الملحمة النونية2


ما خُنتُ ديني أو حماي ولم أكن = يومًا على حرماته بضنينِ
فليسألوا عني القناة ويسألوا = عني اليهود فطالما خبروني
سحقًا لجزارين كم ذبحوا فتى= مستهترين كأنه ابن لبونِ
فإذا قضى ذهبوا بجثته إلى = تل المقطم وهو غير بطينِ
لفوه في ثوب الدجى وتسللوا = سارين بين مَغاورٍ وحزونِ
واروه ثم محوا معالم رمسه = فغدا كسرٍّ في الثرى مكنونِ
أخفوه عن عين الأنام وما دروا = أن الإله يحوطهم بعيونِ
والليل يشهد والكواكب والثرى = وكفى بهم شهداء يوم الدينِ
قالوا: محاكمة، فقلت: رواية = أعطوا لمخرجها وسام فنونِ
هي شر مهزلة ومأساة معًا = قد أضحكتني مثل ما تبكيني
أَوَعَتْ سجلات القضاء قضية = كقضية الإخوان؟أين؟ أروني
الخَصم فيها مدَّعٍ ومحققٌ = وهو الذي يقضي بلا قانونِ
إلا هواه وما يدور برأسه = من خلط سكير ورأي أفينِ
أرأيت محكمة ترأَّسَها امرؤٌ= يدعوه مَن عرفوه بالمجنونِ؟
أرأيتَ أحرارًا رَمَوْا بهمو لدى = قاضٍ عديمٌ دينُه مأبونِ؟
أرأيتَ إنسانًا يُدان لقوله: = الله ربي، والحنيفة ديني
أو قال: يا قومِ ارجعوا لكتابكم = طوقِ النجاة لكم بكل يقينِ؟
يا سوء حظ فتى رأوا بسجله = شرف الجهاد لعصبة الصهيونِ
أو كان يومًا في كتيبة فتية = شهرت بنادقها على السكسونِ
أو كان حافظ آل عمران فقد = ظفروا ببرهان عليه مبينِ
هذي الجرائم عند محكمة الردى = هي غرة تزهو بأي جبينِ
والويل لامرئ استباح لنفسه = إظهار تعذيب ودفع ظنونِ
سيعود للحربي يأخذ حظه = وجزاءه الأوفى من البسيوني
أنا إن نسيت فلست أنسى ليلة = في ساحة الحربي ذات شجونِ
عُدنا المساءَ مِن المحاكمة التي = كانت فصول فكاهة ومجونِ
ما كاد يعرونا الكَرَى حتى دعا = داعي الردى و كفاك صوت أمينِ
فتجمع الإخوان ممن حوكموا = ذا اليوم من طنطا إلى بسيونِ
أين الأولى سيحاكمون فأحضروا = ليروا يقينا ليس بالمظنون
حشد الجنود وصفَّها بمهارة = وكأنه عمرو بأجنادينِ
وأحاطنا ببنادق ومدافع = فغرت لنا فاها كَفِي التنينِ
طابور "تكدير" ثقيل مرهق = في وقت أحلام وآن سكونِ
نعدو كما تعدو الظباء يسوقنا = لهب السياط شكت من التسخينِ
ومضت علينا ساعتان وكلنا = عرق تصبب مثل فيض عيونِ
من خر إغماءً يفق عجلًا على = ضربات صوت للعذاب مهينِ
ومن ارتمى في الأرض من شيخوخة = أو علة داسوه دوس الطينِ
لم يكفِ حمزة كل ما نُؤْنا به = من فرط إعياء ومن توهينِ
فأتى يوزع بالمفرَّق دفعه= بالسوط من عشرين للخمسينِ
كل ينال نصيبه بنزاهة = في العد والإتقان والتحسينِ
وإذا نسيت فلست أنسى خطبة = ما زال صوت خطيبها يشجيني
فلم يترك لفرعون ولا قارونِ = إذ قال حمزة وهو منتفخ
أين الألى اصطنعوا البطولة وادّعوا = أني أعذبهم هنا بسجون

