلم وما  جلس صاحبنا عشرين أو ثلاثين عاما منكبا على كتب العلم أو السياسة حتى يصير من فلاسفة الأمة ، هذا الأديب توفيق الحكيم سأله أحد الناشئين : كيف أكون مثلك؟ فقال:إذاظللت تقرأثلاثين عاما فى كل يوم سبع ساعات أو ثمانى ساعات ، وهذا شهيد القرن الماضى سيد قطب لم يبدأ الكتابة إلا فى الأربعين رغم كونه أديبا نابها منذ صباه لأنه كان يراها سن النضج و تلافى أخطاء مرحلة الشباب،و هذا الإمام مالك يقول:ما أفتيت حتى شهد لى سبعون أنى أهل لذلك.
الكل يريد أن يظهر هو و أن يمجد هو أو حزبه هو دون الآخرين ،و إنما يكون الاختلاف محمودا إذا كان اختلاف تنوع ، يسعى فيه الكل لخدمة الوطن و الهوية الإسلامية دون انتظار للثناء أو التمجيدفهذا ينافى الإخلاص و يدخل فى باب الرياء و حب الشهرة فهم كما قال القائل:
لا يدفعون لأجل الخير خردلة   **    إلا إذا قيل قبل الدفع قد دفعوا
و إنما يجوز للمرء إظهار العمل الصالح  فى حالة كونه لايستطيع إخفاءه ، أو يكون إظهاره لذلك العمل من باب حض الآخرين و تشجيعهم ليصنعوا مثل صنيعه. قال بعض التابعين : صحبت أقواما فما رأيت  أحدهم يظهر عملا هو قادر على إخفائه. ، وقيل لبعض الصالحين : أى الأعمال أشق على النفس؟ قال: الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب.


وقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمًا لِقَوْمِهِ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ , لَيْسَ فِيَّ فَضْلٌ عَلَيْكُمْ , 
وَلَكِنِّي أَبْسُطُ لَكُمْ وَجْهِي ، وَأَبْذُلُ لَكُمْ مَالِي , وَأَقْضِي حُقُوقَكُمْ ، وَأَحُوطُ حَرِيمَكُمْ ، فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِي فَهُوَ مِثْلِي ، وَمَنْ زَادَ عَلَيَّ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمَنْ زِدْت عَلَيْهِ فَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ .
قِيلَ لَهُ: مَا يَدْعُوك إلَى هَذَا الْكَلامِ ؟ قَالَ أَحُضُّهُمْ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ .
أين يا إخوان إخلاصكم لدينكم و لبلدكم الغالى ...حينما قتل بعض المسلمين شهداء فى قندهار سأل سينا عمر أصحابه : من القتلى؟ فذكروا له الأسماء ،فلان و فلان و أناس لاتعرفهم ، فدمعت عينا عمر و قال : و لكن الله يعلمهم.!!
و هذا  سيدنا عمر أيضا يصور لنا صورة بعض أدعياء العلم و كل بضاعتهم هى تنميق الألفاظ : أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم  قالوا : و كيف يكون منافقا عليما؟! قال : عليم اللسان ، جاهل القلب.
و هذه الصورة نراها اليوم كثيرا فيمن يرون أنههم صفوة من أنجبت مصر،و خلاصة عباقرة الأمة ممن يسمون أنفسهم أهل الليبرالية و العلمانية و اليسارية - دون أن نسمى أحدا-وكلها مسميات براقة مستوردة دخيلة على موروثات الأمة المسلمة التى علمت العالم معنى الحضارة، لكنه اللهاث وراء كل مستورد، على الرغم من أن الله تعالى أكرمنا بأكرم  حكم  و أتقن  تشريع(ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)  يقول الأستاذ أنور الجندى:أعظم معطيات الإسلام : الحكومة المدنية فلا يعترف الإسلام بما يسمى الحكومة الثيوقراطية التى عرفتهاأوربا فى العصور الوسطى ، وليس للإسلام رجال دين و لكن علماء دين يوجهون و ينصحون دون أن يتولوا مناصب الحكم كما رفض الإسلام الدولة العلمانية الوضعية و النموذج الثقافى الغربى باعتباره لا يعبر عن قيم الأمة الإ سلامية .و ملحوظة بسيطة على غالبية المتكلمين من المصريين-إلا من رحم الله-أنهم يخطئون كثيرا فى تشكيل اللغة العربية،و هذا عيب كبير و عار أى عار على مصر، منجبة العقاد و المازنى و الرافعى -هذا إن كان شبابنا قد قرأ لهؤلاء الأفذاذ أو حتى حفظ أسماءهم- فمن الذى أعطى هؤلاء الحق فى أن يتكلموا باسم الكل ،مدعين أن الأغلبية الصامتة التى خدعوها باسم  العودة لشرع الله  لاتدرك أين تكون مصلحتها فهم فقط أهل الحل والعقد.!!
يقولون هذا عندنا غير جائز *** ومن أنتم حتى يكون لكم عند
هذا السيد نجيب ساويرس فى حديثه لقناة كندية يسخر من الشريعة و ممن ينادون بها-و ما يقوله لنا بالعربية غير ما يقوله للغرب بالإنجليزية-و ما كنت أحب أن أفرق بين أبناء الوطن الواحد ولكن (مكره أخوك لا بطل).
كان أحد أعضاء مجلس نقابة المحامين قد تقدم ببلاغ للنائب العام اتهم فيه ساويرس بازدراء الشريعة الإسلامية فى حديث لقناة كندية و إثارته للنعرات الطائفية بقوله : ماذا سيفعل النصارى المساكين إنهم ليسوا أقلية صغيرة فعددهم 12 مليونا إلى أين سيخرجون؟ حتى كنا لا تستوعب 12 مليون مصرى ثم خيل له تفكيره أن يتحدى هؤلاء المطالبين بالشرع قائلا إنه سيخرج للشارع هو و ابنه و مجموعة من أصدقائه سكارى، ثم ادعى على الإخوان أنهم يتلقون مالا من قطر و وصل به التمادى فى غيه أن طلب تدخل الغرب  قائلا : لا تتركونا ضحايا فى معركة غير عادلة.
 و لو أنصف لقال فى حق الإسلام و المسلمين كلمة حق مثلما قال البابا شنودة
 فى حديث له فى السبعينات أمام الرئيس السادات مشيدا بسماحة الإسلام و المسلمين، قال: أريد أن أذكر أن الإسلام  فى جوهره و فى روحه و فى أساسه يعامل غير المسلمين معاملة طيبة ، نذكر من هذا الميثاق الذى أعطى لنصارى نجران ، و الميثاق الذى أعطى لقبيلة تغلب و الوصية التى قدمها الخليفة الإمام عمر بن الخطاب قبل موته ووصية الخليفة أبى بكر الصديق لأسامة بن زيد ، والميثاق الذى أعطاه خالد بن الوليد لأهل دمشق ، و الميثاق الذى أعطاه  عمرو بن العاص لأقباط مصر.. إلى أن قال و أذكرأن عمرو بن العاص عندما أتى إلى مصر كان بطريرك مصر البابا بنيامين مختفيا فى أرجاء مصر من إخوته المسيحيين المختلفين عنه فى الإيمان ثلاثة عشر عاما، لم يجلس فيها على كرسيه، فلما أتى عمرو أمنه على نفسه و على كنائسه و الكنائس التى أخذها منه الروم و أرجعها إليه عمرو بن العاص، بل ساعده أيضا فى بناء كنيسة الإسكندرية.
 كلى ثقة أن مصر ولادة العباقرة ، معلمة الدنيا قادرة بإذن الله تعالى على تخطى هذه الفترة العصيبة من تاريخها،لتعود من جديد لمكانتها السامقة ، شريطة أن ننسى ما دب فينا من خلافات و نزاعات، مسلمين و أقباط، جاعلين من خدمة هذه الأمة وخدمة دينها و هويتها  و موروثاتها هو هدفنا الأسمى ،لتسمو بإخلاصنا وتوحدنا بلدنا الآمنة المباركة. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك ،و يذل فيه أهل معصيتك ، و يعم فيه شرعك الحكيم.
 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates