وبشر الصابرين 2

بسم الله الرحمن الرحيم


بقلم الاستاذ: مصطفي صلاح ثابت

الحمد لله وحده , والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده, كنت قد أشرت في المقال 
السابق إلي بعض معاني الصبر وأستكمل بعون الله وتوفيقه الحديث, فنعيش 
اليوم مع حقيقة الصبر وكيف وصفه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.

الصبر نصف الإيمان:
يقول ابن القيم: ثبت أن الإيمان نصفان ; نصف شكر ونصف صبر باعتبار أن الإيمان  إما فعل مأمور فهو شكر أو ترك محظور وذلك هو الصبر, وإما بأن العبد بين أمرين ,إما حصول محاب ومسار(أي أمور محبوبة) فوظيفته الشكر وإما حصول مكاره ومضار فوظيفته الصبر فمن قام بالأمرين استكمل الإيمان.

ثم قال عن الصبر: وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوي النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.

النفس البشرية كالدابة الحرون ( التي يصعب قيادتها) تريد أن تترك في ملذاتها فتقضي منها أوطارها, كما أنها تكره القيود من أحكام العرف والشرع ,فتبغي ألا يكون لها غل يقيد تصرفاتها

أري النفس تهوي ما تريد       وفي متبعتي لها عطب شديد
تقول وقد ألحت في هواها       مرادي كلمـــــــــا أهوي أريد

وقال آخر:
والنفس كالطفل إن تهمله شب علي      حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وسئل الجنيد بن محمد عن الصبر فقال : تجرع المرارة من غير تعس (أي تحمل مرارة العيش دون إظهار الضيق والتضجر )
وقال ذو النون المصري: الصبر التباعد من المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية, وإظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة.
نعم المؤمن الصابر لا يتحمل فقط مرارة العيش ونكد الدنيا بل يجد اللذة في هذا النصب وتلك المعاناة مادامت في رضا الله عز وجل فهو يعلم علم اليقين انه سبحانه قادر علي أن يمنحه وأن يعطيه وأن له سبحانه حكمة في المنع والعطاء فلابد له من التسليم بقضائه فربما كان الفقر خير له من الغني.

سأل رجل سفيان الثوري : مالي أطلب الشيء من الله تعالي فيمنعني ؟
قال منع الله عطاء لأنه لم يمنعك من بخل ولا افتقار ولا احتياج وإنما يمنعك رحمة بك.
نزل القرآن وهو أعظم كتاب للتربية علي قلوب هؤلاء الصحابة الكرام مبشرا للصابرين ومادحا لأهل الصبر فتلقت تلك القلوب الغضة تلك الأوامر بالاستجابة الفورية لأنهم كانوا يتلقون هذه الآيات وكأن الله عز وجل يخاطب كلا منهم بها لشخصه فسرعان ما يستجيبون للأوامر الربانية , فلم يكن القرآن في نظرهم مجرد مصاحف ذات طباعة فاخرة محفوظة علي الأرفف  لا دراية للمسلم بمضمونها ومحتواها كما هو حال المسلمين اليوم مع القرآن , بل كان ديدنهم هو انتظار الأوامر لتطبيقها ,
يقول صلي الله عليه وسلم ( ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله تعالي " إنا لله وإنا ليه راجعون" اللهم اؤجرني في مصيبتي و أعقبني خيرا ًمنها إلا فعل الله به ذلك ) رواه مسلم
هذه الخنساء الشاعرة التي أدركت الجاهلية والإسلام لو قارنا جزعها علي أخيها حين قتل في الجاهلية حتى كادت تقتل نفسها حزنا عليه مع صبرها في الإسلام لكان ذلك عجبا.
لقد كان مما قالت في أخيها (صخر):
يذكرني طلوع الشمس صخراً    وأذكره بكل غروب شمسٍ
ولولا كثرة البـــــــاكين حولي    علي إخوانهم لقتلت نفسي
 ولما أسلمت شهدت القادسية بين المسلمين والفرس ومعها أبناؤها الأربعة 
فاستشهدوا  في ذلك اليوم واحداً بعد واحد,فلما بلغها نعيهم في يوم واحد لم تلطم خداً 
ولم تشق جيباً بل قالت:الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني 
بهم في مستقر رحمته.
رزقنا الله وإياكم ثبات الصابرين ويقين الموقنين وصلي الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.


الجزء الاول من سلسلة وبشر الصابرين مع تعريف بصاحب المقال تجده علي الرابط التالي

وبشر الصابرين

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أخي \ أختي في الله ... تذكر(ي) دائما
قوله تعالى : ( مَا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيد )

 
Support : Your Link | Your Link | Your Link
Copyleft © 2013. واحة أفكاري - All lefts Reserved
Template Created by Creating Website Published by Mas Template
Proudly powered by Blogger custom blogger templates