أظننتمو هذا يخفف عنكمو = كلا، فأمركم انتهى، وسلوني
أم تحسبون كلام ألف منكمو = عنكم وعن تعذيبكم يثنيني؟!
إني هنا القانون، أعلى سلطة = من ذا يحاسب سلطة القانون؟!
متفرد في الحكم دون معقب = من ذا يخالفني ومن يعصيني؟!
فإذا أردتُ وهبتُكم حرية = أو شئتُ ذقتم من عذابي الهونِ
من منكمو سامحتُه فبرحمتي = وإذا أبيتُ فذاك طوع يميني
ومن ابتغى موتًا فها عندي له = موت بلا غسل ولا تكفينِ!
يا فارسَ الوادي وقائدَ سجنِه = أبنو الكنانة أم بنو صهيون؟!
هلا ذهبتَ إلى الحدودِ حميتَها = وأريتَنا أفكار نابليون؟!
اذهبْ لغزة يا هُمام وأنسنا = بجهادك الدامي صلاح الدين!
أفعندنا كبش النِّطاح.. ونعجة = في الحرب جماءٌ بغير قرون؟!
أعرفت ما قاسيت في زنزانة = كانت هي القبر الذي يئويني؟!
لا بل ظلمتُ القبر، فهو لذي التُّقى = روض، وتلك جحيم أهل الدينِ!
هي في الشتاء وبرده ثلاجة = هي في هجير الصيف مثل أتونِ
نُلقى ثمانيةً بها أو سبعة = متداخلين كعلبة السردينِ
هي منتدانا وهي غرفة نومنا = وهي البوفيه وحجرة الصالونِ
هي مسجد لصلاتنا ودعائنا = هي ساحة للعب والتمرينِ
وهي الكنيف وللضرورة حكمها = ما الذنب إلا ذنب من سجنوني
هي كل ما لي في الحياة فلم يعد = في الكون ما أرجوه أو يرجوني
الأرض كل الأرض عندي أرضها = أما السماء فسقفها يعلوني
فيها انقطعتُ عن الوجود فلم أعد = أعنيه في شيء ولا يعنيني
لا أعرف الأنباء عن دنيا الورى = إلا من الأحلام لو تأتيني!
يبكي الأقارب غيبة حسبوا لها = شهرين فامتدت إلى عشرينِ
ولَكَمْ وَفَيٌّ زار أهلي سائلًا = عني برفق علهم عرفوني!
والأهل لا يدرون: هل أنا ميت = فقدوه أم حي فيرتقبوني!
كم شاعر فقد الرجاء بعودتي= فأعد فيّ قصيدة التأبينِ
هذا نصيبي يا أخي من ثورة = قد كنت أحسبها أتتْ تحميني
حظي بها زنزانة صخرية = سوداء مثل قلوب من أسروني
كم من ليالٍ بتُّها أشكو الطوى = والبرد، لكن أين من يُشكيني؟
هم كدروني لا طعام أذوقه = لاشيء من برد الشتاء يقيني
فإذا انقضى التكدير جاء طعامهم = دكنًا كأفكار الألى اعتقلوني
ضرب من التعذيب إلا أنه =لابد منه لسد جوع بطونِ
ففطورنا عدس مزين بالحصى = إن الحصى فرضٌ على التعيينِ
قد عِفتُه حتى اسمه وحروفه = من عينه أو داله والسِّينِ!
وغداؤنا فاصوليةٌ ضاقتْ بها = نفسي فرؤية ُصَحْنِها تؤذيني
وعشاؤنا شيء يحيرك اسمه = فكأنما صنعوه من غسلينِ
لا طعم فيه ولا غذاء وإنما = يحلو لنا من قلة التموينِ
طبق يُكال لسبعة أو نصفه = وعليَّ أن أرضى وقد ظلموني
لو أن لي في جوفها حرية = لرضيت.. لكن أين ما يرضيني؟
من أجل ضبط وُرَيقة أو إبرة = ولغير شيء..طالما استاقوني
وتجمعوا حولي ضواري هَمُّها = نهشي .. وما لي حيلة تنجيني
إن نمت توقظني السياط سريعة = فالنوم ليس يباح للمسجونِ
وإذا تحدثنا لنذهب بالكرى= حظروا الحديث عليَّ كالأفيونِ!
وإذا شَغلنا بالقراءة وقتنا = أخذوا جميع الكتب للتخزينِ !
وإذا تلونا في المصاحف حرموا = حمل المصاحف وهي خير قرينِ
وإذا تسلينا بصنع مسابح = جمعوا المسابح من نوى الزيتونِ
هذي سياستهم وتلك عقولهم: = عيشوا بغير تحرك وسكونِ!
إياكمو أن تشتكوا أو تتألموا = موتوا بغير توجع وأنينِ!
يا ويل من قد مسه لهب الظما = فدعا بلطف للجنود:اسقوني
فهناك يُسقى المر من أيديهمو = كم كل مسعور عليك حرونِ
فالسوط حلال المشاكل، لم يضق = يومًا بطول مآرب وشئونِ
من راح يشكو الجوع فهو غذاؤه = ومن ابتغى رِيًّا فأيُّ مَعينِ!
ومن اشتكى الإسهال يجلد عشرة = هي وصفة الثوار للمبطونِ
ومن اشتكى وجع الصداع فمثلها = أو ضعفها بمكان الاسبرينِ
ومن اشتكى من سكِّر فبنحوها = يجد العليل أعزَّ أنسولينِ
هذا اكتشاف الثورة الفذ الذي = فخرت به مصر على برلينِ!
يا عصبة الباستيل دونكمو، فلن = آسى على الإغلاق والتأمينِ
سدوا عليَّ الباب كي أخلو إلى = كتبي، فلي في الكتب خير خَدينِ
وخذوا الكتاب، فإنَّ أنسي مصحفٌ = أتلوه بالترتيل والتلحينِ
وخذوا المصاحف، إنَّ بين جوانحي = قلبًا بنور يقينه يهديني

1 التعليقات:

  1. استاذي الكريم مصطفي صلاح ثابت
    لك كل الشكر والتقدير علي مجهوداتك الرائعة
    التي تبذلها لنشر العلم ورفع مكانة العلماء
    اشكرك علي مجهودك العظيم في التدوين طوال الفترة السابقة

    جعلك الله دائما منارة للعلم ونفعنا بك وبعلمك واسكننا وإياك الفردوس الاعلي .

    ردحذف

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates